| 

الذكريات جزء من التاريخ الشخصي وأحياناً العام، ومجموع الذكريات هي تاريخ الوطن، بما فيها من أزهار وأشواك. ونبدأ بالولادة في عكا فلسطين في 28/1/1929، وبالدراسة عند الخوجة حُسُن في حي القلعة داخل الأسوار، ثم عند الراهبة مَرتا في كنيسة اللاتين، ثم الدراسة الابتدائية والإعدادية في مدارس الحكومة.
كان الأستاذ محمد الأمين مدير المدرسة الابتدائية قوي الشخصية. ويشرف أيضاً على بيت الطلبة الداخليين فوق السور وخان الشاوردة، أما مدير الإعدادية فكان الأستاذ سامي عيد من بعقلين في لبنان، خريج الجامعة الأميركية، وهو قوي الجسم، حازم في الإدارة. وكان معهما مجموعة من الأساتذة منهم: محمود الشلبي، عبد الرحمن قباني، الشاعر ناصر عيسى، أمين موافي، رفيق اللبابيدي، الشيخ موسى طبري، عبد الله حسون، محمد النحوي، محمد صادق رستم، وغيرهم، والمدارس الابتدائية جميعها داخل الأسوار.

مقاهٍ وأعياد وفنون
والدي كان يملك حصة في قهوة أبو رقبة في ساحة الليمان ـ ساحة المدينة القديمة الرئيسية، وبيتنا في حي القلعة كان يضم العائلة الكبيرة كلها. وقبيل الحرب العالمية الثانية بنى عمي الحاج عبد اللطيف بناية في عكا الجديدة خارج الأسوار وقرب حديقة البلدية، وخلال الحرب سكنها أفراد العائلة جميعاً.
أذكر في عكا سينما رويال وسينما البرج داخل الأسوار وسينما الأهلي في عكا الجديدة. كما أذكر احتفالات عكا بعيد المولد النبوي حيث يتوافد أهالي القرى المجاورة مع شعرائهم ليحتفلوا مع أهالي عكا بالدبكة والسيف والترس، وكانت المدينة تتزين بالأعلام الفلسطينية وفرق كشافة نادي أسامة وكشافة النادي الأرثوذكسي وكشافة النادي القومي تطوف الشوارع احتفالاً، وكذلك أبناء الطرق الصوفية براياتهم وصنوجهم، وتعيش عكا ثلاثة أيام في عيد كبير متواصل.
أما الأعياد الدينية الأخرى فكانت تجد أيضاً عناية كبيرة، وأهم ما أذكره هنا أن كشافة نادي أسامة كانوا يشكلون طوق حراسة في كنيسة ساحة عبود أثناء صلاة عيد الميلاد تضامناً مع الإخوة المسيحيين، كما أن كشافة النادي الأرثوذكسي كانوا يشكلون حراسة لجامع الجزار وغيره في أثناء صلاة عيدي الأضحى والفطر، تضامناً وتأكيداً للوحدة الوطنية.
أما باقي الجمهور فيقضي الأعياد في حديقة البلدية مع الطعام والأراكيل، أو في منطقة مقبرة النبي صالح أو في المقبرة الإسلامية شرق المدينة حيث تُنصب المراجيح في ساحتها السفلية قرب طريق عكا ـ حيفا، وبقربها الشحّوظة التي يقصدها المعيدون مشياً أو على ظهور الحمير للنزهة وتناول الخس والتوت، وبعد الشحّوظة تل نابليون أو تل الفخار الذي كان مقصداً أيضاً للمشاة حيث يتناولون أطيب خس، وخضاراً أخرى مثل الفول الأخضر والحَبلّق.
