| 

تكتسب حركة العودة في فلسطين والمنافي القريبة والبعيدة زخماً جديداً يوماً بعد يوم، رغم الصعوبات الذاتية والموضوعية التي تواجهها تلك الحركة منذ انطلاقها في أعقاب اتفاق أوسلو وما أنتجه من مخاوف ومحاذير جدّية تتعلق بإضعاف الإطار القانوني الخاص بحق العودة، بوصفه حقاً تاريخياً من حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة وغير القابلة للتصرف.
منعاً للالتباس أو الخلط نقصد بحركة العودة هنا تلك الحركة التي انطلقت نتيجة مبادرات شعبية خالصة من أوساط المجتمع الأهلي الفلسطيني في فلسطين والمنافي، تمييزاً لها عن حراك آخر أو عن «حركة أخرى» مرتبطة بمؤتمرات ولقاءات وورشات عمل عديدة تتبناها جامعات أو مراكز أبحاث عديدة على امتداد دول أوروبا وأميركا الشمالية ويشارك فيها أكاديميون وسياسيون وناشطون فلسطينيون، كما ترتبط بشكل أو بآخر بعملية المفاوضات الإسرائيلية/الفلسطينية العبثية وبمصالح الأطراف والدول المنخرطة في تلك العملية.
إذن الحركة التي نقصدها هي حركة اعتراضية تتم في إطار الحفاظ على الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني وتهدف إلى مواجهة كافة أشكال المساومات على حق العودة كما أنها حركة استنهاضية غايتها حشد الطاقات من أجل صون هذا الحق وحمايته من أي تبديد.

الخلفية التاريخية لنشوء حركة العودة
لابد من الاعتراف أن حركة العودة بالمعنى الذي حددناه سابقاً لا تزال حركة مشتتة وضعيفة البنية رغم الجهود الحثيثة التي بذلها أكثر من طرف من اجل جمع أطرافها وتوحيدها وتعزيز فاعليتها. ونود أن نشير هنا بشكل خاص إلى بعض المحاولات الأساسية على هذا الطريق(١):
1- مؤتمر»حق العودة» الذي عقد في مدرسة الحقوق التابعة لجامعة بوسطن (8/4/2000) بمبادرة من جمعية الطلاب العرب في الجامعة ومؤسسة الأبحاث العربية (TARI). وهي مؤسسة مدنية أنشأها أكاديميون فلسطينيون وكان يرئس مجلس أمنائها الدكتور نصير عاروري. وتهدف هذه المؤسسة إلى تشجيع البحث العلمي عن اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة وإلى دفع حركة العودة إلى الأمام عبر تحفيز آليات وإستراتيجيات التنسيق بين أطرافها، دون أن تطرح نفسها بديلاً عن أي طرف منها.
وقد تلا عقد مؤتمر بوسطن مباشرة تأسيس منظمة «العودة أميركا» التي عرفث لاحقاً باسم «ائتلاف حق العودة في أميركا الشمالية». وتقوم هذه المنظمة بدور بارز في مجال الدفاع عن حق العودة في الولايات المتحدة، كما تعقد مؤتمراً سنوياً بشكل منتظم.
2- الائتلاف الفلسطيني لحق العودة: اتفقت لجان حق العودة التي شاركت في مؤتمر بوسطن على التنسيق والتعاون فيما بينها على أسس أوثق. وهكذا تداعت هذه الأطراف الى عقد لقاء تأسيسي في قبرص (6-10/10/2000) عشية انطلاق انتفاضة الأقصى، بمبادرة من المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين/ بديل، وبالتنسيق مع مجموعة عائدون (لبنان وسوريا) وكونفدرالية حق العودة في أوروبا.وقد نجم عن هذا اللقاء تأسيس الائتلاف الفلسطيني لحق العودة. ودأب الائتلاف منذ ذلك التاريخ على عقد لقاءات سنوية لمجموعات العودة في فلسطين التاريخية والبلدان العربية المضيفة وأوروبا وأميركا الشمالية. وقد تم عقد لقائيه السنويين الأخيرين (العاشر والحادي عشر) في بيروت (في كانون الثاني/ديسمبر من العامين 2010 و 2011(٢).
