| 

كان الهتاف الأبرز للفلسطينيين في شتاتهم، خلال الخمسين سنة الأخيرة كلمة «عائدون» وكانت عبارة «بالعودة» أو «بالنصر» محطة الكلام في اللقاءات والمناسبات والأفراح والمآتم. ويظهر ان أمثال هذه العبارات تكاد تختفي، تماماً من الحديث اليومي، لأن العودة ربما صارت واقعاً ملموساً لبعض من عاد إلى أرضه واستعاد شذى التراب وعبق الطفولة. لكن حتى الذين عادوا بالفعل إلى أرضهم وأهلهم وقراهم ومدنهم في الضفة وغزة، لم يجدوا البتة الوطن الذي حلموا به زمناً طويلاً، كأن «المنفى» تلبسهم وصار هو الوطن الذي طالما أضناهم التفتيش عنه، أو كأنه الحلم الذي طالما حرقت أفئدتهم محاولة التقاطه، حتى إذا انقشع بعض هذا الحلم وعادوا، بالفعل، ولمسوا لمس اليد تراب الوطن وحجارته وهواءه وأشجاره، دهشوا لهذا الجديد الطارئ المنتظر، أهو الوطن حقاً؟ أهذا ما حلموا به، ومن أجل هذا جاؤوا، ومن أجله ذهبوا ومن أجل هذا الهوان تناثرت أجسادهم فوق المحطات الكثيرة لسفرهم الطويل؟
دشّن توقيع «إعلان المبادئ» في حديقة البيت الأبيض يوم 13/9/1993 حقبة جديدة تماماً في التاريخ المعاصر للمنطقة العربية، وصار ما قبل هذا التاريخ تاريخاً وما بعده تاريخاً آخر. وبات واضحاً، إلى حد كبير، ان عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى فلسطين أضحت على جدول المفاوضات والمباحثات، وأثبتت التطورات اللاحقة ان اتفاق أوسلو، وهو التسمية الرائجة لإعلان المبادئ، وضع على مفكرته جميع قضايا المرحلة الأخيرة من المفاوضات مثل «القدس» و«الحدود» و«المياه» و«المستعمرات» و«السيادة» وغيرها، ومنذ البداية، كان للغموض الذي شاع في معظم بنود «اتفاق أوسلو» شأن مهم في إضفاء قدر كبير من التشويش في صفوف الفلسطينيين.
في هذا المناخ من البلبلة والاضطراب راح كثير من الأفراد والجماعات يفتش عن مخارج عملية لهذا الاستعصاء السياسي الذي أعقب بداية التنفيذ العملي لاتفاق أوسلو، وتحرك كل طرف وكل فريق انطلاقاً من مصالحه وروابطه وعلاقاته والأهداف التي يتطلع إليها والمبادئ التي يعتنقها، فجاءت المحصلة خليطاً من المشاريع والأفكار وأنصاف الأفكار، بعضها مات في أول الطريق، وبعضها الآخر سيموت قريباً، ولا ندري من ستنجده الأحوال والأوضاع لكي يعيش ويستمر. وظهر فجأة أن جُلّ هذه الأفكار والآراء والمشاريع راح يتوسل شعار «حق العودة» لمعالجة الانسداد السياسي الفلسطيني والاستعصاء الفكري الناجم عنه.
