| 

لا يُدهشنا ذاك السحرُ الساكن في مدينة حيفا الفلسطينية المحتلة، بل يدهشنا ذلك البريق الذي يلمع في عينيها» وهي تحتفظ بذاكرة أهلها الذين رحلوا عنها والذين بقوا فيها. يلوح ذلك في بحرها المتعطِش إلى بيوتها وعمرانها، والذي ينحسر يومًا بعد يوم، ثم في أجراس الكنائس وأصوات المآذن التي خفتت، بفعلِ الاحتلال. لكن المدينة لا تزال جميلة ومُشرقة، وتُناضل بِمن بقي فيها من أهلها ضد المحو والتغييب والاندثار.

من هنا بدأت!
كانت حيفا، مجرد قرية صغيرة، في منطقة تل السمك (بالقرب من حي وادي الجمال اليوم)، على شاطئ البحر، قبل أن يُصدر ظاهر عمر الزيداني، قرارًا بهدم القرية القديمة ونقلها ثلاثة كيلومترات الى الجنوب الشرقي حيثُ يقع اليوم جامع الجرينة، وهناك أقيمت حيفا الجديدة وفي ذاكرة المدينة.
إنها أول مَن أشعل الثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936 عندما استشهد، عز الدين القسام في أحراج يعبد في 19/10/1935، فكان استشهاده الشرارة التي أشعلت الثورة.
أفرغت النكبة حيفا من سكانها العرب وبقي فيها قرابة ثلاثة آلاف فقط. وكان على هؤلاء أن يبدأوا من جديد، ومن وضعية الانكسار وفقدان الأمان الوجودي والتحول إلى أقلية عُرضة لعسف أصحاب السيادة الجدد الذين يلوّحون في كل يوم بالتشريد والإبعاد.

وادي النسناس شاهدٌ على الوجود العربي!
يُعتبر حي وادي النسناس من أعرق الأحياء العربية في حيفا عمره يتجاوز الـ650 عامًا، وعدد سكانه يقارب الـ10 آلاف نسمة، جميعهم من العرب، وتُشكل معالم الحي ومبانيه شاهدًا قويًا على الوجود الفلسطيني في المدينة، علمًا أنّ عدد سكان الحي قبل النكبة تجاوز الـ70 ألف نسمة، لكنّ بشاعة المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، مزّقت العائلات وشردتها في دخل البلاد وخارجها.
إنّ اقسى المشاهد التي عاشها أهل حي وادي النسناس، وصفته السيدة جورجيت عويس (المولودة في الحي، في سنة 1932) بقولها: «فور نشوب حرب 1948، انتقلنا مع والدتي الى الناصرة وبقي والدي في وادي النسناس، وبعد شهرين استدعانا إلى الحي، فعدنا إلى البيت معتقدين أنّه آمن، وإذ بالعصابات اليهودية تعبئ برميلاً من القنابل وترميه من أعالي المنطقة باتجاه الحي، لينفجر بالقاطنين فيه، رأيتُ بأم عيني جثث الناس فوق بعضها. ومرةً أخرى تقرر عائلتي العودة إلى الناصرة، وبعد شهرين ونصف الشهر عدنا إلى بيتنا، لنجده فارغًا تماما. وضع أبي مفتاح البيت في جيبه بعد أن أغلقه، وقال «لا تقلقوا سنعود»، ثم انتقلنا إلى شارع الخوري، لنبدأ حياةً جديدة في ظل الحرب».

«عيد الأعياد»: تزييف للواقع!
منذ أكثر من 16 عامًا، تنظم بلدية حيفا احتفالية سنوية تحت شعار «عيد الأعياد»، ويسميه سكان الحي «عيد المضايقات». ويقول رئيس لجنة حي وادي النسناس فيكتور حجار: في الشهر الأول من كل عام تنظم بلدية حيفا احتفالية «عيد المضايقات» حيثُ يؤم الحي مجموعة من اليهود والسائحين فيتجولون في المكان تحت «غطاء التعايش الزائف». وهذا ما أكده المؤرخ جوني منصور الذي قال: «حاول المسؤولون في الحي وأهالي المدينة نقل هذه الاحتفالية إلى مكانٍ آخر في وسط الأحياء اليهودية، لكنّ البلدية رفضت، وأبقت على قرار إزعاج الفلسطينيين، حتى أنّ سكان الحي، يستصعبون دخول الحي طوال فترة تنظيم العروض، حتى أنّ الشرطة تطلب إبراز هوياتهم، إمعانًا في الاستفزاز».
ويشكو الحاج فؤاد ابو طارق، أحد سكان الحي (66 عامًا) «مِن عمليات الهدم المستمرة في وادي النسناس، بذريعة البيوت غير الصالحة للسكنى، بينما هي سياسة تهدف إلى تفريغ البيوت من العرب، علمًا أنّ هذه نصف البيوت لأصحابها الأصليين العرب، والنصف الآخر استولت عليه شركة «عميدار» الاستيطانية، بهدف توطين اليهود هناك، لكنّ العائلات العربية حالت دون نجاح خطة عميدار، فسكن هذه البيوت عربًا، بما يُسمى «المفتاحية» أي تسكنُ في البيت تدفع مبلغًا، لكنّ صاحب البيت لا يمكنه توريث بيته، ليظل تابعاً لدائرة أراضي إسرائيل وشركة عميدار!

