| 

نشط تأليف لجان حق العودة في الأردن غداة توقيع اتفاق أوسلو الفلسطيني – الإسرائيلي عام 1993 ومعاهدة السلام الأردنية – الإسرائيلية عام 1994، ملتقية، من دون تنسيق، عند حدود الدفاع عن قضية اللاجئين الفلسطينيين إزاء محاولات «التهميش» والالتفاف حول الحقوق، إما مداورة تحت عنوان تأجيل البحث إلى المرحلة النهائية، أو صراحة باسم التوطين كما ورد في المادة الثامنة من المعاهدة.
لكن أوسلو ومعاهدة وادي عربة لم تستحدثا مبادرات الأخذ بناصية تثبيت الحقوق، فقد جرت محاولات مبكرة لتأطير المسعى عقب نكبة عام 1948، ببلورة تنظيمات شعبية متعددة في الضفة الغربية، التي ضُمت إلى الضفة الشرقية وفق قرار وحدة الضفتين عام 1950، للمطالبة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجّروا منها قسراً إسرائيلياً ولمجابهة حراك مضاد كان يدفع نحو التوطين والانتقاص من الحق.
عندما تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، نظر الفلسطينيون المقيمون في الأردن، المقدرين بأكثر من نصف المجتمع الأردني، منهم مليونا لاجئ مسجلين لدى وكالة الغوث الدولية (الأونروا)، إليها بصفتها كياناً سياسياً ممثلاً لقضيتهم التي وقفت هدفاً لوجودها وغاية أعمالها، ومدخلاً لمسعى تحويل واقعة اللجوء إلى حركة تحرر وطني تحمل أهداف استعادة حقوق اللاجئين في وطنهم وتحرير الأرض وتقرير المصير.
وتجسد ذلك في صيغة تنظيمات سياسية واتحادات وجمعيات ولجان شعبية رفعت خطاب حق العودة، إلا أن عملها اصطدم بمسار علائقي مضطرب بين النظام الأردني الحاكم والمنظمة اكتسى في مراحل مختلفة، تحت غطاء إشكاليات «التمثيل» و«الهوية»، بجوانب التناحر حدّ الصدام والمواجهة، تجسدت، رسمياً، عبر قمع نشاطات المنظمة، ومحاولات تطويق مساعي تبلور هوية وطنية فلسطينية خارج النطاق الأردني والالتفاف حول امتداداتها التمثيلية العضوية في جسد المنظمة، وإحكام السيطرة على المخيمات، لما مثلته، بالنسبة إلى العرش وشرائح مؤسسية حاكمة، تهديداً لأسس الشرعية السياسية للنظام الحاكم ومصدراً بديلاً للولاء والهوية الوطنية بين سكان الأردن الفلسطينيين، بزعم تمثيل الأردن، نظرياً، لهم.
أضاف العدوان الإسرائيلي عام 1967 تهجيراً فلسطينياً آخر ومطالبة مضاعفة بالعودة، غير أن أحداث عامي 1970 – 1971، وخروج المقاومة إلى لبنان وسوريا، تركت تأثيراتها على المنظمة وامتداداتها التمثيلية في الساحة الأردنية، فيما بلغت إشكالية «التمثيل» مداها حينما امتنع الأردن عن تأييد المنظمة ورفض تمثيلها للفلسطينيين المقيمين في المملكة باعتبارهم مواطنين فيها، ولكنه لم يجد تأييداً عربياً لذلك حيث أعلن مؤتمر القمة العربية في الرباط عام 1974 اعترافه الصريح بالمنظمة «ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني» أينما تواجدوا، تبعه اعتراف دولي مماثل بالمنظمة، فاتخذ الأردن، كردة فعل غاضبة، إجراءات عدة لتخفيض المشاركة الفلسطينية في الحياة السياسية للبلاد وإرغام المواطنين على تحديد ولائهم.
بقيت الحال كذلك إلى أن وقفت جملة متغيرات، كان منها دعم عربي ودولي واسع للمنظمة، خلف هدنة الطرفين، تطورت في صيغة تنسيق على وقع نتائج العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 1982 وخروج المقاومة الفلسطينية من أراضيه وتصدع وتفتت الكثير من بنى المنظمة ومؤسساتها في الشتات، وتغير الموقف القيادي الفلسطيني حيال إدارة الصراع، فضلاً عن تنامي الطرح الإسرائيلي «بالوطن البديل»، فأعيد فتح مكاتب المنظمة ومؤسساتها في الأردن عام 1986، وشارك الجانب الفلسطيني في إطار الوفد الأردني لمؤتمر مدريد 1991، وما تبع ذلك من توقيع اتفاق أوسلو ومعاهدة وادي عربة، تزامناً مع موقف أردني رسمي بعدم وجود مطامع له في الضفة الغربية وتأييد منظمة التحرير وحق العودة ورفض التوطين، من دون أن يلغي ذلك التباسات العلاقة حيال الحق الأردني في تمثيل اللاجئين، حاملي الجنسية الأردنية، في مفاوضات الوضع النهائي، بدعوى الدفاع عن حقوق مواطنيه ومصالحهم وحقوق الدولة الأردنية المضيفة.