أما عصراً فكان الشاطئ الغربي يستقبل المتنزهين، فتجلس النسوة على الصخور ورمال الشاطئ يتنعمن بجمال المياه وأمواج البحر الخفيفة في حين يتنزه الرجال والشبان على الشارع الغربي المطل على مجلس النساء، ويتناثر الباعة على الشارع والشاطئ معاً. أذكر في عكا تعدد المقاهي، ومنها مقهى البحر قرب ميناء عكا، وكان بعهدة عمي الحاج عبد اللطيف وإلى جانبه حمام البحر الوحيد وهو بعهدته أيضاً، وكانت تقام حفلات متعددة في مقهى البحر ليلاً للملاكمة وللتمثيل، حيث تعرض الفرق الأجنبية وخاصة المصرية مسرحياتها، وأذكر منها مسرحية فؤاد الجزائرلي (بحبح) وحفلة الملاكمة مع الدببة وفيما بينها، وهناك حوالي عشرة مقاه أخرى موزعة في داخل الأسوار. أما خارج السور فكانت توجد مقاهي حابو وغرناطة وحديقة البلدية. وهناك سينما (البرج) فوق السور الجنوبي. أما سينما رويال المجاورة لمقهى البحر فكانت تعرض الأفلام العربية والأجنبية الصامتة، ثم جاءت الأفلام المتكلمة. كما كانت تقام حفلات غنائية هناك أذكر من بطلاتها المطربة فتحية أحمد والمطربة نازك. وكان في عكا خارج السور سينما الأهلي، وهي أحدث دور السينما، وأقيمت فيها عدة حفلات غنائية لفريد الأطرش ومحمد الكحلاوي وغيرهما، وكان عمي الحاج يتعهد معظم أفلام عبد الوهاب وفريد الأطرش فيها. وفي الأعياد كان بعض المتنزهين يزورون حديقة البهجة لعائلة بيضون شمال عكا، وقصر العجم مدفن البهاء ومزار البهائيين قرب الحديقة.
كان النشاط الثقافي والكشفي والرياضي متميزاً في عكا آنذاك، ويمثله نادي أسامة والنادي الأرثوذكسي والنادي القومي بالدرجة الأولى، إلى جانب عدة نواد وفرق رياضية مثل نادي عمر ونادي الروضة. في تلك السن المبكرة كانت تدهشني بعض التقاليد والمشاهد منها: احتفال عكا الديني بعيد المولد النبوي في جامع الجزار حيث أجلس إلى جانب أصدقائي أو عائلتي على سجاد الجامع نستمع للمولد ثم نقبّل الشعرة الشريفة التي يمررها على المصلين الشيخ سعدو قيّم الجامع، ثم تُرش علينا العطور، وبعدها نستلم هدايا الملبس التي توزع على الجميع. وهناك احتفال عكا بتوديع الحجاج الذي كان يحضره معظم أهل المدينة، فيجتمع الحجاج في جامع الجزار بملابس الإحرام البيضاء حيث تجري قراءة القرآن والمولد النبوي وتلاوة الأناشيد، ثم يتوجه الجميع سيراً باتجاه البوابة الشرقية ترافقهم جموع أهل عكا مع فرق المتصوفين براياتهم العالية وصنوجهم، وبعض كشافة المدينة وشيوخها حتى الوصول إلى محطة سكة الحديد، حيث ينقلهم القطار باتجاه حيفا، ثم السعودية. وأذكر أيضاً بشكل خاص جماعة الإحسان في عكا ويشترك فيها رجالات المدينة، وشعارها (العكاوي لا يشحذ والغريب لا ينقطع) فكانوا يجمعون التبرعات بأنفسهم أيام العطل والأعياد ويوزعونها بانتظام على المحتاجين كالعائلات المستورة والسجناء المطلق سراحهم وغيرهم. وأذكر أيضاً صلاة التراويح في رمضان، ثم حلقات الذكر في بعض الجوامع، ومنها الجامع الزيتوني بقيادة الشيخ محمود اللبابيدي، وكذلك التسابق إلى أداء صلاة الفجر في جامع الجزار ثم زيارة المقابر قبل العودة إلى مكتبة الجامع للدراسة. وفي نهاية كل سنة كان يقام مهرجان رياضي في عكا لجميع مدارس الجليل وحيفا على أرض ملعب «الفرقة» يُعدها ويشرف على تنفيذها المديران سامي العيد ومحمد الأمين مع أستاذ الرياضة محمود شلبي وبقية المعلمين. لا بد من ذكر شهرة عكا بالأسماك وكذلك بالحلويات التي برع فيها أبو صلاح سعد الدين وأبناء ضيف الله وخاصة في الأعياد الإسلامية والمسيحية. وفي منتصف شعبان حيث تقدم حلويات نصف شعبان الخاصة، وهي من اليقطين والقرع وبأشكال عديدة جذابة يتم بيعها بالجملة والمفرق إلى القرى المجاورة وإلى السكان إضافة إلى الكنافة والبقلاوة وحلاوة الجبن والشعيبيات والسحلب والعوامات والمشبك والمدلوقة وغيرها.