غير أن ثمة محاولة جدية أرادت أن تبادر إلى هذا الأمر بجدية لافتة، وأن تتصدى لمسألة «العودة وتقرير المصير» بأفكار نقدية ومنفتحة وبذخيرة من الشخصيات ذات الحضور هي «اللجنة التحضيرية الموقتة لعقد مؤتمر العودة وتقرير المصير»، وتضم هذه اللجنة التي أعلن عن تأليفها في الولايات المتحدة كلاً من: كلوفيس مقصود، حمزة المغربي، نصير عاروري، محمد عويس، أشرف البيومي، لبيب قمحاوي، غادة الكرمي، هشام شرابي، وسميح فرسون، ولهذه الغاية زار الدكتور هشام شرابي بيروت في حزيران 1996 والتقى عدداً من النخب الفكرية والثقافية والمالية والسياسية الفلسطينية وخرج بمحصلة غير مشجعة تماماً، لكن لقاءاته بأفراد من الطلبة والنساء والمثقفين والناشطين أمدته بزاد ذي أمل، وفي أثناء وجود الدكتور كلوفيس مقصود في بيروت، لشؤونه الخاصة، التقى في 14/8/1996 أفراداً من تلك النخب التي اجتمعت قبل ذلك إلى الدكتور هشام شرابي حيث جرى البحث في ما صار إليه هذا المشروع. وفي هذا السياق ظهرت مجموعة «عائدون» في لبنان.

هل العودة ممكنة؟
للوهلة الأولى يبدو «حق العودة» إذا نظرنا إليه كحق من حقوق الإنسان، مسألة بدهية لا تثير أي جدل أو اعتراض، غير أنه يصبح شديد التعقيد إذا نظرنا إليه كموضوع سياسي يرتبط بحق كل فرد فلسطيني في العودة إلى منزله ووطنه. و«العودة» هي بالمنطق الصوري، النقيضة التي ترتبت على التنفيذ العملي لفكرة «الترانسفير» الصهيونية، فلولا إرغام شعب بأكثريته وبقوة السلاح على مغادرة وطنه وأرضه لما كانت العودة مطلباً حيوياً يسعى الفلسطينيون لانتزاعه وبقوة السلاح أيضاً. غير أن حق العودة يتقدم الآن ليصبح مشكلة غير قابلة للحل، فالأماكن التي غادرها الفلسطينيون ما عادت موجودة، وثمة مواقع صارت إلى غير ما كانت عليه (دمرت إسرائيل أكثر من 450 بلدة وقرية بين 1947 و1949 لجعل العودة مسألة من المحال تنفيذها). وفضلاً عن ان إسرائيل نفسها ترفض رفضاً باتاً البحث في عودة الفلسطينيين من لاجئي سنة 1948 إلى ديارهم، وأقصى ما يمكن أن توافق عليه هو لم شمل نازحي سنة 1967 وبنطاق محدود جداً وعلى مدى سنوات ربما تطول كثيراً.
ان أي مشروع سياسي، لكي ينمو وينجح، يحتاج صدقية سياسية وبرنامجاً عملياً وهدفاً قابلاً للتطبيق. ان الهدف واضح جداً وهو العودة. ومع غياب البرنامج حتى الآن فإن الصدقية السياسية تستمد حضورها من صدقية الشخصيات التي بادرت إلى هذا الأمر وهي في أي حال، صدقية عالية، لكن هل هذا الهدف قابل للتطبيق وممكن الوصول إليه في المرحلة الراهنة التي استفاض عشرات الكتّاب في وصف اضطرابها وتبلبلها وانحدارها؟ هاكم الجواب.

«كونوا واقعيين: اطلبوا المستحيل»
سنستعير من «كوهن بنديت» شيخ اليسار الأوروبي في ثورة أيار 1968 في باريس، هذا الشعار الذي اشتهر كثيراً في حينه: «كونوا واقعيين: اطلبوا المستحيل». وسنكون شديدي الواقعية السياسية في جانب وطالبي المستحيل في جانب آخر فنقول:
1 ـ إذا كان المتوقع من لجان العودة تنظيم الشتات الفلسطيني وربط أجزائه بعضها ببعض وإقامة مؤسسات تكافلية وإنسانية وصحية وتربوية، ثم إذا كان المرتجى إبقاء فكرة العودة حية في ضمائر الناس، واستخدامها أسلوباً تعبوياً نتوسل منها عدم إطفاء شعلة القضية الفلسطينية، فهذا أمر حسن.