لجان حق العودة
لم يدم شعور الانتصار الكبير لقضية اللاجئين والتحرير الوطني في السبعينيات كثيراً، فبعد قمة الرباط واعتراف قرارات أممية بحق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير، جرت تغيرات في مضمون وطبيعة التحرك المطلبي الفلسطيني العربي، بانتقال استراتيجية المنظمة من تبني تحرير فلسطين التاريخية إلى إزالة آثار العدوان وتحرير الأراضي المحتلة عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية ضمنها، تجسدت عملياً في البرنامج السياسي عام 1974، ورسمياً خلال دورة المجلس الوطني في الجزائر عام 1988 بتبني «حل الدولتين».
وقد نظر الفلسطينيون في الأردن، بخاصة اللاجئين منهم، إلى تلك التغيرات الجذرية بعين الحذر والتساؤل عن مدى تمثيل المنظمة لوجودهم ولقضاياهم، وفي مقدمتها حق العودة، في ظل شعورهم المتنامي بالتهميش جراء تغييب المنظمة، وعدم تمثيلهم الكافي في مؤسساتها وهياكلها وأطرها، برغم تشكيلهم مع أقرانهم من فلسطيني الشتات ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني، وحملهم معاً عبء النهوض الفلسطيني منذ أواسط الستينيات حتى مطلع الثمانينيات.
تعاظمت إشكاليات الهوية والكيانية عندهم مع تدرج تهميش مؤسسات المنظمة في الخارج، ومنها دائرة اللاجئين، منذ منتصف الثمانينيات، مرحلة الحراك الغربي النشط لتسوية الصراع، وصولاً إلى أوسلو، الذي أجل قضية اللاجئين إلى مفاوضات الوضع النهائي، ودخول القيادة الفلسطينية إلى الأراضي المحتلة عام 1967 وتشكيل السلطة عام 1994 التي سعت للانقضاض على إرث المنظمة بصفتها المتحدث الرسمي الفلسطيني، بمساعدة غربية إسرائيلية لإلغاء وجودها وتصفية الحقوق الفلسطينية، مما أبرز مطالبات فلسطينية بإحيائها وضم الفصائل غير المنضوية بها، مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي، في إطارها.
مسّت معاهدة وادي عربة الحقوق الفلسطينية، وفي مقدمتها حق العودة، حينما أشارت المادة الثامنة من المعاهدة إلى التوطين صراحة، فأدى غياب سياسة رسمية واضحة عن التعاطي مع قضية اللاجئين إلى خلق إشكالية مزدوجة تنقلت بين الهوية في ظل عمليات سحب الجنسية وبقاء حقوق المواطنة في نطاق حيزها النظري، والتوطين استناداً لما أقرت به المعاهدة بربط الحل «بالتوطين والتعويض»، برغم الموقف الرسمي العلني المطالب بحق العودة وفق مبادرة السلام العربية، والرافض للطروحات الصهيونية المنادية «بالخيار الأردني» و«الوطن البديل». وبرغم حساسية العلاقة السياسية الممتدة تاريخياً مع المنظمة، وحساسية قضية اللاجئين بالنسبة للأردن، فقد استكمل الأخير خطوات الاستعداد لمرحلة التسوية من خلال النص الصريح بالتوطين والتعويض في المعاهدة، وبإجراء تعديلات على وظيفة واسم دائرة الشؤون الفلسطينية وتعيين لجان تحسين الخدمات في المخيمات التابعة مباشرة للدائرة، فضلاً عن تنفيذ حزمة الأمان الاجتماعي في المناطق الأشد فقراً ومناطق السكن العشوائي وفي المخيمات.
لقد دفعت محاولات الانتقاص من حق العودة وتهميش اللاجئين الفلسطينيين حدّ الإقصاء؛ بحراك نشط داخل مخيمات الأردن وخارجها لملء الفراغ السياسي، وذلك بتكوين لجان شعبية للدفاع عن حق العودة وعقد المؤتمرات وإصدار الوثائق والخرائط والكتب عن اللاجئين وحقوقهم غير القابلة للتصرف، إضافة إلى عقد مؤتمرات دولية عن اللاجئين وحقوق الإنسان ومؤتمرات شعبية وبرلمانية.
واستهدفت اللجان والتجمعات الشعبية مرامي التعبئة وإطلاق الحملات الوطنية وتثبيت حق العودة وتأكيد التمسك الفلسطيني به، والتصدي لمحاولات التفريط بالحقوق الفلسطينية بمشاريع توطين لم تكن في غالبيتها غربية، على شاكلة اتفاق بيلين/ أبو مازن (1995) ومبادرة أيالون/ نسيبة (2002)، ومن ثم خريطة الطريق (2003)، و«حل الدولتين» الذي يتناقض بنيوياً مع تطبيق حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وأراضيهم التي طردوا منها عام 1948، وصولاً إلى المسعى الفلسطيني الأخير بتقديم طلب العضوية الكاملة للدولة الفلسطينية على حدود 1967 في المنظمة الأممية، مما ولد تساؤلات من دون إجابة بشأن مصيري حق العودة ومنظمة التحرير.
