| 

من الأمور الموثقة جيداً أن غالبية الفلسطينيين الذين هجّروا عام 1948 انتهى بهم المطاف إلى البلدان العربية المجاورة. عدد قليل منهم ذهب إلى بلدان الخليج وعدد أقل ذهب إلى بلدان أبعد في أوروبا والأميركتين. وكانت عائلتي من بين عدد ضئيل من العائلات الفلسطينية التي هاجرت إلى بريطانيا إثر النكبة. في العام 1949 عندما وصلنا هناك لم نجد سوى عدد قليل من أهالي بلدنا، ومعظمهم كانوا رجالاً عزاباً ممن كانوا يدرسون أو يعملون في بريطانيا. والكثير منهم وجد نفسه عالقاً في بريطانيا منقطعاً عن عائلته في الوطن وغير قادر على العودة إلى فلسطين.
كان القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية، الذي عمل والدي فيه، مكان تجمع هؤلاء الرجاء. وكان هذا القسم أنشئ حديثاً وبحاجة شديدة إلى مذيعين باللغة العربية. ولذلك أصبح مركزاً لاستقطاب الفلسطينيين والعرب من الجنسيات كافة. وسرعان ما أصبح الفلسطينيون القلائل الذين عملوا مع والدي عائلة من الأصدقاء ساعدونا في إعادة تكوين حسّنا بفلسطين في قلب لندن. وكان هذا هاماً على نحو حاسم بالنسبة إلينا جميعاً في محاولتنا التعود على الحياة في مجتمع غريب كلياً.
لدى وصولنا إلى لندن كان والدي وأختي الكبرى فقط يعرفان اللغة الإنكليزية بدرجة ما. ولم نكن أمي وأنا وأخي نعرف كلمة واحدة من اللغة. بالإضافة إلى ذلك ما كنا نسافر خارج فلسطين أبداً. كان نزوحنا إلى دمشق في زيارتنا الأولى والوحيدة في الخارج. وكانت دمشق البيئة الوحيدة التي كنا قد تعرفنا إليها في العالم العربي. وعلى الرغم من أننا كنا في فلسطين نعيش في ظل حكومة الانتداب البريطاني وتحت سيطرة الجيش البريطاني إلا أن ذلك لم يجعلنا ـ لا أمي ولا نحن ـ نألف العادات والثقافة البريطانية.
حلّت أمي المشكلة بطريقة أسميها طريقة «Miss Havisham»، فعقارب الساعة بالنسبة إليها قد توقفت بكل بساطة في القدس عام 1948. بيتنا في لندن كان يقف في صف طويل من البيوت المتلاصقة المتماثلة على الجانبين. وهذا ما يسمى terraced في اللغة الإنكليزية الاصطلاحية للوكلاء العقاريين، ولا يشبه البتة بيتنا المنفرد detached في القدس. بيت لندن مظلم وبارد في الداخل وفيه درج يؤدي إلى الطابق العلوي. في الطابق السفلي توجد غرفتان ومطبخ وغرفة صغيرة لغسل الأطباق وحفظها. وفي الغرفة الخلفية توجد مدفأة محاطة بإطار من الخشب المصقول، تعود إلى الثلاثينيات من القرن الماضي، وقد أصبحت فيما بعد «ميزة بارزة» يعتز بها الباحثون عن البيوت من أبناء الطبقة الوسطى الإنكليزية، لكن أمي لم تكترث لها كلياً في ذلك الحين. بيت لندن الضيق بغرفه الصغيرة وبالألواح الخشبية التي تغطي أرضيته لم يرق لأمي المعتادة على بيتنا الحجري الكبير بأرضيته المبلطة وشرفته الواسعة.
أولاً لنبدأ بالأرضية. ففي العالم العربي تصنع أرضيات البيوت من الحجر أو البلاط، لتلائم فصول الصيف الحارة. وتغسل ربات البيوت أو خادماتهن ـ إن وجدن ـ تلك الأرضيات بانتظام لتنظيفها من جهة، ولإضفاء برودة على البيت من جهة أخرى. وعلى الرغم من طقس إنكلترا البارد كانت أمي في لمح البصر تنزع السجادات التي تغطي أرضيات المطبخ والصالة وتلمع بلاطها البني الضارب للحمرة، لكي تحاكي بيتنا في القدس. كانت أمي تود لو أنها تملأ سطلاً بالماء والصابون وتسكبه على الأرضية، ثم تجثو على ركبتيها وتمسحها بقوة بخرقة من القماش، تماما كما اعتادت فاطمة أن تفعل في فلسطين. لا تفعلي ذلك، قد يقول أبي: الجو بارد هنا، ولسنا في القدس الآن». لكن أمي ستعبر عن سخطها ورفضها وتستمر فيما هي عليه من حال. وإذا ما كانت تغسل الأرضية فيما نحن عائدون إلى البيت ستصيح علينا وتأمرنا بنزع أحذيتنا عند الباب وبأن نخطو بحذر.
