| 

عبرت الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة منذ مراحل تأسيسها وخلال محطات نهوضها وعنفوانها،عن مطالب وتطلعات اللاجئين الفلسطينيين ممن شكلوا عصب المشروع الوطني ومحركه السياسي والاجتماعي، ولكن التغيرات اللاحقة التي طرأت على الخطاب السياسي الفلسطيني بعد توقيع اتفاق أوسلو مطلع التسعينات، أدت إلى اهتزاز العديد من المسلمات والثوابت الوطنية، وإلى إطلاق مخاوف جدية عمت أوساط اللاجئين في ضوء انكشاف المبادرات الدولية والحلول المقترحة آنذاك لتفكيك قضية اللاجئين وشطب حق العودة. ومع انفتاح مسارات التفاوض التي أعقبت الاتفاق وضراوة الضغوط الإسرائيلية والأميركية، لفرض مقايضة تاريخية مجحفة تقوم على معادلة الدولة الفلسطينية مقابل التخلي عن حق العودة، تعمق إدراك اللاجئين الفلسطينيين لخطورة التحديات التي انتصبت في تلك المرحلة، وضرورة مواجهة تداعياتها الكبيرة والاجابة على أسئلتها المصيرية.
لقد شكلت تلك المخاطر والتحديات الدوافع والمحركات الأساسية، لولادة أشكال متعددة من الحراك الشعبي في مختلف تجمعات اللاجئين تركزت حول الدفاع عن حقوقهم الوطنية وفي مقدمتها حق العودة، وبدأت تتبلور منذ أواسط التسعينيات لجان وهيئات وروابط أهلية وضعت قضية العودة نصب أعينها. وتمثل التطور النوعي الذي أعطى لهذه الحركة الوليدة زخماً قوياً، في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي جاءت رداً على تعثر عملية التسوية وفشل مفاوضات كامب ديفيد.
وإذ تعددت الجهود والمقاربات في تلك الفترة لتطوير السمات المشتركة لحركة العودة وتوسيع آفاقها، وتأكيد ثقلها النوعي في حياة اللاجئين، بيدَ أن الأطوار التي مرت بها والمحطات التي امتحنت خطابها وبناها وتشكيلاتها، أظهرت المسافة الفاصلة بين ما نشأت حركات العودة لأجل تحقيقه وبلوغه، وبين الواقع الذي تقف عليه اليوم، وهي أسباب موحية لإعادة قراءة هذه التجربة وتقييم دورها ومحصلاتها في مجرى الكفاح الفلسطيني، وتتناول هذه المطالعة النقدية التجربة الخاصة لحركة العودة في سوريا، لما تمثله من أهمية ومكانة في السياق العام لحركة اللاجئين من جهة، ولأنه يمكن اتخاذها نموذجاً لفهم عناصر التشابك والتداخل والاختلاف، التي وسمت حركات العودة في فضاء الشتات الفلسطيني من جهة ثانية.

مكونات حركة العودة
قبل الإضاءة على بيبلوغرافيا حركة العودة في سوريا، ومتابعة الخط البياني لمسيرة تحولاتها، لا بد من التأكيد على مسألتين ذواتي صلة وثيقة بالتوجهات الفكرية والسياسية لمؤسسيها ونشطائها البارزين. الأولى تأثرها بمحاولات قوى وشخصيات عربية لتطوير مجتمع مدني متحرر من هيمنة السلطات الرسمية، وقادر على تلبية احتياجات الفئات المهمشة في المجتمعات العربية، وإنتاج مثل هذا التوجه على الصعيد الفلسطيني، ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار لخصوصية واقع اللجوء وموجبات الصراع السياسي، وكان بروز منظمات الـNGOS داخل الأراضي المحتلة وفي مخيمات اللاجئين في لبنان، أن وفر حافزاً للتفكير بإيجاد صيغ أهلية تعبر عن مطالب اللاجئين في سوريا بهياكل وأهداف محلية الطابع. الثانية أنها وجدت في تصديها لمسؤولية الدفاع عن حق العودة، فرصة تاريخية لكسر احتكار العمل السياسي الفلسطيني، وإعادة النظر بتمثيل اللاجئين في مؤسسات القرار الوطني، لا سيما ان اغلب مؤسسيها من أصحاب التجارب السياسية السابقة، مما وسع من وعاء مهامها خلافاً لطبيعة العمل الأهلي ذات الاغراض التنموية المحددة.
لقد تعددت أشكال حركة العودة التي نشأت تباعاً على الساحة السورية، وتنوع طابعها بين لجان مستقلة كانت السباقة من حيث الولادة، ولجان فصائلية تأسست لاحقا، ولتعذر إمكانية التفصيل في هوية كل لجنة سنكتفي بذكر أسماء أبرز اللجان التي تأسست مع مراعاة تقسيمها إلى فئتين.

