| 

اليوم أحد والقرية اللبنانية تستيقظ من سباتها على صوت أجراس الكنيسة تُقرع في دقات منتظمة وتدعو الناس إلى الصلاة، فتهرع إليها العجائز والصبايا، وينطلق صوبها الناس في أفواج بعضهم مدفوع بالتقوى، وبعضهم بالعادة... وبعضهم بالرغبة في قضاء فترة من الوقت تغاير (روتينهم) اليومي المألوف.
وأبو عطا الله... ذلك اللاجئ الفلسطيني... يقف أمام منزله يراقب أفواج المارّين، حتى إذا ما انقطع سيلهم وضمتهم جميعاً ساحة الكنيسة الرحبة، وارتفع صوت الكاهن في تلاوة تراتيله، راح أبو عطا يجرّ رجليه جرّاً... فيختار لنفسه مجلساً في إحدى الزوايا... وقد اتخذت تقاطيع وجهه شكلاً كئيباً. ومال طربوشه الداكن الطويل في انكسار وذلة، حتى إذا ما انتهت الصلاة... واقترب الناس من المذبح يلتمسون بركة الكاهن... وارتفعت أيمانهم ترسم شارة الصليب. كان هو أول من يخرج ليعود إلى بيته مسرعاً... فيلقي بجسمه على مقعد كادت أن تتداعى قوائمه... ويروح ينقر بأصبعه على متكأ المقعد قائلاً بعصبية.
ـ أهذه صلاة... لا والله... إنني لا أشعر قط بتلك الراحة النفسية التي كنت أسبح بها بعد كل (قدّاس)... إن كل ما أراه وأسمعه وأعيه... يغاير ما ألفته هناك... وجوه الناس... صوت الكاهن... رنين الأجراس وهذا (الشمّاس) البغيض... إنني أكرهه... لقد رجوته مرة أن يسمح لي بقرع الأجراس فأبى عليّ ذلك وقال: لسنا على استعداد لأن نتحمل هذه (الدوخة)... يا للَّعِين... آه من هذا الزمن الكافر الذي جعل مثل هذا يرد لي طلباً ويصدُّ لي رغبة...
عطا، عطا... اسمع.. سأعود إلى بلدي سعياً على قدميَّ وليكن ما يكون... لن أبالي قط برصاص المعتدين او ضراوة الغاصبين.. فالحياة هنا على هذه الحال لا تطاق...
ـ هلاّ كففت بالله عليك...
ـ لا لن أكفّ... لقد طاوعتك وزوجك فغادرت قريتي مضطراً. والله... ليتني بقيت بجانب (الأب إبراهيم) هو يرعى شؤون الكنيسة وأنا أدق أجراسها فهذا شيء ألفته منذ طفولتي... ودرّبني عليه والدي... لقد كان جدّك يا عطا أبرع من يتلاعب بحبال الأجراس... لقد شهد له بذلك (البطريرك) حين زار قريتنا ليدشن كنيستها الصغيرة...
وكنت في طفولتي أصحب والدي حتى إذا ما اشتدّ ساعدي ونالت الشيخوخة من ساعده دفع إليّ بالحبال وقال:
ـ إنك وريثي... حتى في هذا.
آه يا لي من غبي إذ بعت ذكرياتي في ساعة اندفاع.
ـ أبي هل انتهيت...
ـ أوَ تريدني أن أخرس... كلا لن أسكت... ولو انفلقت... وما الذي يغريني بالسكوت؟... أين الآن أبي عطا الذليل الكئيب من ذلك الذي كان يرتدي في الآحاد سرواله الجديد، ويلتف بحزامه الملون... ويتقبع بطربوشه الأنيق ويمضي إلى الكنيسة فيقرع أجراسها بقوة يحسده عليها الشباب... إن قوة ساعدي يا ابني كانت الدافع الأول الذي جعل أمك ترضى بي زوجاً وتفضلني على ابن العم أيوب!! أراك تضحك أيها العاق... حتى انك صرت تسخر من كلامي... طبعاً... ولك الحق... فقد تناسيت أن والدك كان صديقاً حميماً لمختار القرية وكان رجلاً من رجالاتها... وكان حَكَماً يفتصل لديه الناس في خصوماتهم وكان الوحيد الذي فضلته أمك على عشرين من الشباب غيره...
ـ أعرف هذا...
ـ أجل تعرفه ومع ذلك تضحك من كلامي بوقاحة..
ـ لقد ضحكت... إذ ما الفائدة من ثورتك بين لحظة وأخرى؟ إن حالك حال عشرات الألوف من الناس... ومع ذلك لا تفتأ تندب أجراسك وكنيستك وصديقك الخوري إبراهيم... إن علينا الآن أن نفكر بأشياء أخرى غير هذه...
ـ وماذا تريدني أن أقول...؟
ـ لا تقل شيئاً...
ـ إنني لا أتحمل... إذ أشعر بصوت الأجراس هنا ينفذ في أذني فيمزقها... لا نغم... ولا أصول ولا مرونة... آه لو يسمحوا لي بقرعها... ولو مرة واحدة... مرة واحدة فقط!!!
القرية نفسها تسبح في ظلمة رمادية بدأت تمحوها خيوط من الفجر لامعة... والناس في مراقدهم معقودي الأجفان... والطبيعة مستسلمة لحكم السكون... وإذ بالأجراس تنطلق من دويّ يشق صمت الفضاء وسكينة الطبيــعة.. فيـــهب الناس من مراقدهم فزعين... وينهض الكاهن مشعث الشعر واللــحية... وينطلقون جميعاً وقد ملكتهم الرعدة واستبدَّ بهم الدهش يستطلعون جلية الخبر وقد تضخمت ظنونهم وثارت هواجسهم... ففــيهم من عزاها إلى وفاة عظيم او كبير... ومنهم من خالها تدعوهـــم إلى اجتماع سريع خطير... ولم يستطيعوا جميعاً أن يقفوا علـــى الحقيــقة بسهولة... إذ بصروا بأبي عطا الله وقد أمسك بالحبال بأصــابع انطبقت عليها بعصبية بالغة... وراح يهزّها بعنف وقوة فيــهتز معــها شارباه وطربوشه وكل عضلة من عضلات جسمه فيتــعالى زئير الأجراس في ثورة اختلطت بصيــحات أبي عطــا جذلة... بلهاء!!
11/3/1950
(مجموعة «أصداء»)

* أديبة من عكا