| 

سأحاول أن ارسم صورة لحياة الأسرة اليومية في السويد وكيفية تلقيها الثقافة الجديدة. وهذه الصورة بنيت على المقابلات التي أجريتها مع الفلسطينيين من الجنسين والإجابات التي حصلت عليها، ثم وبناء على ملاحظاتي الشخصية حيث عملت لبعض الوقت كمدرسة للغة السويدية للمهاجرين ومن ضمنهم الفلسطينيين في مدينة فكشو.
بعد حصول الأسرة على بطاقة الإقامة يذهب الأب إلى المدرسة لتعلم اللغة السويدية، ثم تلحق به المرأة إذا لم يكن لديها أطفال لم يبلغوا العامين. أما إذا كانوا في سن الذهاب إلى المدرسة فيذهب الجميع، وبعد فترة من الزمن تتعرف الأسرة على أسر أخرى من البلد الأصلي أو ممن يتكلمون اللغة العربية. حين يبدأ الرجل في التحدث باللغة الجديدة بشكل بسيط ينهي ساعاته المقررة في الدراسة قبل زوجته فيحوّل بعد ذلك إلى مكتب العمل للبحث عن وظيفة ويوضع اسمه تحت قائمة العاطلين عن العمل ما داموا لم يجدوا له العمل الملائم. وعلى الأغلب يرفض الأب الكثير من الفرص التي تعرض عليه ويبقى في البيت ما بين النوم والمقاهي. أما الأم التي تبدأ الدراسة فهي مجبرة في الغالب على الاستمرار بالذهاب إلى المدرسة حتى لا تضطر إلى العمل فتذهب عدة ساعات إلى المدرسة وتقضي بقية اليوم في لقاءات مع من يتكلمون اللغة العربية او تعيش في العالم العربي عن طريق محطات التلفزة الفضائية. الأطفال في هذه الأسرة أكانوا كباراً أو صغاراً يجدون من النشطات ما يملأ فراغهم بعد المدرسة وتدريجيا يبدأون في الابتعاد عن الأسرة بدون وعي أو تخطيط مسبق. إن السرعة المذهلة التي يتعلم بها الأطفال لغة البلد الجديد لا تقارن بالملل والنقد السلبي الذي يبدأ بالانتشار على ألسنة الوالدين.
إن نسبة الطلاق مرتفعة جداً بين الجالية الفلسطينية في كثير من المناطق. وفي مناسبة الحديث عن الطلاق لا بد لنا من ذكر ظاهرة انتشرت في السويد بين المهاجرين ومن بينهم الفلسطينيون وهي ما يسمى بالطلاق الصوري. إن الطلاق الصوري يعني ان يتفق الزوجان على تمثيلية يلعبانها على السلطات السويدية بأن هناك خلافاً بينهما فيتطلقان بحسب القانون السويدي. ومن الطبيعي ان يجر الأبناء في هذا الخلاف المصطنع إلى ان يلعبوا دور الضحية. إن الهدف من هذه التمثيلية استفادة الأسرة ماديا حيث تصبح هناك نفقة واجبة على الزوج لزوجته وأطفاله تدفعها السلطات السويدية للأسرة بدلا عنه. إن أكثر من 70% ممن يقومون بهذه اللعبة يصلون إلى طلاق رسمي في خلافهم على تقاسم المال. وعندما تسمع المرأة في المحكمة او في منظمة الأسرة ما لها من حقوق على زوجها وعلى المجتمع، وكيف يمكنها ان تأخذ بزمام الأمور من دون زوجها، تترجم ذلك في داخلها بحسب ثقافتها والمفاهيم التي تربت عليها فتعطي نتيجة عكسية في معظم الأحيان مسيئة لها قبل غيرها وتكون ضد مصلحة أطفالها. وعلى سبيل المثال الرجل الذي بدأ يفقد دوره شيئاً فشيئاً والذي بدأت سلطاته تنتزع منه الواحدة تلو الأخرى، لقد كانت له الكلمة الأولى في البيت على زوجته وأولاده ويكتشف فجأة انه دون هذا الحق فهو كأي فرد في الأسرة عليه من الواجبات أكثر مما له من حقوق حتى ان المعونة الاجتماعية للأطفال تأتي باسم الزوجة، وبذلك يجد الرجل نفسه يفقد دوره كأب ومعيل. إن ذلك المأزق الحاد بين تقاليده ومفهومه لدوره الذي لا يستطيع التخلي عنه وبين المفاهيم والدور الجديد المفروض عليه يجعل الأمور تفلت من يده فجأة ويشعر أن الأمور انقلبت وأصبحت المرأة هي السيدة وبيدها زمام الأمور فلا يشعر الا بالسخط على من حوله وتبدر عنه تصرفات غير مسؤولة ولا تبرير لها. فالرجل فيها لا يستطيع ان يثبت وجوده بالتفاهم وتقبل هذه القوانين والاستفادة منها بشكل بناء وانما يصر على التمسك بتقاليده بعناد شديد، تلك التقاليد التي في الأغلب لم يكن يحترمها سابقا فيتقمص شخصية جديدة يكون طابعها في الغالب دينياً بينما تنحو المرأة للتمسك فجأة بثقافة المجتمع الجديد حماية لنفسها. إن من المهم هنا التنويه بأن تلك الشخصية المتقمصة عند الطرفين هي هشة في داخلها ومهلهلة ولا أساس ثابتاً لها.