اللجان المستقلة
بادر إلى تأسيسها ناشطون مستقلون كان أغلبهم غادر صفوف التنظيمات لأسباب مختلفة، وبعض كوادر الفصائل الذين شاركوا بصفتهم الشخصية، ومن نخب مثقفة وشبان فاعلين في المجتمع الفلسطيني، وتعددت أشكال نشاطها في مخيمات وتجمعات اللاجئين، من خلال الندوات والمؤتمرات وورش العمل والبيانات والاعتصامات والمسيرات... الخ، وأهم هذه اللجان:
ـ لجنة الدفاع عن حق العودة: ايلول عام 1996 ـ لجنة الأرض: صيف عام 2000 ـ مجموعة عائدون: تموز عام 2000- رابطة العودة الفلسطينية: خريف عام 2000- ملتقى العودة: شباط عام 2001- لجنة حتمية العودة: ايار عام 2001 ـ رابطة المثقفين الوطنيين الفلسطينيين: حزيران عام 2001- اللجنة النسائية الفلسطينية: شباط عام 2002- ملتقى الشباب الفلسطيني: حزيران عام 2003 ـ مجموعة بادر: نيسان 2005ـ الهيئةالفلسطينية السورية لحق العودة: تشرين الأول عام 2007 ـ حركة عودة الشعب الفلسطيني: شتاء 2007 .
يجدر التنويه إلى أن العديد من المنتديات الثقافية المستقلة التي نشطت في قضية العودة، ولكن لفترات متقطعة اتسمت هيئاتها بعدم الاستقرار وسرعة التشكل والانحلال، ولمزيد من التفصيل في هوية اللجان المستقلة يمكن العودة إلى (كتاب أحمد الباش الناشط في تجمع واجب بعنوان « تجربة العمل الأهلي في سوريا – لجان العودة» وهو قيد الطباعة).

اللجان الفصائلية
كانت مواقف الفصائل الفلسطينية من نشأة لجان العودة المستقلة متضاربة وموزعة بين دعم البعض لها معنوياً وإدارياً وبين تشكيك البعض الآخر بوجود تلك اللجان ومآرب نشطائها، غير أن المناخات التي خلقتها الانتفاضة الثانية على الصعيدين الشعبي والرسمي، وتراجع حدة الانقسام الفلسطيني بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد دفعت الفصائل الى تشكيل لجان للعودة تحت إشرافها ورعايتها، وهذه اللجان حسب عائديتها التنظيمية هي:
- لجنة 194وتجمع حق: الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين ـ حركة أبناء البلد ولجنة اللاجئين: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ تجمع واجب: حركة حماس ـ منتدى القدس الثقافي: حركة فتح ـ رابطة بيت المقدس: حركة الجهاد الإسلامي ـ تجمع ساند: فتح الانتفاضة ـ لجنة شباب فلسطين: منظمة الصاعقة ـ اللجنة الوطنية: الجبهة الشعبية القيادة العامة ـ لجنة فلسطين من أجل العودة: جبهة التحرير الفلسطينية ـ هيئة فلسطيننا: جبهة النضال جناح عبد المجيد ـ حتماً سنعود جبهة النضال جناح غوشة.