لم تتقبل أمي أبداً هجرتنا القسرية إلى بريطانيا. ولم تكن تذيع سراً حين تعبر عن استيائها من وجودنا هنا. لم تتوقف أمي عن الشكوى من عدم وجود طعام لائق لتطهوه، لا شيء من الخضروات التي اعتدنا عليها، حتى الثوم، عماد الطبخ العربي كله أصبح نوعاً من الترف. كرهت الطقس البارد والمطر وشكت من أنها بالكاد تفلح في إبقاء البيت دافئاً. كانت وحيدة وتتوق إلى الصحبة. في العالم العربي لا تكون وحيدا ولو للحظة واحدة. الجيران والأصدقاء دائماً موجودون تزورهم ويزورونك في كل يوم وفي كل حال. وهناك تجد العائلة حولك طوال الوقت. في لندن لم يكن عند أمي جيران يمكنها أن تتحدث إليهم، لا عائلة، أصدقاء قليلون فقط... كانت أمي محبة للناس وتنزع للعيش وسط الآخرين، امرأة اجتماعية تعوّل على صحبة الآخرين من أجل بقائها بالذات.
تغيرت أمي مع مجيئها إلى لندن. عندما كنا في القدس كانت تهتم بالبيت كثيراً وتعتني بمظهره، امرأة حيوية تندفع بجلبة في أنحاء المنزل في الصباحات وتتابع أمور المطبخ والتنظيف. أما هنا في لندن فكان يصعب عليها حتى النهوض من الفراش أحيانا. وكان ممكنا أن نعود إلى البيت وقت الغداء بينما هي لا تزال في الفراش. ما عاد قلبها يخفق للبيت، وفيما خلا هوسها المفاجئ والخاطف بأرضيته، لم تكن تهتم بتنظيفه على الإطلاق. لم يفهم أحد منا ماذا حدث لها، ولماذا تغيرت على هذا النحو. ربما كان علينا أن ندرك أن حياتها انهارت دفعة واحدة أمام عينيها. بمجيئها إلى لندن فقدت كل ما من شأنه أن يجعل الحياة بالنسبة إليها عادية، وتستحق العناء. لقد تمزق نسيج حياتها ولم تستطع أن تتعايش أبدا مع تلك الخسارة، أو أن تقبل بها. لكنها لم تعبّر أبدا عن ذلك علانية، وكان كل منا يحاول التغلب على إحساسه الذاتي بالخسران، ولذا لم نكن في وضع يمكننا من مساعدتها.

التعايش مع بيئة غريبة
كان التكيف السريع مع المجتمع البريطاني أسهل لي ولأخي لأننا كنا أصغر أفراد العائلة. لكنه كان أكثر صعوبة لبقية أفراد عائلتنا. أدارت أمي البيت كما لو أننا لم نغادر فلسطين مطلقاً.
أختي التي تكبرني كثيراً بقيت بعيدة نسبياً عن تأثيرات التغريب، بمعنى الثقافة الغربية. تقديرها للموسيقى والفنون الأوروبية لم يمس صميم كيانها الذي ظل عربيا وإسلاميا على نحو قوي. ظاهرياً كنت الفتاة نفسها التي عرفها أهلي، العربية المظهر والناطقة بلغة الضاد. أما باطنيا، بيني وبين نفسي فكبرت ونشأت بصورة دائمة أقرب إلى المجتمع من حولي، مرتبطة بتاريخه وأعرافه، بأبعد ما استطعت أن أفهمه، على أقل تقدير، انطلاقاً من الفرصة المواتية لأسرة عربية إسلامية تعيش في منطقة «جولدرز غرين».
