| 

كنت في كل صيف، منذ أن ألحقني أبي في السابعة من عمري طالباً داخلياً بمدرسة الفرندز برام الله حتى تخرجي في الجامعة الأميركية وسفري إلى الولايات المتحدة في سنة 1947، أمضي عطلتي الصيفية، أو الجزء الأكبر منها، في عكا عند بيت جدي.
عكا بالنسبة إليّ كانت (ولا تزال) أجمل مدينة في العالم... فيها أمضيت القسم الأكبر من طفولتي وأجمل أيام صباي. تقع عكا في الرأس الشمالي من خليج حيفا. اسمها تعريب الاسم الفرنسي St. Jean d’Acre المستعمل منذ أن احتلها الصليبيون في القرن الحادي عشر. ولا يزال أثر الصليبيين واضحاً في المدينة القديمة، وخاصة في السور المنيع الذي يحيط بها. وإلى الآن تبدو عكا من البحر أو من البر (من جهة تل نابليون، الهضبة الاصطناعية التي بناها نابليون سنة 1799 لقذفها بالمدفعية)، وكأنها مدينة صليبية نسيها الزمن، وما زال السور حولها قائماً على حاله ولم يتغير فيه شيء. وقد شجع العثمانيون بناء المنازل خارج السور لتوسيع البلدة، فأقاموا «جنينة البلدية» في مطلع القرن، وهي حديقة كبيرة على طراز الحدائق العامة الأوروبية، في وسطها مقصف لفرقة الموسيقى التي كانت تعزف كل يوم جمعة بعد الظهر الأناشيد والمارشات العسكرية. وبنى العثمانيون محطة السكة الحديدية مقابل جنينة البلدية بمحاذاة الشاطئ خارج البوابة الشرقية. وكثيراً ما ركبنا القطار العثماني الصغير في رحلاتنا إلى حيفا التي كانت تستغرق خمساً وأربعين دقيقة. وإلى جنوب المحطة يقع الشاطئ الرملي حيث كنا نسبح أيام الجمعة والأحد. لقد زرت أنحاء مختلفة من العالم، وشاهدت شواطئ رملية عديدة، إلا أني لم أر شاطئاً يضاهي شاطئ عكا بجماله ورونقه. الرمل فيه أبيض ناصع ومياه خليجه نقية زرقاء وأمواجه هادئة عريضة تتكسر برفق ونعومة. وكان الشاطئ دائماً خلواً من الناس، فأهل عكا لا يحبون السباحة، ويفضلون تمضية فترة الراحة في الجلوس على الشرفات أو في المقاهي أو في التمشي ساعة الغروب. وهكذا ترك لنا الشاطئ نستمتع به كما نشاء، لا يشاركنا به إلا عدد ضئيل من الزائرين يأتون من حيفا، وجنود المعسكر البريطاني بالقرب من المدينة الذين كانوا يسبحون ساعة واحدة بعد ظهر كل يوم.