3- مؤتمر العودة: عقد هذا المؤتمر في لندن (تشرين أول /أكتوبر 2003) بمبادرة فردية من شخصيات فلسطينيية فاعلة وبالتنسيق مع بعض نشطاء العودة في الأردن مثل «اللجنة العليا للدفاع عن حق العودة» العاملة تحت مظلة أحزاب المعارضة الأردنية، و«المجموعة194» الناشطة في سوريا . وانبثق عن هذا المؤتمر لجنة متابعة دائمة وناطق رسمي باسم المؤتمر هو الدكتور سلمان أبو سته، المعروف بأبحاثه وجهوده الحثيثة والمتواصلة في الدفاع عن حق العودة. ولم يتكرر انعقاد هذا المؤتمر بعد ذلك، إلا أنه لايزال يصدر المواقف المتعلقة بحق العودة على لسان ناطقه الرسمي.
4- نشير في هذا السياق الى الدور الرائد الذي تقوم به بعض المراكز الفلسطينية المتخصصة في إنتاج ثقافة العودة وتعميمها في أواسط اللاجئين والناشطين في مجال الدفاع عن حق العودة مثل مركز العودة الفلسطيني (لندن) الذي تتعاون معه بشكل وثيق المنظمة الفلسطينية لحق العودة في لبنان « ثابت» والمنظمة الفلسطينية لحق العودة في سوريا «واجب». ويواظب المركز كما المنظمتان الشريكتان له على إنتاج الأبحاث والدراسات المتعلقة باللاجئين وحق العودة وعلى عقد المؤتمرات ذات الصلة ومنها مؤتمر « فلسطينيو أوروبا « السنوي الهادف الى تعبئة طاقات الجاليات الفلسطينية في أوروبا من أجل الدفاع عن حق العودة.
والسؤال الجوهري هنا: ما هي الأسس والمقومات الواجب توفرها من أجل توحيد حركة العودة في بنية تنظيمية صلبة وفاعلة، أو على الأقل ضمان أكبر قدر ممكن من التنسيق بين أطرافها المبعثرة، بغية تعزيز فاعليتها وتجنيبها المنافسة غير البناءة وتلافي هدر الجهود والإمكانات؟!
تتلخص هذه الأسس والمقومات من وجهة نظرنا في التالي:
- بلورة خطاب عودة موّحد وغير متنافر في بنيته الأساسية استناداً إلى أسس واضحة وصلبة تعتبر حق العودة حقاً فردياً وجماعياً غير قابل للمساومة والتفاوض ولا يسقط بالتقادم ومرور الزمن، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بحق تقرير المصير. إن البنية الفكرية السياسية للحركة شرط لازم لتوحيدها وتصليب بنيتها الداخلية.
- التمسك باستقلالية حركة العودة بمعنى الحفاظ على طابعها الأهلي الشعبي والنأي بها عن أي ارتباط تنظيمي فصائلي، دون أن يعني ذلك البتة عدم التنسيق والتفاعل مع الفصائل والتنظيمات على صعيد العمل والنشاط. والاستقلالية ليست هدفاً في حد ذاتها، بل غاية تمكن حركة العودة من القيام بواجبها ودورها في ممارسة الضغط على مختلف الأطراف الرسمية المعنية عند الضرورة (السلطة الوطنية، م.ت.ف، المجتمع الدولي) من أجل حماية حق العودة وعدم التنازل عنه أو إسقاطه. وهذا الدور ينسجم مع طبيعة حركة العودة بوصفها حركة شعبية أهلية تعكس مصالح اللاجئين وحقوقهم وبالأخص حق العودة، دون أن تزج بنفسها في خضم التمثيل السياسي لهؤلاء اللاجئين انطلاقاً من أن (م.ت.ف) هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بكل فئاته الاجتماعية.
وبهذا المعنى لا ينبغي لحركة العودة أن تكون بديلاً عن الحركة الوطنية الفلسطينية في تحمل عبء القضية الفلسطينية ومن ضمنها قضية اللاجئين، أو بديلاً عن برامج الفصائل الفلسطينية في إطار (م.ت.ف) وبرنامج الإجماع الوطني.