محطات التنسيق
تعددت محاولات تنسيق المواقف والجهود بين اللجان المستقلة واللجان الفصائلية، إلى أن تم تشكيل لجنة التنسيق بداية عام 2006م وهي ائتلاف مكون من 17 لجنة ناشطة في ميدان حق العودة، وبعد اكتمال التحضيرات والوثائق لعقد مؤتمرها الأول بمناسبة ذكرى النكبة في ذاك العام، ألغي المؤتمر قبل انعقاده بقرار سياسي مفاجئ، وكان ذلك ضربة موجعة لأنصار فكرة توحيد اللجان في بوتقة واحدة. وبعد أن لاحت نذر الانقسام السياسي مجدداً على خلفية تفجر الخلافات الداخلية بين حركتي فتح وحماس في منتصف العام 2007، ألقت تلك الحقبة بظلالها على المشهد الفلسطيني وانفرطت إثرها محاولات تنسيق أعمال وبرامج اللجان في ائتلاف موحد، لتظهر هيئتان للتنسيق، واحدة تمثل اللجان المدعومة من قوى التحالف الفلسطيني، وأخرى تمثل اللجان المدعومة من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، مع بقاء عدد محدود جداَ خارج هاتين الآليتين مثل مجموعة عائدون. يلاحظ في العامين الأخيرين تراجع حاد في كل مستويات التنسيق بين اللجان، وهو انعكاس مباشر لتقهقر حركة العودة بصورة عامة.

في أسباب وعوامل تراجع حركة العودة في سوريا
كثيرة هي عوارض ومؤشرات الأزمة الشاملة التي استحكمت بأطر وبنى حركة العودة في سوريا، وما تبديد رصيدها الشعبي الذي حصدته في زخم البدايات، ومحدودية أنشطتها ومجالات تحركها، وانصراف جيل الشباب الفلسطيني عن المشاركة في أطرها وهيئاتها، إلا مظاهر جلية على عمق وشمول الأزمة التي تعصف بها، والتي يمكن إعادتها الى الاسباب والعوامل التالية:

أولاً: إشكاليات البنية
انغلاق وتصلب البنى المكونة لحركة العودة في سوريا، كان من أهم الأسباب التي باعدت هذه الحركة الأهلية التطوعية عن بعدها الشعبي، وقد تجلت تلك الأعراض المزمنة في غياب المنهجية وأسس التشاركية عن حيوات أطرها وتشكيلاتها، فلونت النوازع الفردية والنخبوية منحى تجاربها وأشكال تواصلها مع قطاعات اللاجئين، فيما لم تقدم نموذجاً يعتد به في الممارسة الديموقراطية بسبب انكماش عقلية النخب القائمة عليها وضعف مساهماتها في تطوير قيم التعددية والتنوع في المجتمع الفلسطيني، ولأن مثل هذه البنية لا تسمح باختراق الواقع السائد بقدر ما تعيد إنتاجه، لم تتمكن حركة العودة برغم التمايزات النسبية بين أطرها في التصدي لمهامها كما ينبغي، ولم تستطع تركيم الانجازات والمكتسبات التي حققتها على صعيد تفعيل قضية العودة.

ثانياً: الاختلاف حول خطاب العودة
في قراءة الوثائق التأسيسية لكافة قوى حركة العودة، يتضح مدى اختلافها في المضامين التي يقوم عليها خطاب العودة، ففيما ركزت بعض اللجان على الجانب الدولي منه وخاصة القرار 194، رأت لجان أخرى في ذلك تنازلاً عن حق العودة، كما حملت بعض اللجان خطابين مزدوجين لحق العودة، فعندما يكون جمهورها من اللاجئين يكون خطابها حاسما وجليا في التأكيد على حق العودة وعندما تشارك في مؤتمرات ولقاءات خارجية تقدم خطابا ً براغماتياً يتساوق مع الجهات الراعية، كما أن ضعف الثقافة الحقوقية أوقع بعض لجان العودة في مواقف ملتبسة، وفي جميع الأحوال أدى تباين اللجان الناشطة حول خطاب العودة، إلى عجزها عن صوغ استراتيجية موحدة للعودة.

