| 

تتصف مجتمعات الفلسطينيين في أوروبا بتنوع ملحوظ من حيث خلفيتها الاجتماعية والثقافية وتجربتها في بلد اللجوء الأول ووضعها القانوني ومستويات اندماجها في مجتمعاتها المضيفة الجديدة، وهو ما ينعكس على هوية هذه المجموعات ومكانة المرأة وخصائص الأجيال المتوالية فيها. وبوجه العموم يمكن التمييز بصورة أولية بين فئتين رئيستين في هذه المجموعات: الأولى، وهي الأقل عدداً الا انها الأقدم والأكثر رسوخا واندماجا، والثانية، هي الأكبر وتشمل الأحدث وجودا والأقل اندماجا والأكثر فقرا، وهم ممن وصلوا في الغالب خلال العقدين الماضيين طلبا للجوء في أوروبا. إن التفاعل والاختلاط بين هاتين الفئتين من المجتمعات ليس قويا على الدوام. وتتشارك الفئتان المذكورتان في معظم الخصائص بما في ذلك الصدمة النفسية الناتجة عن تجربة التشتت والذاكرة الجماعية والأساطير المضخمة عن الوطن والرؤية المثالية عن وطن الأجداد المفترض والالتزام الجماعي بالمساعدة في بناء الوطن وتحقيق أمنه وازدهاره وحتى بإعادة بعثه وإحيائه من جديد وتطوير حركة عودة إليه تحظى باستحسان جماعي. على ان هذا التصنيف يبقى غير ثابت اذ ان تبدل مواقع الأفراد بين الفئات الاجتماعية المختلفة أمر شائع كما هو الحال في أوساط المجتمعات المهاجرة عموما. وتوجد هناك خاصيتان تشكلان هويات الأقليات ـ بما في ذلك المجتمعات المهاجرة ـ ويمكن ملاحظتها بسهولة، وهي ان تلك الهويات غير ثابتة وغير متناغمة، لكنها متوائمة مع الظروف المستجدة. أما خاصيتها الثانية فهي انها دينامية وغير متجانسة لكنها متمايزة داخليا وفق متغيرات عدة مثل: العمر والتجربة ونوع الجنس والتعليم والوضع الاجتماعي ـ الاقتصادي.