- الوعي بأهمية ألا يعمد أي طرف من أطراف حركة العودة مهما كبر شأنه ادعاء التمثيل الحصري لهذه الحركة على الصعيدين الوطني والدولي، بل اعتبار نفسه رافداً من روافدها الأخرى يعمل على التنسيق والتعاون مع تلك الروافد بالقدر الذي يتفق مع أهدافه ومبادئه الوطنية الموجهة. وهذا شرط ضروري ولازم لنبذ عقلية الاستبعاد والتفرد ولإشاعة روح من الديموقراطية والعمل الجماعي في أوساط الحركة بما يعزز بنيتها الداخلية.
- مراعاة وتفهم خصوصية كل ساحة من ساحات النشاط لدى تشكيل البنى الفرعية لحركة العودة، أي اعتماد قدر كاف من المرونة على صعيد البنى التنظيمية في كل ساحة من الساحات وتجنب تبني أو فرض نموذج أو مثال بعينه. فالفلسطينيون يعيشون في ظل ظروف قانونية وسياسية واجتماعية متباينة في فلسطين والدول العربية المضيفة وفي الشتات.

استراتيجيات التنسيق والمتابعة
ينبغي التميز هنا بين آليات واستراتيجيات التنسيق على المستوى العام لحركة العودة وتلك المتعلقة بكل ساحة من الساحات على حدة. ويمكن القول إجمالاً إن هناك ضعفاً بيّناً في وتيرة التنسيق والمتابعة على كلا المستويين. ويتجلى هذا الضعف على المستوى الأول في انخفاض وتيرة المشاركة سواء في النشاطات المشتركة التي تقيمها أطراف حركة العودة (مؤتمرات، ندوات، أحياء المناسبات الوطنية... إلخ) أم تلك التي تقيمها أطراف خارج الحركة. كما يتجلى هذا الضعف على المستوى الثاني في تدني وأحياناً انعدام التنسيق في النشاطات المقامة في كل ساحة. وهذا الأمر يضعف الحركة على الساحة نفسها وعلى المستوى العام أيضاً، إذ أن قوة حركة العودة بشكل عام ما هي إلاّ حصيلة نشاطاتها في كل ساحة على حدة.
ولذلك، فإن معالجة هذا الوضع تبدأ من ساحات العمل أولاً وأساساً من خلال: الارتقاء بالبنى الداخلية لمجموعات العودة وتوسيع قاعدتها الشعبية وقاعدة المشاركة في نشاطاتها؛ الارتقاء بمستوى الحوار بين المجموعات المختلفة والحرص على استمراره؛ تطوير وسائل الاتصال والوصول إلى المعلومات المتعلقة بمجريات قضية اللاجئين وحركة حق العودة؛ إقامة النشاطات المشتركة... إلخ ومن ثم رفع وتيرة التنسيق وصولاً إلى صيغ عمل مشترك متطورة وفاعلة تحددها ظروف كل ساحة من ساحات العمل.

بين الواقع والطموح
على صعيد الواقع ينبغي الإقرار بأن حركة العودة لا تزال دون مستوى مجابهة المخاطر والتحديات التي تتهدد حق العودة على المستوى الوطني والدولي. وهي بحاجة إلى تعزيز بنيتها والارتقاء بمستوى فاعليتها حتى تكون قادرة على مواجهة تلك المخاطر والتحديات.
وفي رأينا، أن هناك جملة من المهام المطروحة أمام حركة العودة من شأن الإسراع في إنجازها تعزيز فاعلية الحركة. وأبرز هذه المهام:
- العمل على توحيد خطاب العودة على المستوى العام للحركة، عبر إطلاق الحوار وتبادل الأفكار.
- تعزيز وتصليب البنى التنظيمية لمجموعات العودة في كل ساحة من الساحات ورفع وتيرة التنسيق فيما بينها، وصولاً إلى استنباط صيغ توحيدية.
- تعزيز التنسيق بين مجموعات العودة في مختلف الساحات بهدف تطوير وبلورة صيغة تنظيمية جامعة.