لم يدرك والدنا شيئا من هذا وتشبثا بكل سعادة بافتراضاتهما التي جعلتنا جميعا معلقين بعالمهم، كما لو أن عالمنا نحن كان مجرد عالم مؤقت يمكن أن نخلفه وراءنا في أي لحظة. كانا يعرفان أننا لا نقرأ غير الكتب الإنكليزية، وأنا نذهب إلى صالات الرسم وحفلات الموسيقى. رغم ذلك لم يغير أي من هذا رأيهما في أننا كنا الأشخاص أنفسهم: وحدة أسرية عربية عصية على التغيير، هي نفسها التي عاشت في فلسطين، كما لو كنا لم نغادر أبدا.
مع جهود أمي في البيت للحفاظ على نمط حياة تقليدية افترض والدي أنه كان من الطبيعي أن نحافظ على هويتنا كعرب ومسلمين من دون الحاجة إلى أي مساعدة أخرى. أما البيئة المحيطة، فيما لو فكر فيها والدي أساسا، فهي بالنسبة إليه ليست أكثر من ستارة المسرح الخلفية للعمل المهم الذي يتوجب علينا إنجازه في سياق تحصيلنا العلمي.
إذاً، كان والدي هناك مع عائلة يكبر أطــفالها وينشأون في بيئة غريبة، من دون تجربة سابقة يمكن تمـــثلها ومن دون مساعدة من والدتنا. أعاقت أمي بسلوكها اندماجـــنا في الحياة البريطانية من خلال رفضها لكل مظاهر الحياة في إنكـــلترا. وهي لم تكن حتى في وضع يمكّنها من مساعدتنا علــى الاندماج. وإذا كان ثمة شيء تحاوله فهو شدنا إلى الوراء في كل مرة تعتقد فيها أننا تهنا وابتعدنا عن عاداتنا وثقافتنا. وقد تسبب لي هذا الوضع في وقت من الأوقات بأزمة داخلية حادة بين ذاتي البريطانية وذاتي العربية. وقد طغت هذه الأزمة على السطح لأول مرة في أعقاب أزمة السويس والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956. وجدتني للمرة الأولى في حياتي معرضة لموجة من المشاعر المعادية للعرب في بريطانيا وهزتني تلك الموجة حقاً.
«هل كنت عربية أم إنكليزية أم هجيناً من هذا وذاك، وهل يوجد مثل هذا الشيء» رأيت هذين الوجهين مجسدين في أمي، من جهة، وفي المحيط الذي أعيش فيه، من جهة أخرى. وبينما هيمن الجانب الإنكليزي عليّ بسهولة حتى ذلك الحين، فإن تجربة السويس استحضرت فيّ مجدداً بعداً شرق أوسطياً قاهراً لم أكن قادرة على التخلص منه. وقد أثر ذلك كله عامل ثالث ألا وهو اليهود وإسرائيل والتحدي القائم في حد ذاته الذي يسببونه.
شعرت على الدوام بأنني موزعة بين ذاتين. وهذا الصراع كان يتطور نحو الأسوأ كلما نضجت. وقد عمدت إلى حله عن طريق الذهاب إلى الجامعة بعيدا عن البيت، حيث أطلقت العنان كليا للجانب الإنكليزي من شخصيتي.

تجربة مهاجر غير نموذجي
لا يمكن فهم عزلة والدي الثقافية ببساطة في سياق الهجرة. من المعروف أن العديد من المجموعات المهاجرة تحافظ في بلدان التبني على ثقافتها وأنماط حياتها السابقة، وتصر دائما على أن يفعل أطفالها الأمر نفسه. ولكن ليس هذا سوى طريقة للتكيف مع أوضاعهم الجديدة، عبر إقامة جسر بين الماضي الذي اختاروا تركه خلف ظهورهم والحاضر الذي فضلوه.
لا شيء من هذا يصح على وضعنا. فوالداي لم يختارا مغادرة فلسطين ولم يسلّما أبدا بخسارتها. لم يفكرا في إنكلترا كمكان للمستقبل، بل كمحطة مرحلية على طريق يؤدي إلى الوراء فقط ـ إلى مكان ما طبعا، حيث لا يستطيعان الذهاب إليه أبدا. وما كان للأمر أن يكون غير ذلك، لأن التخلي عن تلك الفكرة كان يعادل بالنسبة إليهما تقبل خسارة فلسطين نهائيا. وهكذا خلافا لحالة المهاجرين العاديين الذين يحاولون باء جسور للمستقبل، فإن الجسور الوحيدة التي بناها والداي كانت تلك التي تربطهم بالماضي ـ بفلسطين والعالم العربي.
