| 

يسكن معظم المهجرين الفلسطينيين في مناطق 1948 في مدن وقرى عربية قريبة من قراهم المهجرة. ويبلغ عددهم ما بين 250 ألفا إلى 300 ألف. وهم البقية الباقية من الفلسطينيين، الذين تم تهجيرهم من 530 قرية فلسطينية، وبقوا في وطنهم ولم يلجأوا إلى دول أخرى بعد ترحيلهم على أيدي العصابات الصهيونية والجيش الإسرائيلي. ومهجرو الداخل، كما اصطلح على تسميتهم، مندمجون، حاليا، في المجتمع العربي. لكن بسبب قربهم من قراهم فإنهم يحنون إلى العودة إليها دائما. ولذلك تراهم يزورونها في كل مناسبة، وحتى في عطلة نهاية الأسبوع أحيانا، لقضاء يوم فيها مع عائلاتهم، وذلك في حال تمكنوا من الوصول إليها، إذ أقيمت في غالبية القرى المهجرة بلدات يهودية صغيرة، وقسم كبير منها محاط بالأسيجة.
أحد أبرز نشطاء جمعية المهجرين في الداخل ورئيسها السابق هو أمين محمد علي (أبو عرب)، الذي هُجّر وعائلته من قرية صفورية، ويسكن حاليا في مدينة الناصرة. وتقع صفورية على مرمى حجر من بيته المطل على سهول القرية التي ما زال يزرع مهجروها قسما من أراضيها الذي يعرف باسم «بستان صفورية».
قال أبو عرب لملحق «فلسطين» إن «شعوري هو أنني موجود في الناصرة بشكل موقت، إلى حين أعود إلى صفورية». وأردف: «مع أني مرتاح ومبسوط في الناصرة لكن لا أستبدلها بصفورية. عندي شعور أنني لست من الناصرة بل أنا لاجئ، مهجر في الناصرة وموجود فيها بشكل موقت».
وتحدث أبو عرب عن معاناة مهجري الداخل بعد النكبة، وقال: «نحن كمهجرين عانينا في البداية. وكانت نظرة قسم من أبناء المدينة التي لجأنا إليها على أننا لسنا من أبناء هذه البلدة. هذا عدا قضية المسكن التي كانت قضية حارقة. كنا نستأجر الدار لسنة أو أقل، وبعد ذلك يحتاج إليها صاحبها، فننتقل إلى دار أخرى، ويتكرر الأمر نفسه. لم يكن باستطاعتنا قول شيء. واستمر هذا الوضع لسنوات طويلة، عملنا خلالها وجمعنا المال حتى أصبح بمقدورنا شراء أرض وبناء بيت عليها».
والسبب في هذه الحال هو أنه عندما رحّلت إسرائيل الفلسطينيين عن قراهم ومدنهم تركوا كل شيء مكانه. ووصف أبو عرب ذلك بالقول: «تركنا دورنا وأثاثنا وملابسنا. كل شيء». وأضاف «كنا نشعر بنظرة احتقار من بعض أهلنا الذين بقوا في المدن والقرى التي لجأنا إليها وأرغمنا على السكن بينهم. لا أريد التعميم، لكن كانت هناك نظرة كهذه نحونا. كان البعض يقول لنا: «هربتم من بلدكم، ماذا تريدون أن تفعلوا هنا؟».
لكن أبو عرب يؤكد أنه في حالة صفورية، وقرى أخرى أيضا، لم يخرج الأهالي من القرية خوفا من مجازر أو بعد اشتباكات مسلحة بين ثوار القرية والعصابات الصهيونية. وقال: «ما حدث هو أنه بقي كثير من الأهالي في القرية. وحتى إنهم حصلوا على بطاقات الهوية الإسرائيلية عندما كانوا لا يزالون يسكنون في القرية. وبقوا فيها ثمانية شهور بعد الإعلان عن قيام إسرائيل. لكن بعد ذلك جمع الجيش الأهالي في منطقة البيادر وطالبوهم بمغادرتها خلال 48 ساعة، وهددوهم بأنه إذا بقي أحد في القرية فسيتم إطلاق النار عليه. وقسم من الأهالي خاف وغادر القرية، أما الذين رفضوا الخروج، فقد أحضر الجيش شاحنات وحملهم عليها بالقوة و«كبّوهم خارج البلد. وبعد ذلك أغلقوا البلد وأعلنوا أنها منطقة عسكرية مغلقة، يحظر الدخول إليها إلا بتصريح. ويوجد لدي وثيقة رسمية، أحضرتها من أرشيف الدولة، تعترف فيها الدولة بأنه تم تهجير السكان بهذه الطريقة».
ويعلق أبو عرب على ذلك قائلا: إن «الإسرائيليون يقولون إن اللاجئين هربوا. بينما نحن لم نهرب بل خفنا. هذا أولا. وثانيا هم أخرجونا بالقوة من البلد. وكان هذا في العام 1948. واليوم، في سنة 2012، عندما يتم إطلاق صواريخ على منطقة الشمال، فإن السكان اليهود هناك يتركون بيوتهم ويهربون إلى جنوب البلاد، مع وجود الملاجئ والغرف الآمنة. وعندما يهدأ الوضع يعودون. لماذا نحن لا نعود؟».