******
كان في المدينة داران للسينما، إحداهما تقع في البلدة القديمة وهي سينما البرج، والأخرى في المدينة الجديدة وهي سينما الأهلي. كانت سينما البرج مجرد قاعة كبيرة بنيت فوق السور المطل على الخليج بالقرب من بوابة السور الشرقية. كنا نشاهد فيها الأفلام الأميركية لرعاة البقر (كاوبوي) أو البوليسية فنخرج من عالم الخيال الأميركي لنجد أنفسنا فجأة في القرون الوسطى تحيط بنا الأسوار والتحصينات الصليبية، الإسلامية. كنا نسمع وقع أقدامنا في الأزقة القديمة الخالية من المارة عندما نرجع إلى بيوتنا فنصل إليها في منتصف الليل والجميع نيام.
كانت حجرتي تطل على البحر مباشرة، وكان فراشي يقع بالقرب من النافذة، فكنت أغفو وأستيقظ على هدير الأمواج. في الصباح كنت أتبين من صوت وقع الأمواج على الشاطئ الصخري إذا كان البحر هائجاً أو هادئاً، يصلح لصيد الأسماك أو للسباحة.
كنا نصطاد الأسماك في عطلة نهاية الأسبوع، فكان رفيقاي في الصيد، كامل وأكرم، لا يعودان من عملهما إلا بعد الظهر عندما لا ينفع الصيد. وفي عطلتهما الأسبوعية كنا نستيقظ باكراً ونهرع إلى الشاطئ فنستمر في الصيد حتى مطلع الشمس، ثم نتناول الفطور، ونذهب إلى الشاطئ الرملي بالقرب من المحطة للسباحة وركب الحسكة حتى آخر النهار. وكان كامل، إذا كان الطقس خلال الأسبوع مناسباً لصيد الأسماك، يتغيب عن عمله بحجة المرض، ونمضي ساعات في الصيد نتنقل من مكان إلى آخر حتى الظهيرة. تلك كانت أسعد أيام حياتي بلا منازع. كنا أحياناً نتصيد سمكاً كثيراً من نوع القرّاص أو البوري وأحياناً لا نصطاد شيئاً. وكنا إذا وفقنا في الصيد نتمتع في المساء بعشاء فخم من السمك المقلي مع سلطة الطحينة والبقدونس والخبز المقلي والحمص والبابا غنوج تعده أم كامل ونتناوله فوق سطح بيتهم، وبعد العشاء كنا نذهب إلى السينما أو نجلس في مقهى حبيبو، نشرب الكازوز ونلعب طاولة الزهر ونتبادل النكت ونراقب الفتيات يتمشين متشابكات الأذرع يتضاحكن ويسترقن النظر بغنج.
كانت جدتي تحبني كثيراً. فهي لم تنجب صبياناً، وكنت بعد جدي الرجل الوحيد في حياتها. كان يساورها القلق عندما تراني أعزل نفسي كل يوم لأقرأ وأكتب ساعات متواصلة، فقد كان ذلك في نظرها شيئاً غير طبيعي. وكان يقلقها على الأخص جلوسي في الشرفة منفرداً أنظر إلى البحر مفكراً لا أبدي حراكاً.
كانت جدتي دائماً تحلم بامتلاك بيت خاص بها. وحقق حلمها في منتصف الثلاثينيات بعد أن وفرت من المال ما يكفي بناء بيت كبير، عهدت ببنائه إلى مهندس ناشئ اسمه إميل بستاني ـ الذي أصبح بعد الحرب العالمية الثانية أكبر مقاولي البناء في العالم العربي. وبني البيت على أحدث طراز، بالرغم من أن الحمام لم يكن يشتغل على ما يرام.
كان نزوح جدي وجدتي عن بيتهما في سنة 1948 أقسى تجربة مرت بهما في حياتهما، وكانت السنوات الأخيرة من حياتهما ملأى بالحزن واليأس والضياع. ففقدت جدتي مرحها وحيويتها وفقد جدي رشده، ولم يعد يتعرف إلى الذين حوله. في بيروت أقاما مع خالاتي ووالدتي وأخي الأصغر في بيت مؤلف من حجرتين تملكه سيدة تقرب جدي قرابة بعيدة.
توفي جدي في سنة 1950. قبل وفاته كان يحاول بين آن وآخر التسلل من البيت في غفلة عن أهله ليرجع إلى عكا. وكان عندما يمسكون به في الشارع يقول:
ـ أنا بس راجع لبيتي... أنا بيتي في عكا... ليش ما تخلوني ارجع لبيتي؟
ويأخذ مفتاحاً من جيبه ويقول:
ـ ما بتصدقوني... هذا مفتاح بيتي...
وعندما يعودون به إلى البيت يجلس صامتاً والدموع تسيل من عينيه وتبلل لحيته التي لم تعد جدتي تقصها له كما كانت تفعل في عكا، ويرفض الكلام زمناً طويلاً.
وتوفيت جدتي بعده بثماني سنوات.

******
وفي نيسان 1948 حدث المستحيل... احتل اليهود عكا وطردوا ما تبقى من سكانها، إلا الذين التجأوا إلى المدينة القديمة.
قبل سقوط عكا ببضعة أيام احتل عدد صغير من المسلحين، ومن بينهم سمعان الغفري، قلعة البوليس البريطاني (Tiggert Building) خارج السور، واستمروا في مقاومة اليهود عدة أيام وكبدوهم خسائر كبيرة، ولم يتوقفوا عن القتال إلا بعد أن نفدت ذخيرتهم، وقتل بعضهم وتمكن بعضهم الآخر من التسلل إلى داخل السور ثم الهرب إلى لبنان عن طريق البحر. وقرأت خبر سقوط عكا في اليوم التالي، في جريدة النيويورك تايمز، وكنت جالساً على مقعد في الميدواي في شيكاغو أراقب الأولاد يلعبون البيسبول.
يقول الذين زاروا عكا مؤخراً إنها اليوم مدينة كبيرة تمتد أميالاً خارج السور. أما بيت جدي فما زال قائماً وتسكنه عائلة يهودية. وقد أرسل إليّ مؤخراً صديقي اليهودي أوري ديفز صوراً فوتوغرافية عنه، ولم أتعرف إليه في بادئ الأمر، فقد اختفت الأشجار من حوله وأغلقت نوافذه بالحجارة من جهة الشارع، وظهر لي كما تظهر الأشياء في الأحلام، معهودة، لكنها في الوقت نفسه غريبة آتية من عالم آخر. ولا يزال الجامع المجاور، الذي أخذت فيه أول دروسي القرآنية، قائماً كما هو إلا أن الشيخ قد غادره وأمسى مهجوراً. وقد حرّم على من تبقى من السكان العرب السكن في المدينة الجديدة (خارج السور) وأجبروا على الإقامة في المدينة القديمة (داخل السور) التي أصبحت بالنسبة لليهود قصبة (Casba) يزورها السياح الأجانب ليشتروا منها الحاجيات المصنوعة محلياً ويتفرجوا فيها على «سكان إسرائيل العرب».

راجع: الجمر والرماد، بيروت: دار نلسن، 1998.