| 

شكل توقيع القيادة الفلسطينية الرسمية اتفاق أوسلو سنة 1993، لحظة فارقة في تاريخ القضية الفلسطينية، فأحدث شرخاً عميقاً داخل الحركة الوطنية الفلسطينية التي أصبحت منقسمة، لا على التكتيك السياسي، بل على الأهداف الإستراتيجية للشعب الفلسطيني، أو ما يعرف بالثوابت الوطنية.
التحقت القيادة الرسمية بعملية التسوية وهي ترفع شعار «الممكن»، في زمن اختلال موازين القوى الهائل لمصلحة عدوها، وفي زمن التفوق المطلق لراعي عدوها الذي ارتضت أن يكون هو نفسه ـ تحت شعار الواقعية السياسية ـ راعياً للعملية السياسية.
أن تنشد «الممكن» في مثل ذلك الزمن كان يعني أن تتخلى عن كثير من الثوابت، وأن ترتضي بالقليل. وهذا القليل الذي قبلت به القيادة الفلسطينية هو سلطة فلسطينية على أراضي الضفة والقطاع، مع احتمال أن تتحول إلى دولة في يوم ما. أما الثمن فكان التنازل عن 78% من أرض فلسطين التاريخية، وعلى الرغم مما قيل أو يقال جاءت مبادرة السلام العربية التي أقرتها القمة العربية في بيروت (27 و28 آذار 2002)، لتكشف ما كان مضمراً، وهو أن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني قد دخلت بازار السياسة لدى النظام الرسمي العربي، حيث تضمنت المبادرة بنداً ينص على ما يلي: «التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يُتفق عليه وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة»، أي أن القرار 194 ما عاد ملزماً بل مجرد مرجع يبنى عليه.

ماذا عن المعارضة؟
فشلت المعارضة، أكانت في داخل منظمة التحرير، أو خارجها، في عرض البديل الوطني. فالمعارضة في داخل المنظمة، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؛ ظلت جزءاً من النظام السياسي العام، ولم تستطع أن تشكل حالة بديلة، لأسباب شتى لها علاقة بأزمتها الذاتية ـ التنظيمية، وعجزها عن القطع مع مؤسسة القيادة، بعد أن تعزز ارتباطها المالي بها، وانخراط المئات من كوادرها، بمن فيهم عناصر قيادية، في مؤسسات السلطة الفلسطينية.
كما أن المعارضة خارج المنظمة، مثل حركة حماس، فقد فشلت في انتزاع شرعية التمثيل من منظمة التحرير، على الرغم من تأييد كثيرين من الشعب الفلسطيني لها، لأن الأيديولوجيا الإسلامية المتشددة التي تتبناها حماس، ورفضها لشراكة مع القوى التي تتوافق معها في البرنامج الوطني وتتمايز عنها أيديولوجياً؛ حالت دون أن تستقطب أغلبية شعبية تمكنها من انتزاع شرعية التمثيل من المنظمة، أو تفرض نفسها قيادة جديدة للمنظمة. علاوة على ذلك، دخلت في نزاع على السلطة تحت الاحتلال في غزة، وأعطت إشارات كثيرة بأنها مستعدة لتقديم تنازلات سياسية لقاء الاعتراف بحكمها، ما أفقدها الصدقية السياسية.

