| 

هي اليوم مدينة صغيرة وفقيرة ومهمّشة، لا يتجاوز عدد سكانها 50 ألف نسمة، ثلثهم من العرب، وهي مقسّمة إلى أربعة أحياء أساسيّة: حيّ عكا القديمة، حيّ عكا الانتدابيّة - مركز المدينة (حي الرشاديّة)، الحيّ الشماليّ والحيّ الشرقيّ. وجميع سكان عكا القديمة من العرب الفلسطينيّين/ أما الحيّ الشرقيّ فجميع سكانه، تقريبًا، من اليهود.
تمدّد الوجود العربيّ في العقود الأخيرة الى الخارج الأسوار التي حُصر في داخلها في فترة الحكم العسكريّ ووصل إلى الحيّ القريب من البلدة القديمة، الذي كان يسمّى قبل النكبة بحيّ «العمارات» والذي تختلط بناياته بالمباني الإسرائيليّة التي أقيمت على أنقاض ما هُدم. وتشير التقديرات إلى أنّ نسبة العرب اليوم نحو 70% من سكان الحيّ، منهم من قدم إليها من عكا القديمة ومنهم من قدم من قرى الجليل المحيطة. وآخر تجليات هذا التحوّل كان نجاح السكّان في إعادة افتتاح مسجد «اللبابيدي» المغلق منذ العام 1948 في قلب هذا الحيّ. أما الحيّ الشماليّ، فتشير التقديرات إلى أنّ النسبة هناك عكسيّة، حيث يشكّل العرب 30%، لكن هذه التقديرات لا ترتكز على إحصاء علميّ.
تسعى مشاريع التهويد، عمومًا، إلى كسب «المباراة» ديموغرافيًا كأحد أسس التفوّق والحفاظ على الأغلبية العدديّة لضمان «مشروعية» احتكار القرار السياسي والتحكم بمصير المكان وقاطنيه. ولا شكّ في أنّ المسعى الاستراتيجيّ الإسرائيليّ هو الحفاظ على أغلبية يهوديّة في عكا، وأنّ هذه التحوّلات تشكّل تحديًا خطيرًا ومقلقًا، خصوصًا في ظلّ الهجرة اليهوديّة من المدينة نحو «نهاريا» و«الكريوت» في الشمال أو مدن المركز، فالحديث هنا يدور على أرقام صغيرة وعلى نسبة بالغة الحساسية.

مفصل «يوم الغفران»
ثمة رفض يهودي قويّ لإسكان العرب في الأحياء الجديدة، من عكا. وقد تفاقم هذا الرفض بعد أحداث «يوم الغفران» العنيفة بين العرب واليهود في تشرين الأول/أكتوبر 2008. ويبدو بالفعل أنّ هذه الأحداث العنيفة والاعتداءات العنصريّة التي عصفت بعكا شكّلت حدثًا مفصليّاً في تاريخ المدينة، وبالتحديد في سياق إعادة رسم حدود الوجود القوميّ في الحيّز المدينيّ. فقد مُنع العرب من السكن في الحيّ الشرقيّ لعكا وفي المشاريع الإسكانيّة الجديدة في المدينة لكن هذا المنع لم يبدأ فعلياً مع هذه الأحداث، بل كانت الأحداث ذروة مكثّفة لسلسلة اعتداءات عنصريّة على العائلات والمقدسات العربيّة هدفها الأساسيّ منع العرب من السكن في الحيّ.
وبعد الأحداث تحوّل اهتمام المؤسّسة الحاكمة وأولوياتها إلى ضمان الأغلبيّة اليهوديّة في المدينة من خلال الحفاظ على «نقاء» الحيّ الشرقيّ، وبناء أحياء جديدة لليهود وحدهم من خلال تخصيص المشاريع لجنود جيش الاحتلال، أو لليهود المتديّنين، ووضع شروط في اتفاقيات البيع تمنع البيع للعرب في المستقبل، أو بشكلٍ غير مباشر في مشاريع السكن العامّة من خلال رفض طلبات المتقدّمين العرب بحججٍ مختلفة.