الحليصة: حكايات اللجوء والنضال!
يقع الحي في الجهة الشرقية من مدينة حيفا المحتلة، أقيم كحيٍ للعمال في العشرينيات، حيثُ سكنه العمال الفلسطينيون القادمون من خارج المدينة. أما اليوم فيسكنه 3300 عربي يشكلون 80% من السكان في الحي، بينما يسكن الحي ذاته نحو 20% من القادمين الجدد، كالأثيوبيين والروس. وغالبية السكان العرب هم لاجئون من قرىً فلسطينية كإم الزينات وصفورية والطنطورة، ومن مناطق الجليل والمثلث.
في سنوات الثلاثينيات والأربعينيات، شكلّ الحي مركز مقاومة للاحتلال، وهذا ما دفع بالصهاينة للانتقام، وتهجير جميع سكانه الأصليين، واستوطن اليهود بعد نكبة 1948، حيثُ استولوا على الأراضي والبيوت، قسمٌ منهم تملك البيوت، وقسمٌ آخر من البيوت سُجلت كأملاكٍ للغائبين.
بنى اللاجئون الفلسطينيون «براكيات»، وأقاموا فيها حتى العام 1967، وعندما وقعت الحرب، استغلت بلدية حيفا الخوف الفلسطيني من الحرب، وهاجمت المكان وهدمت البراكيات، وهجرّتهم للمرة الثانية، فانتقلوا إلى اراضي الحليصة، ووجدوا الأمان في المغر وأقاموا «براكيات» في الجبل، ثم بدأوا بالتسلل رويدًا رويدًا باتجاه البيوت في حي الحليصة. وكان على هؤلاء اللاجئين أن يجتهدوا ويعملوا ويشتروا بيوتًا تحت سيطرة «دائرة اراضي اسرائيل» و «شركة عميدار»، أو يدفعون مفتاحية، نظير ألا يتملكوا البيوت، ولا يحدثوا تصليحات من دون علم الشركة.
وفي سنوات السبعينيات وصل عدد السكان العرب في الحي إلى 100%، لكن بعد ذلك، بدأ توطين الأثيوبيين والروس في المنطقة، واليوم وصلوا إلى 20% من عدد السكان.

تجارة المخدرات العلنية!
في السنوات العشر الأخيرة بدأت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية تسوء في حي الحليصة، وساهمت سياسة شرطة حيفا في تهديد الاستقرار في الحي، حيثُ سمحت بتجارة المخدرات، بصورةٍ علنية، مثلما سمحوا للزانيات بالانتشار في شارع عتسمؤوت في البلدة التحتا، هذا الوضع ساهم في ضياعِ مجموعة كاملة من الجيل الثاني، الأمر الذي دفع بمجموعة من الشباب المثقف إلى محاربة ظاهرة المخدرات، والوقوف للتجار بالمرصاد، وفعلاً تمّ تنظيف الحي بصورة لا بأس بها.
لا توجد أي علاقات اجتماعية بين العرب واليهود في الحي، وخصوصاً الأثيوبيين الذي ينظرون إلى العرب نظرة استعلائية، مع أن نساءهم يعملن في التنظيف ورجالهم ينتظرون مخصصات البطالة في منتصف كل شهر.