التظاهرات الوطنية
في المناسبات الوطنية كوعد بلفور كانت المظاهرات الشعبية والطلابية تجوب شوارع المدينة، وأذكر اشتراكي صغيراً في عدة مظاهرات، وكذلك أذكر أن سجن عكا كان مخصصاً لتنفيذ أحكام الإعدام بالمجاهدين كل يوم ثلاثاء وخاصة خلال ثورة فلسطين الكبرى 1936 ـ 1939 ولا تغيب عن ذاكرتي جنازة الشهيد فخري الجاك مرقة وكان عاملاً في أحد الكاراجات ويتنقل بالسيارة بين بيروت وعكا، وقد كُلف بتهريب بعض الأسلحة حيث ألقي القبض عليه وحُكم بالإعدام، ونُفذ الحكم وتسلمت الجماهير جثمانه، وشيّعته في جنازة لم أشهد مثلها من قبل، حيث خرج أبناء المدينة والقرى المجاورة لتشييعه مع فرق الكشافة المسيحية والإسلامية ورجال الدين الإسلامي والمسيحي حيث حمل هؤلاء البساط الأحمر في مقدمة الجنازة تكريماً للشهيد، وكان البوليس البريطاني يواكب الجنازة عن بُعد دون أن يتصدى لها، وبالفعل كانت جنازة تليق بالشهداء.
وفي الوقت نفسه أذكر أن قتل الخونة من الجواسيس وسماسرة بيع الأراضي كان يجري بين حين وآخر، وكان القتيل من هؤلاء يُنقل على ظهر (طمبر) يجرها حمار يرافقها الأطفال بقولهم (الخائن نجّس الطمبر) حتى المقبرة حيث يتم دفنه خارجها تحقيراً له.
ومما أذكره عن تلك الثورة قرارات منع التجول التي تفرضها سلطة الانتداب البريطانية فتُغلق الأسواق كلها وتحبس الناس في بيوتهم عقاباً لأصحابها، كما أذكر ما حدث إثر مقتل أحد المتهمين بالتعامل مع الإنكليز في ساحة اللومان حيث أعلن منع التجول وتم تكسير زجاج ومحتويات المقاهي الثلاثة في ساحة اللومان الرئيسية ومنها قهوتنا.
وأحياناً كنا كالأطفال نضع على رؤوسنا ما يشبه الخوذة، فهي صحن نحاسي برباط مطاطي لوقاية الرأس عندما نتوجه لإلقاء الأحجار على الدوريات الإنكليزية في شوارع عكا، كما أذكر بعد ذلك إنشاء فرقة السلام الفلسطينية التابعة للمعارضة والشيخ أسعد الشقيري المتفاهمة مع بريطانيا، وكان أفراد هذه الفرقة يرتدون الطربوش الأحمر، نكاية بقرار قيادة الثورة لجميع السكان بارتداء الكوفية والعقال حماية للفلاحين الثوار من تمييزهم عن غيرهم عند حضورهم إلى المدن الفلسطينية، وقد التزم جميع السكان بأوامر القيادة قبل ظهور فرقة السلام المذكورة العاملة مع الإنكليز والمجهزة بأسلحة منهم.
وأذكر في الحرب العالمية الثانية قيام الطيران الألماني بقصف مخزن استراتيجي للبنزين للجيش البريطاني في عكا شرق حديقة البلدية وعلى طريق حيفا ـ صيدا مما أشعل حريقاً كبيراً اضطرنا للنزوح مؤقتاً من منزلنا القريب، احتياطاً وخوفاً من امتداده. كما شملت نفس الغارة إلقاء قنبلة طائرة من النوع الثقيل جداً أصابت قسماً من منزل قريبنا أحمد أبو رقبة شمال عكا، وهو المنزل الذي استضاف فيه في ما بعد الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة الذي كان آنذاك لاجئاً سياسياً في القاهرة.

راجع: أزهار وأشواك: مذكرات ضابط فلسطيني، بيروت 2010.