عودة إلى الزواريب القديمة
قبيل أحداث «الغفران» العنيفة والاعتداءات على العائلات العربيّة في الحيّ الشرقيّ وتهجيرها منه (هُجّرت 14 عائلة كانت تسكن الحيّ)، تحوّلت قضيّة التهويد ومخطّطات بيع البيوت والمعالم التاريخيّة إلى القضيّة المركزيّة والوجوديّة للمجتمع العربيّ في عكا، وخلقت حراكًا إعلاميّا وجماهيريّا. وكانت إحدى أهمّ القضايا التي أشعلت لهيب هذا الحراك ضد مخططات التهويد هو بيع «خان العمدان» (أكبر وأهمّ وأجمل خانات المدينة، وهو وقف إسلاميّ تسيّطر عليه «شركة تطوير عكا القديمة») من رجل أعمال يهوديّ بريطانيّ، خلال صيف 2008، وكان ضمن شروط الصفقة التزام المشترين إخلاء 37 عائلة عربيّة تسكن في محيطه.
صحيح أنّ مشروع تهويد عكا، بمركباته التهجيريّة والاستيطانيّة والثقافيّة، لم يبدأ مؤخرًا، بل بدأ مع التطهير العرقي للفلسطينيين في العام 1948، لكننا شهدنا في حينه توسيعًا وتصعيدًا لمخططات التهويد، كأنّ المدينة كانت أمام مزاد تصفيّة علنيّ. فالعطاءات أعلنت عروضاً لبيع أهمّ معالمها التاريخيّة وأغلبها، من أبراج الأسوار والفنار وسينما «بستان» والخانات وقصور الأغنياء، ونشاط غير مستكين لسماسرة يغرون السكّان الفقراء بحفنات من مال. ويبدو أنّ اعتراف اليونسكو بعكا (القديمة) كمدينة تراث عالمي، في العام 2001، حفّز المؤسّسة الإسرائيليّة على تطوير مخططات التهويد فيها وتوسيعها وتنفيذها الفعليّ.
مشروع تهويد عكا، كباقي المدن التاريخيّة والقديمة بشكل عام (يافا، حيفا، عكا، اللد، الرملة)، يرتكز إلى ثلاثة أسس: 1 ـ تضييق الخناق على السكان العرب وحرمانهم الخدمات وتهميشهم لدفعهم الى ترك الأحياء القديمة طوعًا. 2 ـ نزع الهويّة العربيّة الفلسطينيّة عن المدينة وتزييف تاريخها وطمسه من خلال الهدم المنهجيّ للعمارة الفلسطينيّة وعبرنة أسماء الشوارع. 3 ـ امتلاك البيوت والعقارات من خلال المؤسّسات والشركات الحكوميّة، ضمن سنّ قوانين على مقاس المخططات تصعّب التوريث وتسهّل السيطرة على الأوقاف الإسلامية خصوصًا و«تأجيرها»، وتيسير شراء الأملاك لمؤسسات ورؤوس أموال صهيونيّة عالميّة أو محليّة.

«ملكيّة» البيوت والمعالم
سيطرت «دائرة أراضي إسرائيل» على جميع أملاك اللاجئين الفلسطينيّين بعد التطهير العرقيّ العام 1948، ووضعتها ضمن مسؤولية «الوصي على أملاك الغائبين»، وأسّست شركة «عميدار» الحكوميّة لإدارة هذه الأملاك، وصاغت قوانين «سلطة التطوير» التي تشبه الى حدٍ معين منظومة قوانين «المساكن الشعبية». واستخدمت «دائرة أراضي إسرائيل» قوانين المسكن لتهجير الناس من بيوتهم خلال عشرات السنين في عكا وباقي المدن التاريخيّة، من خلال منعهم من ترميم بيوتهم لسنوات طويلة ودفعهم لشراء شقق سكنيّة في قرية المكر المجاورة بنيت خصيصًا لاستيعابهم. وإحدى آليات التهجير لدى «سلطة التطوير» هي منع السكان من نقل حقوقهم في البيت لأكثر من جيلين متتاليين، أي منع الجيل الثالث من الاستمرار في السكن في البيت نفسه، فإذا تمّ نقل ملكية البيت مرة واحدة من الجد إلى الابن لا يمكن نقلها مرة أخرى الى حفيد، وإذا لم يتمّ نقلها من قبل فعلى الحفيد أو الابن أن يكون قاطنًا في البيت لمدة ستة أشهر على الأقل قبل وفاة الساكن.
لدينا في عكا أكثر من 240 بيتاً مغلقاً، وهنالك 160 أمر إخلاء مجمّداً، كما أنّه تمّت محاولة شراء عشرات البيوت في السنين الأخيرة، وبعض الصفقات تمّت، من قبل أصحاب رؤوس أموال يهود بمبالغ طائلة، ويستمر عمل العديد من السماسرة لإقناع الناس ببيع بيوتها، وبخاصة في حي «الفاخورة» المحاذي للشاطئ الغربي. وفي المقابل، قامت «دائرة أراضي إسرائيل»، من خلال شركة «التطوير» بمحاولة بيع الأوقاف الإسلاميّة (40 % من عكا القديمة أملاك وقفيّة)، التي وضعت يدها عليها من خلال «تأجير» لجنة «أمناء» الوقف الإسلاميّ التي عيّنتها الحكومة الإسرائيليّة في فترة الحكم العسكريّ، والتي أجرتها أملاك الوقف لـ 99 سنة، كما جرى مع خان «العمدان» ومحيطه.
في أيّ حال، يشهد المُخَطّط التهويديّ لعكا القديمة، تعثّرًا تنفيذيّا موقتًا منذ «مفصل الغفران» 2008، فمن جهة زاد الوعيّ الشعبيّ، بهذا المُخَطّط، وزاد التضامن مع أهالي عكا، وازداد اهتمام وسائل الإعلام الفلسطينيّة والعربيّة بقضاياها وما تمرّ به، ولاسيّما أنّ لهذه المدينة مكانة خاصّة في الوجدان العربيّ.
لقد حوصرت مدينة عكا مرّات عديدة على مرّ التاريخ، وعرفت بقدرتها على تجاوز المحن أمام جيوش عنيدة، حصار أهلها اليوم والمسّ بحقهم بالسكن والتطوّر في مدينتهم حصار مختلف لا يتطلب تشييد الأسوار المنيعة بل هدمها.

كاتب وصحافي - عكا.