أبو كايد يروي حكاية النكبة!
الحاج كامل يوسف (أبو كايد)، مواليد سنة 1936، يحكي قصة علاقته بنكبة 1948 فيقول: «وُلدتُ فوق ارض الرمل (حوف شيمن)، وبعد سنتين انتقلت العائلة إلى حي الحليصة، وكنتُ في الصف الأول الابتدائي عندما انتقلت العائلة إلى وادي الصليب. وفي ليلة 21 نيسان 1948 اشتدّ القصفُ على الأحياء العربية في حيفا، وطلب مني والداي أن أحمل الزوادة إلى حيثُ يعمل شقيقي ابراهيم حارسًا في مسلخ للحوم تابع لبلدية حيفا، وحين وصلت استعرت الحربُ في الخارج، فاضطررنا إلى البقاء في المسلخ، وحين عُدنا بعد يومين، كان جميع افراد العائلة قد انتقلوا بالمركب إلى عكا ثم إلى لبنان، ثم إلى الأردن. وبعد فترةٍ من الزمن، طمأنتهم أنا وشقيقي على حالنا، عبر المذياع، فأجابونا بالمثل.
عشتُ مع شقيقي ابراهيم في براكية في (حوف شيمن)، وكانت لنا في العام 1952، فرصة لقاء الوالد عندما غامر بحياته لينقل زوجة أخي وابنها إلى حيفا، وحين وصلوا مشارف ام الزينات ألقي القبض على ابي ومكث ثلاثة أشهر في سجن «نيشر» قرب حيفا، وإمعانًا في إيذائه رموا بِه إلى لبنان، ليعود مرة أخرى إلى عائلة يوسف في الأردن.
«حين التقيتُ أبي أول مرة، في عام 1952 احتضنته بلهفةٍ كبيرة، وكان هو لا يُصدق أنه يلتقي ابنيه بعد سنين، وحتى مماته، لم نستطع استصدار هويةٍ أو تصريحٍ بعودته إلى أحضاننا في حيفا. وفي المرة الثانية التي التقيتُه فيها، في العام 1966، كان برفقة أمي وإحدى شقيقاتي، ومرة أخرى، كان العناق أقوى وأشدُ مرارةً، وعند بوابة مندلباوم في القدس، التقيته آخر مرة. وعلى الرغم من وجودِ عشيرةٍ كبيرة، من «آل يوسف»، ومع أن لي عزوة في الأردن (4 أخوة و5 أخوات)، إلا أنني لم أشعر يومًا بخفقان قلبي فرحًا، حتى عندما زوجتُ أبنائي، ففي كُلِ مرةٍ احتفلُ بها بمناسبةٍ سعيدة، يغُصُ قلبي حزنًا، وتسقط دموعي جراحًا، على فراق الأحبة».

مشاريع ضد الوجود العربي في المحطة!
يبلغ عدد سكان محطة الكرمل 170 نسمة تقريبًا، وهي أحد الأحياء التي شكّلت نواة حيفا القديمة، قبل أن يتم هدمها في أثناء حكم ظاهر العمر الزيداني، وينقلها إلى شرق المدينة (المباني الحكومية اليوم)، لتسمى «حيفا الجديدة»، ثم استرجع الحي وجوده في نهاية القرن التاسع عشر، وبدأت العائلات تفد إليه من بعض قرى الجليل، وسكنت أكثر من 600 عائلة زمن الانتداب البريطاني، وتمّ تشييد كنيسة لا تزال قائمة (بعد النكبة تحولت إلى مخزن)، وتــمّ تفريغ الحي من سكانه في العام 1948، لتسكنه العائلات المتوسطة والفقيرة في الخمسينيات والستينيات، وبعض العائلات اليهودية من القادمين الجدد.
جورج اسكندر (33 عامًا) يحملُ ذكـرياتٍ مثيرة عن الحي الذي وُلد فيه، وهو اليوم رئيس لجنة الحي، ناشطٌ جماهيري وممثل.
يحدثني عن علاقته بحيه فيقول: «قبل 15 عامًا كان عدد البيوت في الحي ما يقارب الـ1500 بيت، اليوم بالكاد تحافظ 32 عائلة على بيوتها، فكثيرون تركوا المحطة، لأسبابهم المختلفة.
ويشعرُ اسكندر بفراغٍ شديد في الحي الذي كان يومًا عامرًا بأهله: «كان دافئًا بالجيران والبيوت، بعضهم سافر إلى الخارج، وبعضهم ترك الحي نحو أحياءٍ أخرى أكثر رقياً، كحي عباس ومنطقة الهدار والكرمل.
ولا يُخفي اسكندر خوفه الشديد على حي المحطة: «اعرف أنّ عمره قصير جدًا، وأخطرُ المشاريع هو ترميم واجهة البحر، أي تفريغ البيوت من ساكنيها، وتحويل المنطقة إلى مطاعم وفنادق وباراتٍ، للأثرياء، تمامًا مثلما يجري الآن في المدن الساحلية الأخرى مثل يافا وعكا.
قول اسكندر عن حي المحطة: «إنه قرية في قلب المدينة، هادئةٌ ومريحة، ناسُها يحبونها، جذورهم فيها قوية، وعلاقاتهم الإنسانية راقية، حتى أنّ معظم مَن تركها يتمنى لو بقي فيها في «غرفةٍ» بدلاً مِن شقةٍ كبيرةٍ في أحياءَ تضجُ بالحركة».
وادي الصليب: يحاربون الوجود العربي!
تحوّل حي وادي الصليب، بفعلة فاعل، من حيٍ عربيٍ يسكنه 10 آلاف فلسطيني قبل النكبة، إلى حيٍ يقيمُ فيه نحو 300 عربي فقط، وجميعهم مهددون بالتهجير وحرمانهم بيوتهم حيثُ لا تخفي دائرة اراضي اسرائيل رغبتها بتطوير المنطقة وتحويلها إلى حيٍ للفنانين.
يكتب هشام نفاع عن المخطط قائلاً: «قررت السلطات التصرّف بالحي وتأجيره لأغراض شخصية وتجارية وكأن التاريخ توقّف وتجمّد. لا توجد حقوق للناس الذين كان هذا الموقع يشكل لهم، ذات مرة، بيتا وحيّا وملكا خاصًا، واليوم عنوانًا للحنين».
وباتت معظم البيوت في حي الصليب، تسكنها الأشباح، فقد هُدم بعضها، وبعضها الآخر أغلق نوافذه، وبقية البيوت كُتب على مداخلها: «منطقة خطرة، ممنوع الدخول». وفي ساعاتٍ المساء تُصبح المنطقة خطراً، حيثُ يسكنها المدمنون على المخدرات واللصوص.