وتعد «لجنة الدفاع عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين/ الأردن»، التي تأسست عام 1998، من أبرز اللجان الفاعلة في هذا المجال. وتنضوي اللجنة تحت مظلة لجنة التنسيق العليا لأحزاب المعارضة الأردنية بعد فشل تأسيسها مستقلة بفعل ظروف قانونية وإجرائية، وتضم في عضويتها ممثلين عن الأحزاب ولجان العاملين في الأونروا وشخصيات مستقلة، ولها فروع في المخيمات، وتهدف للدفاع عن حق العودة والتصدي لمحاولات الانتقاص منه ورفض التوطين وبلورة استراتيجية جماهيرية شعبية لتثبيت قضية اللاجئين، باعتبارها تمثل إحدى المعارك الكبرى مع العدو الصهيوني.
كما تأسست عدة لجان بالعنوان ذاته، منها لجنة مستقلة باسم «اللجنة الشعبية الأردنية لنصرة القدس وحق العودة» تشكلت حديثاً بعد «مخاض عسير مع الجهات الرسمية اعتراضاً على شخوصها المؤسسين»، وفق قول رئيسها عدنان الحسيني، ولجنة مشابهة تبلورت في إطار مجمع النقابات المهنية، يسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين، ولجنة أخرى حديثة في المخيمات الفلسطينية باسم «حركة اللاجئين من أجل العودة» للمطالبة بحق العودة «بوصفه القضية المشتركة للشعبين الفلسطيني والأردني»، بحسب تعبيرها.

ضعف التنسيق
تتلاقى تلك اللجان أهداف الدفاع عن حق العودة ورفض التوطين، ولكنها لجان مبعثرة تفتقد إلى التنسيق والتعاون المشترك، مما عرقل تشكيل جبهة موحدة تستهدف تنظيم الصفوف وتوحيد المواقف، فيما يؤخذ على بعضها العمل الموسمي، وضعف الأداء والانشغال بمسائل تحسين نوعية الخدمات المقدمة في المخيمات وتطوير الظروف المعيشية للاجئين، برغم أهميتها، ولكنها جاءت على حساب تمثيل قضية اللاجئين في حق العودة. وتكمن الإشكالية هنا في ضعف، إن لم يكن، غياب التواصل مع منظمة التحرير، وقد يكون لذلك مسوغاته عند بعضها، حيث ألقت العلاقة المضطربة بين النظام الحاكم والمنظمة بتبعاتها، ليس فقط على علاقة الأخيرة بتلك اللجان، التي سعى بعضها لنفي أي علاقة معها توحي «بازدواجية الولاء والتمثيل»، توطئة لتقديم «صك البراءة» أمام السلطة الأردنية، بل أيضاً انعكس على أداء اللجان في الساحة الأردنية الذي تعرض للتضييق والعراقيل، وفي كثير من الأحايين، منع تنظيم التظاهرات أو المسيرات لنصرة قضية اللاجئين، برغم تقاطع الهدف مع الموقف الرسمي، وفق دعاوى الأخير، بما يتجلى بوضوح عند محاولة إحياء ذكرى المناسبات الوطنية الفلسطينية.
وقد تعاظمت تلك العراقيل في ظل الحراك الإصلاحي الداخلي، بما يكشف عن عمق المأزق السياسي الحالي في الأردن والمرتبط بالموقف الرسمي منه، مصحوباً بعمليات حشد وتعبئة على قاعدة «الولاء» وعودة إلى «الصوت الواحد» ومواجهة الحراك الشعبي بالأدوات التقليدية المعروفة وفق المنظور الأمني، استناداً إلى المراهنة على محدوديته وضعفه، بما ينمّ عن نظرة ضيقة تتجاوز استحقاقات تاريخية واستراتيجية.
وتتفرع الإشكالية لتصبّ في منحى «التمثيل»، فإذا كانت حقوق «المواطنة الأردنية»، التي مُنحت لغالبية اللاجئين الفلسطينيين في إطار وحدة الضفتين عام 1950 (إلى أن صدرت تعليمات فك الارتباط عام 1988)، ما زالت في جانب منها نظرية، فإنها لا تنطبق، كلياً، على حوالي مليون فلسطيني مقيمين في المملكة ممن لا يحملون الجنسية الأردنية، ويضمون، إضافة إلى أبناء قطاع غزة المقدرين بنحو 300 – 350 ألف نسمة، مئات ألوف الفلسطينيين الذين تأثرت أوضاعهم القانونية بفعل فك الارتباط، بما يخلق تحديات الدمج والتمثيل، والتي أخذت مداها مؤخراً عند بحث مشروع انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني والإجماع حول اختيار أعضاء الأردن «بالتوافق» وليس انتخاباً، مما يحرم شريحة واسعة من المشاركة الانتخابية الفعلية، ويعيد طرح إشكالية «التمثيل» إلى الواجهة، وسط غياب المنظمة عنهم.

*كاتبة من الأردن.