* * *
إن تشتت مجموعات صغيرة مبعثرة في المجتمعات الجديدة وفشل تلك المجموعات في الاحتفاظ بروابط قوية مع الوطن الأم لأسباب خارجة عن سيطرتها، يؤدي إلى اضعاف روابط المجتمع والحس بالهوية على المستوى الوطني، خاصة بين الأجيال الجديدة. واكثر من ذلك ان النشاطات السياسية للمجتمعات الفلسطينية في اوروبا قد قلت فاعليتها بشكل عام خلال العقد الماضي. وكانت ردات افعال المجموعات المتعددة مختلفة وقد تأثرت بعوامل اخرى متعلقة بالأمر مثل: مستوى التعليم والاعتياد على بيئة ثقافية جديدة ونوعية المساعدة التي تقدمها المجتمعات المتبنية. وعلى سبيل المثال لاحظ باحثون وجود أعداد لا بأس بها من أعضاء الجوالي الفلسطينية في بريطانيا وفرنسا واسبانيا وإلى حد أقل في ألمانيا ودول اسكندنافيا ممن تمكنوا من تحصيل مستويات مختلفة من التعليم العالي، وإن الجوالي الفلسطينية في أوروبا أبدت استعداداً متفاوتاً إزاء الانفتاح والاندماج ولعب دور في الحياة العامة في المجتمعات الجديدة. وفي مثال جزر الكناري حيث وجود الفلسطينيين قديم وبسبب البعد والعزلة كان المهاجرون الفلسطينيون مهيئين للانصهار Assimilation وعبور الحاجز الديني، ومع ذلك تمكنوا من الاحتفاظ بتراثهم وثقافتهم الفرعية Sub- culture المتمايزة وبروابط مجتمعية قوية في نطاق تلك الثقافة. أما في البلدان الاسكندنافية فإن العائلات الفلسطينية الوافدة حديثا كلاجئين هي أقل تعليما وغير مهيأة في الغالب لاستيعاب الصدمة الثقافية نتيجة الانتقال للمجتمعات الجديدة وترى في الثقافة الجديدة تهديدا لقيمها وهويتها. ونتيجة لذلك يوجد ميل أكثر نحو الانعزال وحصر الفضاء الاجتماعي على العلاقات الأسرية المحدودة. كما يلاحظ ميل المجموعات الوافدة حديثا من طالبي اللجوء في التوجه نحو المساجد في الغالب كتعويض ثقافي واجتماعي ووجداني لما فقدوه في بلدان الاغتراب وفي حالات معينة التخندق في مواقع «مجموعات» دينية منغلقة ومتطرفة. وبرزت مؤخراً خطورة هذه المجموعات في استعمال المساجد في تجنيد الشبان المهاجرين ممن يعانون التهميش وأزمة الهوية وصعوبة تفهم عائلاتهم ومجتمعهم المحيط لاحتياجاتهم.
وإذا لم نتوقف كثيراً امام قصص النجاحات الفردية التي حققها بصورة رئيسية رجال اعمال ومهنيون متعلمون منذ فترة طويلة، فإن غالبية أفراد مجتمعات الشتات الفلسطيني حديثة النشأة من اللاجئين يواجهون صعوبات هائلة في التكيف والاندماج في المجتمعات الجديدة. وهناك أرقام تنذر بالخطر تتعلق بوضعهم التعليمي وآفاق فرص عملهم، خاصة في البلدان الاسكندنافية وألمانيا، نتيجة لتأثير التغيرات الاجتماعية والنفسية والثقافية التي عليهم التكيف معها، في نفسيتهم الجماعية، وكذلك نتيجة لصورتهم في نظر المجتمعات المضيفة، بوصفهم مهاجرين غرباء. وتبدو واضحة بشكل مؤلم علامات خيبات الأمل والارتباك والتشوش بسبب التغيرات العصيبة هائلة الأثر التي عليهم اختبارها. ويمتد هذا التشويش ليطال إدراكهم لدورهم وفهمهم له في المجتمعات الجديدة التي يحاولون الدخول إلى نسيجها الاجتماعي الداخلي، وكذلك ادراكهم لدورهم فيما يتعلق بوطنهم وبلدهم الأصلي.
ومن الجلي ان السن والجنس ومستوى التعليم هي عوامل مهمة في تحديد القدرة على التكيف والاندماج ومواجهة تحديات الهوية في المجتمعات الجديدة. إن صغار السن واصحاب المهارات والمهن منهم يتكيفون جيدا، مقارنة بمن هاجروا في عمر متأخر او من يفتقدون المهارة والخبرة. وبعد قضاء سنوات قليلة في البلد المتبنى يصبح بمقدور صغار السن هؤلاء استئناف أداء واجباتهم في إعالة عائلاتهم المسنة والمحرومة في الوطن. ومن جهة اخرى، وفي ظل التشابك بين ثقافتين ونقص التماسك الاجتماعي فإن الجيل الثاني من المهاجرين الفلسطينيين يحاول جاهدا التوفيق بين قيم الآباء والأمهات الموروثة وبين قيم الثقافة الجديدة السائدة، وان على ابناء هذا الجيل ان يعمل وبصورة ثابتة ومطردة على اعادة تعريف وبناء إدراكهم الشخصي لهويتهم في سياق عملية متواصلة للتكيف والاندماج في مجتمعاتهم الجديدة. وتعتبر هذه النقطة بالذات الحلقة الاضعف في تجربة الشتات الفلسطيني. ويعود سبب ذلك من جهة الى غياب الروابط الفعالة والمؤثرة بينهم وبين وطنهم الأم المحظور عليهم في الغالب الاعم السفر او العودة إليه، ومن جهة اخرى الى انتشارهم كمجموعات صغيرة تفتقد المؤسسات الاجتماعية والثقافية الخاصة بها في المجتمعات الجديدة وهو ما يفاقم محنة هؤلاء في بلدان الاغتراب.

