تسبب قيام دولة إسرائيل العام 1948 في تشريد الشعب الفلسطيني ونشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين التي لا تزال من دون حل منذ أكثر من نصف قرن. وبهذا أصبح الشتات الفلسطيني هو الأطول منذ قيام «النظام الدولي للاجئين» بعد الحرب العالمية الثانية. ومن المعروف أن إسرائيل دولة غير عادية النشأة، فهي كيان استيطاني نشأ على حساب شعب آخر تم تشريده من أرض وطنه. وإنها لمفارقة تبعث على السخرية أن إسرائيل التي ولدت بدعم من الأمم المتحدة نفسها ترفض تطبيق أي من قراراتها، لا سيما القرار (194) المتعلق بعودة اللاجئين إلى ديارهم.
وقد تمّ التشديد على هذا القرار أكثر من مئة مرة من قبل الأمم المتحدة منذ صدوره في كانون الأول/ديسمبر العام 1948 وحتى الآن. كما أكدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العديد من قراراتها اللاحقة وأبرزها: القرار 513 للعام 1952، والقرار 2963 للعام 1972، والقرار 2452 للعام 1968، بالإضافة إلى القرار 3236 للعام 1974 الذي اعترفت الأمم المتحدة بموجبه بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وبحقه في الاستقلال والسيادة الوطنية، واعتبرت حق العودة من الحقوق غير القابلة للتصرف (Inalienable).
إن الاتفاقات الموقعة في إطار عملية السلام منذ إطلاقها في مدريد العام 1991 بخاصة اتفاق أوسلو والاتفاقية الإسرائيلية الأردنية قد همشت قضية اللاجئين الفلسطينيين وجرّدتها من طابعها السياسي والتاريخي، بحيث تحوّلت إلى مجرد قضية إنسانية تبحث في إطار لجنة اللاجئين المنبثقة عن المفاوضات المتعددة الأطراف أو قضية ثنائية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل في مفاوضات الحل النهائي، رغم كونها لبّ الصراع وجوهره.
وعلى الرغم من اختلال ميزان القوى لمصلحة المفاوض الإسرائيلي، وما يفرزه هذا الاختلال من تعقيدات في عملية المفاوضات وما يضعه من عقبات في طريقها، ومع رفض الفكر الصهيوني والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الاعتراف بالمسؤولية الأخلاقية والمعنوية عن خلق مأساة اللاجئين الفلسطينيين فإن المجتمع الدولي ـ وبخاصة الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية التي تحمّلت مسؤولية أكبر في خلق إسرائيل ودعم وجودها ـ ملزم أخلاقياً بالضغط على إسرائيل لحملها على الالتزام بقرارات الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي، بما يضمن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرض وطنهم، على غرار ما حصل مؤخراً للاجئي البلقان وبعض اللاجئين في القاهرة الإفريقية.
ومما يجدر ذكره أن حق العودة من وجهة نظر قانونية هو من نوع المبادئ العامة التي ليست بحاجة إلى تكريس نصّي من أجل الاعتراف بها. فقد ضمّنه العديد من النصوص القانونية الأساسية منذ قرون مثل الشرعة العظمى Magna Carta كما ضمنته معاهدات جنيف الأربع والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 13، الفقرة 2) والميثاق العالمي للحقوق المدنية والسياسية (المادة 12، الفقرة 4).
بيد أن المسألة الجوهرية هنا هي أن يرفع اللاجئون الفلسطينيون أنفسهم صوتهم عالياً لإيصال مطلبهم المشروع في العودة إلى إسماع المجتمع الدولي وصناع السياسة ومنظمات حقوق الإنسان وأطراف عملية السلام بما في ذلك السلطة الفلسطينية نفسها.
وبصرف النظر عن النتائج التي ستتمخض عنها مفاوضات السلام بين الأطراف المعنية، فمن حق اللاجئين الفلسطينيين أن يتمسكوا بقرار عودتهم، باعتباره من الحقوق الوطنية المشروعة غير القابلة للمساومة أو التفريط، وبوصفه مكوناً أساسياً من مكونات حق تقرير المصير لمجموع الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين التاريخية، خصوصاً أن حق العودة أصبح اليوم حقاً مطلقاً من حقوق اللاجئين الفردية والجماعية، كرّسته كل مواثيق حماية حقوق الإنسان، كما أضحى جزءاً من القانون الدولي العام، وما يعرف عادة بالمبادئ المقرّرة التي تعترف بها الأمم المتحضرة.
وبناء على ما سبق، بادر عدد من المثقفين والأكاديميين والناشطين الاجتماعيين والكتاب في لبنان إلى اللقاء للبحث في السبل الكفيلة بدعم حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، وتداعوا إلى تأسيس مجموعة أطلق عليها اسم «عائدون» تيمناً بهذا الشعار الذي غدا حلماً للعودة بالنسبة لأجيال عدة من اللاجئين طوال العقود الماضية الخمسة.
والمجموعة هيئة إدارية مستقلة تنظيمياً وعضويتها مفتوحة أمام الناشطين الفلسطينيين واللبنانيين على حد سواء، باعتبار أن النضال من أجل العودة يهمّ أيضاً أفراد المجتمعات المضيفة للاجئين الفلسطينيين، كما يتصل بمصالح تلك المجتمعات، وخاصة المجتمع اللبناني.
وتعمل المجموعة وفق المنطلقات التالية:
ـ تأكيد وحدة الأرض والشعب التي فرّطت بها الاتفاقات المعقودة. وفي السياق ذاته تأكيد وحدة قضية اللاجئين الفلسطينيين أينما كانوا: في المنافي والضفة الغربية وغزة أو مهجرين داخل حدود فلسطين الانتدابية. وهذه الوحدة تقرر بدورها ترابط قضية لاجئي الشتات الذين يشكلون نحو 70% من مجموع الشعب الفلسطيني مع لاجئي فلسطين في نضالهم الواحد من أجل العودة.
