| 

إذا كان الاحتلال البريطاني قد شمل فلسطين بأسرها، فقد خصّنا نحن آل الشقيري بألوان من وطأته وشدته، وكان أول ما جرى من ذلك أن السلطات العسكرية احتلت بيتنا القائم خارج السور، وطلبت إلينا في يوم أو بعض يوم أن نخليه ليكون مقراً للضباط الإنكليز، فأسرعنا كل إلى خزانته وحملنا ثيابنا والقليل من متاعنا وغادرنا بيتنا إلى منزلنا القديم بجوار حمام الباشا. وكان منظراً يبعث على الشفقة ونحن خارجون من دارنا نساء وبنات وصبياناً، ولا أقول رجالاً فلم يكن بيننا رجلاً، فقد كان شقيقي الأكبر في السابعة عشرة من عمره.
وعدنا إلى بيتنا القديم في وسط المدينة العتيقة وقلوبنا منكسرة لا يخفف من لوعتنا وحزننا إلا ذلك الآذان العذب من حولنا يردد مرات ومرات الله أكبــر، الله أكبر، وكأنـــما صيغ هذا الآذان لينزل على قلوبنا السكينة ويبعث فيها الطمأنينة.
ولقد كنا في حاجة إلى العـــزاء، فإن والدي قد انقطعت أخباره عنا، والحكم اليوم للإنكليز ونـحن مــن جمـاعة العثمانيين، وأصبح الناس يخشون الاتصال بنـــا والاقتراب منا إلا الذين يعرفون معنى الوفاء في أيام الشـــدة، وهؤلاء قليلون في كل زمان. وكنا في بعض أيام الآحاد نخــرج للنـــزهة علـــى الشاطئ الغربي، ونمر بجانب بيتنا فنرى الضباط الإنكــليز في بيتنا يرطنون ويغنون، ونحن نختلــس النظرات إلى غــرفنا وحديقتنا، ونتساءل متى نعود إلى بيتنا؟
الحمّام على قيد خطوات منا وهو على شكل مستدير تعلوه قباب كبيرة وصغيرة، فيها مستديرات بلورية صغيرة ينفذ النور منها إلى داخل الحمّام. وقد دخلت الحمّام صبياً مع النساء، ودخلته بعد أن كبرت مع الرجال، وأيامه حافلة بالذكريات العذبة حين كنا نقضي الساعات الطويلة ونحن نسبح على البلاط، والماء الحار يسيل على جنباته، ثم ندخل إلى الغرفة الصغيرة يتدفق من جدارها الماء والبخار فنستحم، ونخرج بعد ذلك إلى الساحة المجاورة لنأكل ما لذ وطاب من الفطائر والفاكهة والحلوى وقد تكدست في تلك السلة اللطيفة التي حملناها معنا من البيت. وقبل أن تنشأ الحمامات الخاصة في البيوت كان حمام البــاشا مزدحماً على الدوام وخاصة في أيام الأعراس، فقد كان مــن تقاليد ذلك الوقت أن تستأجر الأسر الموسرة الحمام كـــله «من بابه»، ويدعى الأهل وأسر المدينة إلى الحمام، وينقلب الحمام بغرفه وردهاته ودهاليزه ومعابره إلى «فرح»، وتلتف الصبايا والعروس معهن في دائرة في الردهة الرئيسة عند مدخل الحمام، فيرقصن ويغنين وهن ملتفات بالمآزر والمناشف. في جو كله مرح وبهجة وسرور... أيام لم يكن في الدنيا منغصات ولا مشكلات. وكنا نحن الصبيان نراقب هؤلاء النسوة، الصبايا والعجائز، بعيون جاحظة ونظرات نافذة، نتابع حركاتهن وسكناتهن، وهن يرتدين ملابسهن ويخلعن... ولم تكن النسوة تلبس «الكورسيه» للصدر أو الخصر، فقد كن يعجنّ في البيوت ويقمن بالأعمال الشاقة، فاكتنزت عضلاتهن، ومن هنا فإن النهود نواهد... والخصور خواصر...
ولم يكن الحمام للاستحمام والأفراح فحسب، ولكنه كان مستوصفاً كذلك، فلا يخلو الحمام من مريض وصفوا له الحمام ليبرأ من علته، وكنا نرى هذا المريض في مغطس حار، أو ممدداً على بلاط حار، أو مطروحاً على وجهه، «والمدلك» من فوقه يدلك عظامه ومفاصله. وكنا نحن الصبيان نتجمهر حول المدلّك نراقب حركاته، ونراقب تأوهات المريض بين يديه، ولا ننفك عنه إلا بعد أن يرش علينا طاساً من الماء الحار.