حي الكبابير والجماعة الأحمدية
يبلغ عدد سكان الحي نحو 2200 نسمة تقريبًا. وكان الحي في الماضي، قرية لها مختارٌ يمثلها أمام السلطات الحكومية، ثم تحولت في العام 1948 إلى حيٍ من أحياء مدينة حيفا، ويقع على أحد مرتفعات جبال الكرمل. سكنته عائلة عودة بعد هجرتها من نعلين القريبة من رام الله، وأفرادُها يتبعون الجماعة الأحمدية، وهم عربٌ، ورئيسُ لجنة الحي هو السيد محمد شريف عودة، ويُطلب عليه لقب أمير.

حي عباس
يعتبر حي عباس من الأحياء العربية الراقية، لأن مجموعة كبيرة من مبانيه تعود ملكيتها إلى عائلات عربية حيفاوية ثرية ذات مكانة اجتماعية واقتصادية جيدة، لكنّ الوضع انقلب في سنة 1948، حيثُ تمّ تفريغ الحي من ساكنيه العرب وحل محلهم قادمون يهود، لكنّ العائلات العربية عادت لتسكن الحي وتعيد اليه صبغته العربية.

وادي الجَمَال
عدد سكان الحي: 2500 نسمة تقريبًا، وهو حيٌ عربي يقع إلى الجهة الجنوبية الغربية لحيفا، استخدم في السابق محطة استراحة لقوافل الجمال المسافرة من الساحل السوري اللبناني باتجاه مصر مرورًا بعكا وحيفا، تميّز الحي بتسيير القوافل التجارية، وسمُي وادي الجمال لجمال المكان وطيب العيش فيه.
في الحي بنايات على امتداد الشاطئ، تتراصف من بيت وديع البستاني (المطرانية المارونية حاليًا)، حتى كنيسة القديس غريغوريوس للروم الكاثوليك.

المجتمع العربي خارج الخريطة الهيكلية
منذ نكبة حيفا عام 1948 وحتى عام 2007، لم يتم إنجاز مخطط هيكلي لمدينة حيفا بل تم اعتماد المخطط الأخير الذي رسم في عام 1934 في عهد الانتداب البريطاني.
والمخطط الجديد يتجاهل التاريخ والهوية العربية الفلسطينية لمدينة حيفا وتطورها كحيّز مديني ذي ميراث عربي فلسطيني بتر في أثناء النكبة. ولا يتعامل المخطط مع السكان العرب كمجتمع أصلاني بل كمجموعة طوائف. هكذا يرى المستشار التنظيمي والمخطِّط عروة سويطات. ويضيف: «ترمي مخططات السلطة إلى تهميش الأحياء العربية وحصرها وتحويلها إلى متحف فني للنكبة، من دون تطويرها وترميمها والمحافظة عليها إذ تتعرّض 25% من البيوت العربية لخطر الإخلاء.

* صحافية من أراضي ١٩٤٨.