- توسيع المشاركة الشعبية في نشاطات العودة، وخاصة من قبل الشباب في المخيمات، الذين بدأوا يلعبون دوراً مهماً في الحركة الوطنية الفلسطينية مع تنامي دور الاعلام الاجتماعي في ظل مناخات الربيع العربي.
- تعزيز التوجه إلى الأطفال والناشئة من خلال إنتاج مواد تربوية تعزز لديهم ثقافة العودة والانتماء إلى فلسطين أرضاً وتاريخاً وتراثاً.
- تعزيز التواصل مع المؤسسات التربوية والثقافية والشبابية التابعة للفصائل الفلسطينية (فلسطين والدول المضيفة) والمعنية بتربية النشء على ثقافة العودة.
- تيسير تبادل المعلومات بين مختلف المجموعات في كل ساحة على حدة وعلى مستوى الساحات التي تنشط فيها حركة العودة.
وعلى صعيد الطموح هناك مهمتان إستراتيجيتان مطروحتان على حركة العودة، من شأن إنجازهما أحداث نقلة نوعية في واقع الحركة: المهمة الأولى؛ إحياء فكرة عقد «مؤتمر العودة وتقرير المصير» التي طرحها عام 1996 عدد من الأكاديميين الفلسطينيين في الولايات المتحدة كان من بينهم الراحلان الكبيران إدوارد سعيد وهشام شرابي، مع دراسة معمقة للأسباب التي أدت إلى فشلها حينذاك. أما المهمة الثانية فهي تطوير حملة فلسطينية / دولية من أجل الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين.
هدف مؤتمر العودة وتقرير المصير، كما طرحه الدكتور نصير عاروري في ورقته المتضمنة في الكتاب الذي يحتوي أعمال مؤتمر بوسطن المذكور أنفاً هو معالجة العبث بالإطار القانوني لحقوق الشعب الفلسطيني نتيجة لاتفاقيات أوسلو. وهو»مشروع غير حزبي وغير أيديولوجي وغير طائفي، يهدف إلى مؤازرة حق العودة وتقرير المصير». وبحيث يكون المؤتمر منتدى لجميع الفلسطينيين من كل فئات المجتمع لكي يلتقوا ضمن قواعد المساءلة، على أن يكون تتويجاً لجهود شعبية تتحرك من القاعدة صعوداً في عملية ديموقراطية وروح من المساواة.
أما الحملة الدولية فتهدف إلى بناء شبكة دولية صلبة للدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض واستعادة الممتلكات. كما تهدف إلى زيادة الوعي العام الدولي بتلك الحقوق. على أن تجري الحملة في سياق إبراز العنصرية الصهيونية وسياسة التطهير العرقي الإسرائيلي المتبعة منذ ما قبل العام 1948، التي تحول دون عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، وبحيث يتم إبراز القوة الأخلاقية لحق العودة وشرعيته القانوينة وفق مبادئ القانون الدولي.
1ـ لا تتضمن هذه الخلفية المحاولات الأولى للدفاع عن حق العودة التي أعقبت النكبة مباشرة يوم لم تكن فكرة العودة منفصلة بأي شكل من اشكال عن هدف التحرير الكامل، بل كانت محصلة طبيعية لفعل التحرير. وفي هذا السياق لا بد لنا من الاشارة الى لجان العودة التي أنشأها المناضل الكبير الراحل أبو ماهر اليماني في بدايات الخمسينيات والتي غطت نشاطاتها مخيمات لبنان كافة
2ـ لا بد من الاشارة هنا الى الارهاصات الأولى لتشكيل حركة العودة في الضفة الغربية في وقت مبكر بعد توقيع أوسلو وقبل تأسيس الائتلاف، حيث بدأ بعض نشطاء المجتمع الأهلي في استشعار خطر مفاوضات السلام على حق العودة. ونشير هنا تحديداً الى المؤتمر الذي عقده هؤلاء النشطاء في مخيم الفارعة في خريف عام 1996.

* باحث فلسطيني متخصص بشؤون اللاجئين.