ـ في ظل ما يثيره تفسير القرار 194 بشقيه المتصلين بالعودة والتعويض من جدل قانوني أو التباس بالنسبة لقضية العودة، فإننا نؤكد أن العودة حق مطلق من حقوق اللاجئين الفردية والجماعية، وأنها الأساس في تفسير القرار المذكور. أما التعويض عن الخسائر المادية والممتلكات والمعاناة النفسية والاجتماعية فهو حق قانوني آخر لكل لاجئ ـ عاد أم لم يعد إلى أرضه ـ تضمنه المواثيق الدولية وتؤيده.
ـ انطلاقاً من شروط واقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بوصفه الأكثر سوءاً بين لاجئي الشتات، بسبب حرمانهم من معظم الحقوق المدنية، فإننا نؤكد أهمية النضال من أجل نيل هذه الحقوق بما يخفف من معاناة اللاجئين النفسية والاجتماعية، وبما يتعارض مع مخططات التوطين، ولا يحول دون استمرار النضال من أجل العودة. وفي هذا الصدد ندعو الجهات اللبنانية الرسمية والمدنية إلى التمييز بين مسألتي الحقوق المدنية والتوطين، حيث إن حلّ المسألة الأولى يسهم إلى حد كبير في إفشال المسألة الثانية. كما ندعو مختلف الجهات الفلسطينية المعنية إلى إيلاء مسألة الحقوق المدنية للفلسطينيين في لبنان الأهمية التي تستحقها، لارتباطها الوثيق بحياة اللاجئين اليومية وبمخططات التهجير القسري، التي تتعارض مع حقهم في العودة.
وفي هذا السياق نرى أن الأوضاع الاجتماعية المزرية التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان ما هي إلا نتيجة تشردهم وحرمانهم من ممارسة حقهم التاريخي في العودة إلى أرض وطنهم، من دون أن نغفل البتة مسؤولية المجتمع الدولي ممثلاً بالأونروا، وكذلك الدولة المضيفة عن هذا الواقع وضرورة العمل من أجل تحسين شروطه.
ـ ارتباطاً بالفقرة السابقة نؤكد ضرورة استمرار الاونروا في القيام بواجبها الإنساني في مساعدة اللاجئين الفلسطينيين في كل مناطق عملياتها. فاستمرار هذا الدور لا يشكّل نوعاً من الحماية الاقتصادية الاجتماعية الدولية للاجئين فحسب، بل إنه يعبر عن التزام المجتمع الدولي السياسي والأخلاقي بحل قضيتهم على أساس العودة، حيث إن قرار إنشاء الاونروا نفسه (302/ للعام 1949) قد ارتبط منذ البداية بالفقرة 11 من القرار 194، مما يلزم الاونروا الاستمرار في تأدية رسالتها الإنسانية إلى حين عودة اللاجئين إلى ديارهم.
وفي هذا السياق إذ نشير إلى افتقار الاونروا إلى تفويض أو صلاحيات حماية واضحة وصريحة ـ قانونية وسياسية ـ بالمعنى التقليدي لمفهوم الحماية المتضمّن في نظام المفوضية العليا UNHUR، نطالب بأن يُشمل اللاجئون الفلسطينيون، أينما كانوا، بحماية معاهدة جنيف (1951) وبروتوكول 1967، وحماية المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فضلاً عن الحماية التي يؤمنها العديد من المواثيق والعهود الدولية الأخرى مثل: المعاهدة الخاصة بوضع الأشخاص الفاقدي الجنسية (1954) والميثاق العالمي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)، والميثاق العالمي للحقوق المدنية والسياسية (1966).
وتسعى المجموعة إلى تحقيق أهدافها عن طريق:
1 ـ نشر الوعي في أوساط اللاجئين الفلسطينيين ـ بالتنسيق والتعاون مع جميع الجهات المعنية ـ بجدوى التمسك بحق العودة وضرورة إسماع صوتهم ومطالبهم المشروعة في هذا المجال إلى المجتمع الدولي بهيئاته ومنظماته كافة، والى الهيئات الإنسانية والمنظمات غير الحكومية الدولية وحركات التضامن مع الشعوب عبر العالم.
2 ـ التعاون الوثيق مع الهيئات واللجان والمنظمات التي تُعنى بحق العودة، والناشطة في أوساط الفلسطينيين، بخاصة في المخيمات والعمل على توحيد صوت اللاجئين بما يكسب حق العودة زخماً أكبر محلياً ودولياً.
3 ـ متابعة التطورات المتعلقة بموضوع العودة على الصعد الفلسطينية الإقليمية والدولية واتخاذ المواقف والخطوات المناسبة بشأنها بما يخدم هدف العودة، مثل إصدار البيانات والتعليقات وعقد الندوات والمشاركة في المؤتمرات واللقاءات ذات الصلة.
4 ـ التواصل مع جميع اللجان والمنظمات التي تناضل من أجل حق العودة في الشتات وفي فلسطين لدعم هذا الحق، انطلاقاً من رؤية الرابطة لوحدة قضية اللاجئين في إطار وحدة الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة.
هذا بالإضافة إلى أية مهام أخرى قد تنشأ في سياق تطور عمل المجموعة وتسهم في تحقيق أهدافها الوطنية.
٢٩/١١/١٩٩٩
الأعضاء المبادرون
جابر سليمان     محمد علي الخالدي    زياد كعوش
صقر أبو فخر      محمود العلي     محمود حمّود
علي زيدان      أحمد عثمان