* * *
في اغلب الاحتمالات تتعرض النساء المهاجرات الملتحقات بأزواجهن في البلد الجديد، للمعاناة نتيجة للعزلة التي يعشنها في ثقافة جديدة غريبة، وأيضاً بسبب عدم قدرتهن على الانسجام مع قيمها بنجاح. وكان النشاط السياسي في فترة السبعينيات من القرن الماضي قد مكن النسوة المهاجرات من التغلب على الاحساس بالعزلة، الا ان تراجع تلك النشاطات وتنامي ظاهرة الابتعاد Remoteness في العقد الأخير من القرن العشرين اعادهن الى دائرة البيت، حيث العزلة والتوحد والعطالة وعدم القدرة على التواصل بفعالية مع أطفالهن، ونما عندهن الرغبة في ملجأ خيالي او متخيل، والعودة الحنينية إلى ذكريات ماض يتعذر استعادته والى قيم اجتماعية في بيئة او وطن أكثر ألفة وحميمية.

* * *
تعد الهجرة الفلسطينية الى اوروبا ظاهرة حديثة. ومن المرجح ان يستمر وصول موجات الهجرة تلك الى اوروبا بسبب تواصل الفشل بحل القضية الفلسطينية وتصاعد وتيرة العنف في المناطق المحتلة، من جهة، وبسبب القيود المتزايدة على حرية حركة الفلسطينيين وفرص عملهم وحقوقهم الاجتماعية الاقتصادية في البلدان العربية المضيفة، من جهة اخرى.
ان مجتمعات الهجرة الفلسطينية متنوعة وخصائصها المشتركة غير محددة ولا متناغمة كليا، لكنها حركية وتستجيب للظروف. وغالبا ما توجد في عملية تكوين وإعادة تكوين مستمرة. وهذه المجتمعات غير متجانسة، لكنها متمايزة داخليا وفق متغيرات عدة مثل: العمر والتجربة ونوع الجنس والتعليم والوضع الاقتصادي والاجتماعي، ومجموعة من المتغيرات الاخرى. واظهر أفراد المجموعات الاولى من المهاجرين الفلسطينيين الأكثر رسوخا والأطول تأسيسا رغبة أعلى في الاندماج وفي لعب دور أكثر حيوية في الحياة العامة للمجتمع الجديد الذي وجدوا أنفسهم فيه، مع محاولات الاحتفاظ بصلات وروابط قوية مع جذورهم. لكن المجموعات الوافدة حديثا من المهاجرين والمكونة أساسا من طالبي اللجوء، فلا يزال على أفرادها التأقلم والتغلب على التحديات الهائلة وصراعات الهوية الأكثر حدة، التي تقترب من ان تكون خطيرة وحاسمة أحياناً. ان علائم خيبات الأمل والتوتر النفسي تبدو بوضوح على أفراد تلك المجموعات نتيجة تجارب العنف التي عاشها معظمهم والصدمات الثقافية والعصبية الناجمة عن التغييرات المفاجئة في ظروفهم.
وإلى ان تصبح الدولة الفلسطينية كاملة السيادة والقابلة للحياة حقيقة واقعة، لن تحظى مجتمعات الشتات الفلسطيني بأي نوع من الروابط المادية الفعلية مع وطنهم الأم، بل بروابط افتراضية او تخيلية على الأغلب. وفي هذا السياق، عندما سئل شاب فلسطيني: أين تجد وطنك؟ اجاب بمثل عربي معروف يقول: «مطرح ما بترزق إلزق» ـ أي التصق بالمكان الذي ترزق فيه. والوطن بالنسبة لهذا الشاب محدد بشكل جمعي: فهو لبنان حيث تعيش عائلته، وحيث ترعرع. وهو أيضاً انكلترا، حيث يعمل ويجد ملجأ. لكن فلسطين تبقى حية في داخله، وفي وجدان جيله من الفلسطينيين في المنافي. وهذه الفكرة عن ثنائية الوطن/ الشتات عبرت عنها بشكل مناسب وذكي الكاتبة الاميركية الشابة من أصل فلسطيني سهير حماد (1996)، حيث تقول: «الوطن في داخلي أحمله معي بما فيه من بشر وما يمثله من أشياء اينما حللت، انه جزء من كينونتي».

كاتب فلسطيني مقيم في انكلترا.