انقلاب مفاهيم
لم تكن قضية مهجري الداخل مطروحة على جدول أعمال الأقلية العربية في إسرائيل، منذ النكبة وحتى بداية سنوات التسعين من القرن الماضي. لكن بعد تأليف جمعية المهجرين وقيامها بنشاط متراكم أبرزه مسيرة العودة التي تجري في كل عام في اليوم الذي تحتفل إسرائيل فيه بذكرى استقلالها بموجب التقويم العبري، أصبحت قضية المهجرين في الداخل واحدة من أسخن القضايا في الشارع السياسي العربي في البلاد. وقال ابو عرب إن انقلابا حدث في قضية مهجري الداخل، وإن هذا الانقلاب حدث بعد محادثات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وأضاف: ان «هذا الانقلاب بدأ عندما تم منع المفاوض الفلسطيني من عرض قضية المهجرين على طاولة المفاوضات وأذعن للمفاوض الإسرائيلي الذي اعتبر قضية مهجري الداخل شأناً داخلياً إسرائيلياً. عندها رأينا نحن المهجرين في الداخل أن علينا أن نتحرك. وأن نأخذ قضيتنا بأيدينا». وأشار «قبل ذلك كنا نعتبر شريحة من شرائح الشعب الفلسطيني. وكنا نعتبر أن منظمة التحرير الفلسطينية تمثل جميع هذه الشرائح في الداخل والخارج. وفجأة أدركنا، خلال عملية أوسلو، أن لا أحد يمثلنا. عندها دعونا إلى مؤتمر في قرية عبلين في العام 1994. وأعلنا في هذا المؤتمر أننا، نحن المهجرين في الداخل، لا أحد يمثلنا أو يمثل قضيتنا. ونحن سنمثل أنفسنا ونحن أصحاب القرار بما يتعلق بمهجري الداخل. وأقمنا جمعية المهجرين».
واعتبرت السلطات الإسرائيلية، أن هذا الإعلان يشكل تشويشا على برنامج إسرائيل المتعلق بعملية أوسلو. وأشار ابو عرب إلى أنه «بعد خمس سنوات، وبعد أن نظمنا عددا من النشاطات الناجحة نسبيا، بدأت السلطة الفلسطينية تبدي استعدادا للتعاون مع جمعية المهجرين».
ولفت إلى أن «جمعية المهجرين» تتشكل من مجموعة ينتمي أعضاؤها إلى أحزاب مختلفة ذات أفكار سياسية متباينة، لكن، جميعنا اتفق «على أمر مهم جدا وهو أن نعمل من أجل قضية المهجرين فقط، وأن تكون الجمعية مستقلة استقلالا كاملا عن جميع الأحزاب العربية في البلاد. وخلال العمل داخل الجمعية على كل واحد أن يضع معتقداته الحزبية جانبا ويعمل بإخلاص لصالح قضية المهجرين وحدها».
وتابع أبو عرب: «اللافت في الموضوع هو أن أحزابنا في الداخل وهيئاتنا السياسية تفهمت هذا الموقف وتعاملت مع جمعية المهجرين على هذا الأساس. وأعتقد ان علينا الاستفادة من هذه التجربة التي وضعت هيئة ما، أي جمعية المهجرين، في مكانة فوق حزبية وتعمل من أجل غاية وطنية. وهذه حالة فريدة من نوعها في العمل السياسي في البلاد». وأوضح أنه «قبل عشرين أو ثلاثين عاما كان يتم إرغام أولادنا على حمل العلم الإسرائيلي في يوم الاستقلال، ويرغمونهم على إنشاد نشيد (عيد استقلال بلادي). أما اليوم، وفي مسيراتنا المركزية، يرفع شبابنا وطلابنا الأعلام الفلسطينية وينشدون (نطالب بالعودة). بل انهم يرتدون ثيابا سودا ويرفعون علمنا المركزي الأسود اللون في ذكرى النكبة، حدادا على ما جرى».
مسيرة العودة
أصبحت مسيرة العودة تقليدا سنويا في حياة فلسطينيي الداخل السياسية. وانطلقت أول مسيرة إلى قرية الغابسية المهجرة في العام 1982. وفي كل عام يتم تنظيم المسيرة في قرية مهجرة مختلفة. وقال أبو عرب: «في البداية لم يكن هناك تأييد أو حماسة للمشاركة في مسيرة العودة. وكنا قلائل لا يتعدى عددنا بضع مئات. واليوم أصبح عدد المشاركين في هذه المسيرة يزيد على 20 أو 25 الفا». وأضاف: «إننا نعتبر أنفسنا من بين الهيئات القليلة القادرة على تجنيد عدد كهذا لنشاط وطني وسياسي. وعمليا نحن خلقنا يوما وطنيا. وقد اخترنا تنفيذ مسيرة العودة في يوم «استقلال إسرائيل»، وشعارنا في هذه المسيرات هو (يوم استقلالكم هو يوم نكبتنا). وبالمناسبة، لقد استطعنا أن ندخل كلمة نكبة إلى القاموس الصهيوني، مثلما استطاع شعبنا إدخال كلمة انتفاضة إلى القاموس الصهيوني، بحيث يتم استخدام هذه الكلمة بلفظها العربي وليس بترجمتها العبرية».
وخلص أبو عرب إلى القول «إننا سنستمر في نشاطنا كمهجرين ونطالب بالعودة. ونرى أن العودة ستتم من طريق السلام... السلام الحقيقي. وأنا أعتبر أن السلام الحقيقي يبدأ أولا بأن تعترف الصهيونية بالجريمة التي اقترفتها بحق شعبنا العربي الفلسطيني في العام 1948. وثانيا أن تعوض الشعب الخسارة التي خسرها والمعاناة التي عاناها. وثالثا، عودة جميع اللاجئين والمهجرين في الداخل إلى بلداتهم وبيوتهم وأراضيهم، وأعني في ذلك تطبيق قرار الأمم المتحدة رقم 194».
* كاتب فلسطيني مقيم في رام الله.