ثالثاً: مشكلات الأداء
افتقرت لجان العودة في عملها بين فلسطينيي سوريا إلى تقاليد راسخة في ثقافة العمل الأهلي، بسبب ضعف تراث كلا المجتمعين السوري والفلسطيني على هذا الصعيد، وإذا كان مفهوماً وربما مبرراً طغيان النزعة التجريبية على طرائق وأساليب هذه اللجان في أطوار البدايات، ما عاد ذلك ممكنا مع تقدم عمر تجربتها حيث بقيَ أداؤها أسيراً لردود الأفعال وعالقاً في مطبات الارتجال والعفوية والمزاجية، «يرى غسان عبود - ناشط في لجنة 194- أن لجان العودة لم تستطع مد جسور التواصل والتفاعل مع المجتمع المحلي، وهذا ساهم في إضعاف البعد الشعبي لتحركاتها، برغم بعض الاختراقات التي حققتها في مراحل الصعود التي مرت بها». «ويقول خليل أبو سلمى الناشط في لجان العودة سابقاً: إن اللجان فشلت بالفصل بين ما هو سياسي وبين ما هو أهلي، وإذا كانت العودة قضية سياسية بامتياز فإن كيفيات التعبير عنها ذات طبيعة أهلية تقترن بصحة الأداء وقدرته على إيصال الرسالة».

رابعاً: الواقع السياسي ودور الفصائل
تأرجحت لجان العودة ما بين مراحل صعودها وهبوطها تبعاً لتحولات السياسات الفلسطينية وتجاذباتها، وبما أن الانقسام وسياسة المحاور والاصطفاف من السمات البارزة في الواقع السياسي الفلسطيني منذ أكثر من عقدين، لم تنجُ لجان العودة من تداعيات هذا الواقع، لا سيما مع خفوت طابعها المستقل وهيمنة الفصائل عليها في المراحل اللاحقة، بل وانتقلت الكثير من أمراض الفصائل الى هذه اللجان مما أثر سلباً على واقع حركة العودة، «ويعزو رجا ديب الناشط في مجموعة عائدون هذا الخلل إلى تجاهل اللجان لدورها الأساسي كمجموعات ضغط وتحولها إلى امتداد للسياسات القائمة»، «بينما يرى يوسف فخر الدين الناشط في لجنة الارض سابقاًأن لجان العودة، وإن كانت في بداياتها، ردة فعل شعبية على المسار السياسي والتنظيمي الفلسطيني، إلا أنها أعادت إنتاج الكثير من عيوب وأخطاء هذا النظام، مما أدى الى انفضاض الناس من حولها».
ولعل تطورات المشهد الداخلي السوري مما لا يمكن تجاهل تأثيراته على حركة العودة بمختلف تياراتها، وما أصبحت عليه من جمود طال معظم أنشطتها وفعالياتها في الآونة الاخيرة.

خامساً: ضعف الإمكانيات والموارد
أنشأ حركة العودة في مخيمات سوريا أفراد متطوعون ينتمي معظمهم إلى الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وقد اعتمدوا في تغطية أنشطة ونثريات اللجان على اشتراكات رمزية، وبعض التقديمات المحدودة، ورغم ضعف هذه الامكانيات لم تركز اللجان على تنمية مواردها المالية، كما أن ضعف آليات تواصل هذه اللجان مع المجتمع المحلي فوت عليها مصادر تمويل كالتبرعات النقدية والعينية، وأمــام دعـــم الفصـــائل للجان المحسوبة عليها تعززت الفروقات الحادة بين قدرات اللجان، فبينما حظيَ تجمع «واجب» بدعم كبـــير من حــركة حماس، بقيت أكثر اللجان المستقلة تعاني من شـــح في الامكانيات والموارد، «يعيد عصام بيطاري الناشط فـــي رابطة العودة جزء من هذه المشكلة إلى عدم ترجمة اللجـــان لمقولة الاكتفاء الذاتي بالشكل العلمي المطلوب، وقيامها بوضـــع خطط فضفاضة لا تملك القدرة على تغطيتها مما أبقاها في الأدراج».
واستخلاصاً من مجمل هذه الأسباب والعوامل التي لعبت أدواراً مختلفة في تراجع حركة العودة الفلسطينية في سوريا، يبقى أن تجاوز لجان العودة للواقع الذي صارت عليه، يبقى رهناً بمراجعة نقدية عميقة تروم من خلالها تصويب ومراجعة أوضاعها، والنهوض مجدداً بمسؤولياتها الوطنية في الدفاع عن حق العودة.

* كاتب ومحامٍ فلسطيني مقيم في دمشق.