هذا هو على وجه الدقة الوضع الذي يواجهه فلسطينيو المنافي اليوم، أينما كانوا، وكيفما كانت نوعية حياتهم ودرجة رفاههم. وهذا ما يجعل الفلسطينيين منشغلين بالأحداث في بلدهم الأصلي على حساب الأحداث في بلدان إقامتهم. وأعتقد أن هذا هو السبب الرئيسي في النقص الصارخ في مشاركة الفلسطينيين في الحياة السياسية غير الشرق أوسطية.
وفي مثل حالتي، لا يمكن تجاهل الأزمة، حيث نشأت وترعرت في حي يهودي في مدينة لندن. في الواقع حظيت بتنشئة عادية. ذهبت إلى المدرسة ثم إلى الجامعة لدراسة الطب. وفي الحقيقة، الأحاديث التي كانت تدور في بيتنا بين والدي وأصدقائه، خلال فترة نموي، كان محورها دائما السياسة في العالم العربي. لكني كنت قادرة على تجاهلها. ومن الممكن القول نظرياً إنني كنت قد تمكنت من «نسيان» كل ما يمت لأصلي بصلة. وحقاً تمكنت في غالب الأحيان وحتى عام 1967 ألا أنسى تماما، بل أرى نفسي مواطنة عادية في بريطانيا تنتمي إلى قيم المجتمع البريطاني وتحصر نفسها في حلقة اجتماعية إنكليزية تقريبا. وربما كنت قادرة، بشكل يمكن إدراكه على الحفاظ على طريقة الحياة هذه، لولا الدور الذي لعبته إسرائيل على طول الخط. أستطيع أن أقول: لو أن إسرائيل ظلت مسالمة ضمن الحدود التي احتلتها عام 1948 ولم تشن الاعتداءات على جيرانها، ولو أنها حاولت بدلاً من ذلك خلق صداقات معهم، لربما كنا ـ نحن المنفيين الذين نزحوا بعيدا جدا وطوروا حياة مريحة ـ احتفظوا بذكريات حزينة عن خسارتهم للوطن ليس أكثر. لكن ممارسات إسرائيل منذ البداية كانت توسعية واستفزازية وعدائية. وحتى لو أراد الفلسطينيون النسيان لم يكن ليسمح لهم بذلك. وفي حالتنا، فإن ما غذّى حالة عدم النسيان هذه حقيقة أنــنا عشـــنا في بلد يتعاطف مع إسرائيل إلى حد كبير. وهكذا كنا نعاني مضلتين: فمن جهة نحن ضحايا لا يعترف لهم بذلك أحد في الغرب، في الوقت نفسه الذي يحتفى فيه بالمنتصر. والأسوأ، أننا في العام 1970 حُوّلنا إلى شياطين، ووُصمنا بأننا «إرهابيون»، فاكتملت محنتنا كفلسطينيين.

خاتمة
إن كثيراً من تأثيرات الهجرة القسرية الموصوفة أعلاه هي تأثيرات مشتركة في مثل هذه الحالات جميعاً. كل المهاجرين الذين تفترق ثقافتهم بشكل واسع عن ثقافات البلدان المضيفة يعانون مشاكل التكيف. إن أزمة الهوية التي واجهتها والصراع الثقافي اللذين اختبرتهما بتأثيراتهما التي لا تزال تفعل فعلها، وهما أمران شائعان في أوساط المجتمعات المهاجرة كافة. وما يجعل حالة الهجرة الفلسطينية مختلفة عن غيرها من الحالات هو أن الصراع الذي تسبب بها لا يزال جاريا، مما يجعل قبول شروط المنفى أكثر صعوبة. وهذا ما ستكون له آثاره ونتائجه على مستقبل الأجيال اللاحقة في المنافي. وسيكون هناك إغراء بالنسبة إلى الأجيال الأكبر سنا لغرس تاريخهم ونضالهم في نفوس أطفالهم، الأمر الذي سيمنعهم من التكيف على نحو ملائم مع محيطهم، ولربما سيثير لديهم مشكلات الهوية ذاتها التي واجهها آباؤهم، ويعتبر مثل هذا السلوك الأبوي طبيعيا، لكنه ينطوي على ضرر كامن.

إحدى شخصيات شارلز ديكنز في روايته Great Expectations