حق العودة والدفاع عن الثوابت
كردة فعل على انخراط القيادة الفلسطينية في مشروع «أوسلو»، بدأت تخرج دعوات ومبادرات أطلقتها نخب سياسية وفكرية وأكاديمية فلسطينية للتمسك بحق العودة، والـتأكيد على حقيقة مضامينه الحقوقية والقانونية. من بين هذه المبادرات، مؤتمر اللاجئين الأول الذي عقد في مخيم الدهيشة في بيت لحم في أيلول 1996، ومؤتمر «العودة وتقرير المصير» عام 1996، الذي دعا إليه عدد من الأكاديميين الفلسطينيين في الولايات المتحدة، أمثال إدوارد سعيد ونصير عازوري وسميح فرسون وكلوفيس مقصود وغادة الكرمي، الائتلاف الفلسطيني لحق العودة الذي انطلق عام 2000، والهيئة الوطنية لحماية الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني التي أعلنت في سنة 2010، وقبل ذلك مجموعتا عائدون في سوريا ولبنان، وغيرها من المبادرات، التي جاءت جميعها في سياق ردة فعل مثقفين فلسطينيين على تعاظم الأخطار المحدقة بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، بعد «أوسلو».
على الرغم من النقد الذي يمكن أن يوجه إلى هذه المجموعات، من غياب التنسيق فيما بينها، ونشاطها المتذبذب وغير المنتظم، وفشلها في إيجاد صيغة لتأطير الجماهير الشعبية والشباب على وجه الخصوص في نشاطها؛ إلا أن من غير إغفال النجاحات المهمة التي حققتها هذه المبادرات، على صعيد التأكيد بأن الشعب الفلسطيني متمسك بثوابته، والسعي إلى تشكيل قوة ضغط على القيادة الفلسطينية يجعلها تفكر مرتين قبل تقديم أي تنازل يمس هذه الحقوق، ونشر المعرفة الصحيحة، الحقوقية والقانونية، بثوابت الشعب الفلسطيني، خصوصاً حق العودة، في ظل محاولات إسرائيلية وأميركية تزييف الوعي وتقديم تفسيرات خبيثة ومغرضة لحق العودة، بالشراكة مع نخب وشخصيات فلسطينية نافذة ولصيقة بموقع صنع القرار الفلسطيني.

المبادرات الشعبية والبديل الديموقراطي
لا شك في أن أزمة الشرعية التي تعيشها القيادة الفلسطينية، خاصة بعد أن تبدى فشل مشروع أوسلو بعد قمة كامب ديفيد الثانية (2000)، والشعور المتنامي بضعف المرجعية الفلسطينية، وعدم قدرتها على التصدي للتحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني؛ فتحت الباب لكثير من المشاريع الهادفة إلى خلق بديل، وكلها لم تنجح، لأنها، إما جاءت من أطر مأزومة (كمشروع وحدة اليسار) وعاجزة عن أن تحمل مشروعاً يتطلب تصحيحاً هيكلياً عميقاً، أو من شخصيات ومؤسسات ذات طابع ليبرالي، تعتقد أن البديل يمكن يكون صيغة قريبة من منظمات المجتمع المدني (كمحاولات مصطفى البرغوثي وسلام فياض وغيرها)، وكلها باءت بالفشل.
إن الأحوال اليوم، في ظل الثورات العربية، موات أكثر من أي وقت مضى لبروز تيار سياسي فلسطيني عريض، متسلح بإرادة شعبية تنشد التغيير، ويبني شرعيته على التمسك بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وإعادة الاعتبار للنضال الوطني بأشكاله ووسائله المتعددة، ويدفع باتجاه إعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديموقراطية حقيقية. إن حركة العودة وشقيقاتها من المبادرات، بأفكارها ومبادئها ورجالها ونسائها، وبما تمثله من تمسك بثوابت الشعب بعيداً عن التسويات والحسابات الفصائلية التي غلّبت الفصائلي على الوطني؛ يمكن أن تشكل نواة من ضمن أنوية متعددة لولادة هذا التيار. والأنوية الأخرى، هي المبادرات والحركات الشبابية، التي نشطت مؤخراً في داخــل الوطــن وخارجه، ومنها حركة إنهاء الانقسام، يمكن أن تؤسس بديـــلاً حقـــيقياً، إن هـــي وعت هذه المهمة وتوفرت لها الإرادة، وعملت خارج الأطر القــديمة المتداعية، وحملت برنامجاً وطنياً ديموقراطياً يؤكد الثوابت، ويلتفت إلى قضايا الشعب الفلسطيني المعيشية والحياتية أينما وجد.

* كاتب فلسطيني مقيم في غزة