خلاصة القول ان التصادم الثقافي الذي أصاب النصيب الأكبر من الأسر الفلسطينية في السويد يقضي على معالمها ولا بد ان يخلق ردات فعل قد تكون سلبية أو متناقضة بل خطيرة، حيث تعتمد القضية على مدى قدرة الفرد على مدى قدرة الفرد على استيعاب تلك الثقافة ومحتواها ومدى ما لديه من خبرات سابقة تكون سندا له في تأقلمه وتكيفه مع المجتمع الجديد وتحميه من الانزلاق في متاهات لها مردود سلبي علــى الأســرة.
هذا على المستوى الذاتي، أما على المستوى الموضوعي فإن الفرد أحياناً كثيرة يتقبل ان يتعايش مع تلك الصورة السلبية التي أجبر عليها في اللاوعي، فهي ليست مسؤوليته الشخصية وحده، وانما هي مسؤولية المجتمع والظروف الجديدة التي وضع فيها. وفي بعض الحالات يقوم الأب بقتل زوجته او ابنته، وحين يسأل عن السبب المباشر لذلك تكون الإجابة «انها خرجت عن العادات والتقــاليد وأنــا بــدوري أدافع عن شرفي وقد أعطاني القرآن هذا الحق». إن هذه الصــورة قد تكررت عدة مرات في عدة مدن سويدية، فإن لم تصــل إلى القتل فقد وصلت إلى الضرب المتكرر. وفي هذه الحالة تذهب الزوجة إلى الشرطة ويمنع الرجل من معرفة مكانها بعد ان يقضي مدة في السجن.
من بين النتائج النفسية والاجتماعية المترتبة على ذلك ان الرجل يعيش أزمة حادة متأرجحا بين مشاعر الهزيمة التي أفقدته أسرته واستقراره وأولاده، ومشاعر النصر التي تتملكه، فقد انتصر على زوجته بقتلها او بضربها المتكرر. أما المرأة التي غالبا ما تشعر بالندم على انها أوصلت الامور إلى حد شكاية زوجها إلى الشرطة، وتندم على انها أدخلت الأسرة في متاهات المحاكم فيأتي نــدمها متأخــراً حــيث ان الشرخ في داخل الأسرة وصل ذروته، بينما تصر المرأة فــي بعــض الأحيان على المضي في دورها الجديد. وللأسف فإن كــثيراً من النساء تخرج من تجربة لتدخل في اخرى مع رجل آخــر من المستوى نفسه، وفي الظروف نفسها، فلا يكون من المســتبعد وقوعها في ظروف مشابهة لأنها لم تدرك انها بحاجة إلى وقــفة مع نفسها لاستيعاب تلك الحرية والمسؤولية والتأقلم بشكل ايجابي يفتح لها نافذة على العالم الجديــد من حــولها. هنــا لا بد من التنويه ان الصورة قد تأخذ منــحى آخر حيث تترك الأم الزوج والأطفال وتبدأ حياة أخرى لا تخــتلف عن الأولى.

* مدرسة في جامعة «فكشو» السويدية.