وعلى مقربة من حمام الباشا، كان هنالك جامع الباشا، وهو مسجد بديع الصنع تعلوه مئذنة جميلة وحول ساحته غرف صغيرة ذات قباب يقيم فيها طلبة العلم الذين يغدون على عكا لتلقي العلوم الدينية. وفي غرفة رحبة إلى جوار المكتبة كان الشيخ عبد الله الجزار مفتي عكا، يتصدر مجلساً للدرس الديني، وكان مهيباً تقياً ورعاً غزير العلم، غير طليق اللسان. والواقع أن عكا كانت حافلة بالجوامع والتكايا، فلا يخلو الحي الواحد من مسجدين أو ثلاثة، أو زاويتين أو ثلاث، وكان أشهرها الزاوية اليشرطية ولا يفصلها عن بيتنا القديم إلا الطريق العام.
غير أن «حادثين» جديران بالتدوين، الأول ملك للتاريخ، والثاني ملك للتاريخ والقضية الفلسطينية معاً:
الأول أن «عباس أفندي» كبير البهائية في ذلك الوقت كان يؤم جامع الباشا للصلاة في بعض أيام الجمعة، ولقد رأيته يدخل المسجد بقامته القصيرة ولحيته البيضاء وهو يتهادى في مشيته بكل هيبة ووقار. وكانت عكا «والبهجة» في الضاحية مقراً للبهائية بعد فرارهم من إيران. وكان عباس أفندي وأتباعه يعيشون في عكا زمن الدولة العثمانية كما يعيش المسلمون سواء بسواء، وإن كان الناس يتهامسون بعض الشيء عن أمر دينهم.
كان عباس أفندي من أصدقاء عائلتي، يزورنا في البيت ونستمع إلى حديثه، وكان يتكلم العربية باللهجة الفارسية، فخامة وغُنّة، كما كان يزور الأسر الوجيهة في عكا، ولم يترك وجيهاً إلا وأهداه سجادة فاخرة أو عباءة عجمية. وكنا حين نمر بمنزله نرى الفقراء والمحتاجين مصطفين عند بابه، ينتظرون خروجه ليوزع عليهم الصدقات. وقد ظل عباس أفندي يصلي حيناً بعد حين في جامع الباشا، ولكنه انقطع عن ذلك بعد الاحتلال البريطاني بقليل، ولم يره المسلمون بعد ذلك في المساجد.
لقد غاب عن ذاكرتي الكثير من حركات عباس أفندي وسكناته، ولكن مشهداً واحداً قد انطبع على ذاكرتي انطباعاً عميقاً وما زال ماثلاً في ذهني، ذلك هو مشهد البهائية الذين كانوا ينحنون بما يشبه الركوع بين يدي عباس أفندي، حين يدخل ويخرج، وحين يقوم ويقعد، ولعل هذا المشهد وأمثاله مما كان يروى عن حياة عباس أفندي قد أشاع في المدينة الأحاديث عن «ألوهيته» أو «نبوته».
أما الحادث الثاني، فهو أني كنت أرى بين المصلين رجلاً متقدماً في السن، يلتفت إليه الناس في صلاته، ولم يكن في الرجل ما يلفت بالنظر، فقد كان إنساناً عادياً يلبس القمباز والطربوش يصلي كما يصلي الناس، ويدخل المسجد معهم وينصرف معهم. وجاورت هذا الرجل غير مرة في الصلاة، أو كنت منه قريباً، وكنت أراه يسجد وكعباه مشققتان شأن كثيرين من فقراء المسلمين. وكان هذا الرجل اسمه «أبو موسى» وسرعان ما عرفت أنه كان يهودياً اعتنق الإسلام أثناء الحرب العالمية الأولى، وظل مسلماً بعد الاحتلال البريطاني. وكان أبو موسى هذا «سمكرياً» وقد كنا ندعوه كثيراً إلى بيتنا لإصلاح حنفية ماء أو تنظيم قنديل. وكثيراً ما كنا نحن «صبيان العائلة» نحيط به وهو يقوم بعمله، فنتحدث إليه ويتحدث إلينا، وكانت لهجته عربية عامية عادية.
مضت بضعة أعوام وأبو موسى مسلم من المسلمين، إلى أن حضرته الوفاة، وخشي الحاكم البريطاني المستر «لويك» أن يختلف اليهود والمسلمون على دفنه، وكان قد عرف أن ابنه موسى وزوجته وأولادهما لا يزالون مقيمين على دينهم اليهودي. فأرسل الحاكم البريطاني بعض موظفيه إلى بيت «أبو موسى» ليسألوه أين يريد أن يدفن وعلى أي دين يموت. وفي تمتمة هادئة قال أبو موسى «وهل هنالك أحسن من دين موسى» قالها ولفظ أنفاسه الأخيرة، فمات يهودياً ودفن يهودياً.

أنظر: أحمد الشقيري، أربعون عاماً في الحياة العربية والدولية، بيروت: دار النهار، 1969.