قام التقسيم الجغرافي ـ الطائفي للأحياء السكنية في مدينة حيفا بدور مهم في تحديد معالم الأوضاع الاجتماعية ـ الاقتصادية للمناطق السكانية الآهلة، فلقد كانت الطائفة الإسلامية تقطن القطاع الشرقي من حيفا (الحارة الشرقية) بكليته، وهو يغطي مجرى وادي الصليب ومنحدراته، ويمتد من الأبنية العامة على خط الشاطئ إلى سفوح جبل الكرمل، وتحده من الشرق ضفاف نهر المقطع السبخة. ثم مال المسلمون الأفضل حالاً إلى الانتقال نحو الحدود الشرقية لهذا الحي، او أبعد جنوبا إلى المناطق الأكثر ارتفاعا. وهذا القطاع من حيفا ضم أصلاً المنطقة التي أقام بها اليهود السفاراد، ومعظمهم من شمال افريقيا، ممن التجأوا إلى المدينة سنة 1829، وقد عرفت باسم حارة اليهود. ولاحقاً، في سنة 1881، أنشأت الطائفة اليهودية الشرقية حياً جديداً في أقصى الطرف الشرقي من المدينة، والذي على الرغم من الاسم الرسمي ـ هدار هكرمل ـ عرف بين العرب باسم أرض اليهود.
أما الحي الغربي المسيحي (الحارة الغربية)، الممتد من السوق في الشرق على المستعمرة الالمانية في الغرب، فقد انتشر أيضاً في موازاة شاطئ البحر. وتوزع في هذا الحي كثير من المؤسسات الدينية والتربوية، كانت كلها عمليا أجنبية وتمارس تأثيراً قوياً في الطوائف المستفيدة من خدماتها. فأديرة الأخوات الناصريات، وأخوات القديس تشارلز بوروميو الألمانيات الكاثوليك، والراهبات الكرمليات الحفاة، وكذلك مقابر مختلف الطوائف، اصطفت في موازاة الشاطئ من الشرق إلى الغرب.
وأسوة بالحي الإسلامي، بني الحي السكني المسيحي في قلب وادي النسناس وعلى منحدراته. وقد التحقت بالجزء الجنوبي الغربي من الوادي طائفة أرمنية صغيرة، كما ان كثيرين من اليهود الأشكناز والميسورين من السفاراد، أقاموا بالحي الغربي أو بالمستعمرة الألمانية في الطرف الغربي الأقصى من المدينة. وفي سنة 1909، قامت ضاحية يهودية جديدة (هيرتسليا) على سفح الجبل فوق وادي النسناس، وكانت مؤلفة من اثنتي عشرة قسيمة بناء تملكها، ولأول مرة، جماعة من اليهود السفاراد والأشكناز. ومن المراكز الرئيسية التي كان من شأن أحياء جديدة ان تنمو حولها: معهد التكنولوجيا (التــخنيون)، ومــدرسة ريــئالي، وكـــذلك مدرسة الأخوات الناصريات. كما أنشأ مهاجرون بهــائيون، سنة 1908، نواة الحي العجمي إلى الغرب مــن هيرتــسليا.

أنظر: مي صيقلي، حيفا العربية، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ١٩٩٧.