2 ـ اننا نفهم من مصطلح «العودة» أمراً واحداً بسيطاً هو حق كل فرد فلسطيني في العودة إلى منزله وقريته وبلدته ومدينته في فلسطين، وهذا الحق غير قابل للتصرف مهما تبدلت الأحوال وتقلبت الأوضاع ومهما حصل للمنازل والقرى والبلدات والمدن أكانت قائمة حتى الآن، أم دمرت وسوّيت بالأرض، وسنبني على هذا الشيء مقتضاه أيضاً فنقول: إذا كان هدف مؤسسات العودة هو العمل الجدي على إعادة الفلسطينيين إلى ديارهم في فلسطين، ونقصد بذلك العودة الفعلية إلى حيفا وعكا ويافا والناصرة وصفد وطبرية واللد والرملة وترشيحا وغيرها، فهذا الشأن الخطير يحتاج جعبة سياسية وعسكرية وبشرية غير هذه الجعبة وغير جعبة المجموعات الضميرية. انه يحتاج حرباً مظفرة أو مجموعة إنجازات وانتصارات عسكرية متراكمة تتيح إرغام إسرائيل على الصدوع لأمر العودة أو بعضها، وهو يحتاج استطراداً، حركة سياسية ذات طبيعة أخرى أي ثورة جديدة تماماً على الواقع العربي وقد انتفض على شروطه الراهنة المهينة ونفض عنه حال الانحدار والتدهور والبلبلة والاضطراب. وهذا التصور صعب المنال، بل من المحال نيله في الأوضاع العربية المعروفة، وكتمرين تمهيدي للذهن أرى أن المطلوب ليس القيام بخطوات جزئية بلا رؤية استراتيجية بل التقدم بخطوات وئيدة تتيح التراكم الكمي الذي من شأنه أن يجعل التحوّل الكيفي ممكناً. وفي الأحوال كلها فإن المرغوب فيه، مرحلياً، هو صوغ استراتيجية عملية للخروج من المصيدة الــتي وقـــع فيها الشعب الفلسطيني وبالتحديد مصيدة الانقسام السياسي.
ان الغريق الذي يعلق بالدوامة عليه أن يجاهد كثيراً جداً للخروج، أولاً، من الدوامة ثم يحدد اتجاهه ويسبح نحو الشاطئ. والعالق في المصيدة عليه أن يبذل الجهد الكبير للفكاك منها ثم يتابع طريقه. والعرب والفلسطينيون هم اليوم كالغرقى أو كالذين أطبقت الأفخاخ والمصائد على أعناقهم وأرجلهم فعطلت حركتهم وقدرتهم على التفكير المنطقي، أما السؤال الأكثر إلحاحاً فهو ليس «كيف ننتصر؟» ـ على جلالة قدر هذا السؤال ـ بل «لماذا هُزمنا؟» وكيف ننتصر معاً. ونختصر بالقول إن بالإمكان تحويل مجموعات العودة إلى هيئة اجتماعية للشتات الفلسطيني، وهذه مهمة مرغوبة تماماً، إلا ان الإسلام السياسي يحول دائماً دون إمكان التقدم نحو قيام هيئة فاعلة ومستقلة للعودة، لأنه غير قادر على العمل مع المجموعات العلمانية واليسارية الأخرى.
هل تستطيع مجموعات العودة تنظيم رحلة الخروج من المصيدة لكي يصبح بالإمكان تنظيم مسيرة العودة الفعلية؟ ربما صح العزم لكن الدهر أبى. وعلى الرغم من هذا الليل العربي الطويل لا بد من طلب المستــحيل والاستــمرار في قــدح الصخور الصوانية لعـــل الــشرر يشــعل حريقاً في هذا العماء الشامل الذي امتد واستقر في عالمنا العربي الكبير الذي يتسربل اليوم بالاضطراب والبلبلة وإدارة الظهر لقضية فلسطين.