| 

عندما يدخل المرء إلى قرية جلجليا، في شمال رام الله، لا يمكن أن يخطر في باله إلا أنه في حي راق وعصري، حيث القصور الفارهة، والشوارع الواسعة المعبدة، والإنارات المتميزة، والبنية التحتية العصرية، التي يمكن تمييزها من دون عناء، بل إن لحاويات القمامة شكلا مختلفا في القرية التي يقل عدد سكانها عن الألف بقليل. واللافت أن مجمل هذه القصور، التي لا يوجد مثلها إلا القليل في أرقى أحياء المدن الفلسطينية، تبقى فارغة طوال الأيام، إلا في أشهر الصيف، حيث تمتلئ القصور، وهي كثيرة، وتزدان بالإنارة، ويصبح للقرية، وبخاصة في ساعات المساء، نكهة مختلفة، لاسيما في شهر رمضان، حيث سجل حضور كثيف لأهل القرية، الذين يقتربون من الخمسة آلاف في الولايات المتحدة الأميركية والبرازيل، بحسب ما أشار إليه محمد جاسر، رئيس مجلس قروي جلجليا. واللافت أيضاً بحسب جاسر، أن بعض أبناء الجيل الرابع من المهاجرين الجلجلاويين، كما يسميهم، يزورون القرية للمرة الأولى، مؤكداً أن أهالي جلجليا متمسكون بأرضهم، ويرفضون بيعها، وحين يضطرون إلى ذلك فإنهم يبيعونها من أحد أبناء القرية الميسورين، وهم الغالبية، ومن النادر أن تباع قطعة أرض من أراضي جلجليا إلى مستملك من خارجها.
ويرى جاسر أن إصرار أهالي القرية المغتربين، وجلهم من التجار البارزين في الولايات المتحدة والبرازيل، على بناء قصور فارهة، وبهذه الكثافة، يعبر عن تمسكهم بأرضهم، فهم يرون في ذلك وسيلة للحفاظ على الأرض، وجسراً لربط أبنائهم وأحفادهم بفلسطين، وجلجليا على وجه الخصوص.
يشكل العدد القليل لسكان القرية ميزة إضافية، فهم، على الرغم من تعدد العائلات، يبدون كأسرة واحدة، وفي الصيف، تضج القرية بالناس، حتى أنها تقترب من أن تكون القرية الأولى في فلسطين المزودة بشبكة انترنت لاسلكية على كامل مناطقها. ويكشف جاسر أن تكلفة البنية التحتية الخاصة بخطوط الهاتف والإنترنت وتعبيد الشوارع والأرصفة والإنارات، وحتى حاويات القمامة، بلغت أكثر من مليوني دولار، وتكفل أهالي جلجليا في المهجر التكاليف كلها.

صندوق إقراض في المهجر
وكانت الهجرة الأولى لأهالي جلجليا بدأت في العام 1897 إلى البرازيل، وبعدها بعامين إلى الولايات المتحدة، ولعل نجاح من هاجر في تلك السنوات عبر البحر، شجع شبان القرية على الهجرة، حيث باتت الهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية أو البرازيل عادة شبابية.
إن أهالي جلجليا، وجلهم تجار في الولايات المتحدة، يقدمون، عبر اتحاد أبنائها هناك، لكل وافد جديد من شبان القرية، (يمنع أي شاب من مغادرة القرية قبل أن يتم دراسته الثانوية)، قرضاً من دون فوائد يتراوح ما بين 150 و200 ألف دولار، على أن يقوم الشاب باستثمار هذا المبلغ، ويسدي له الخبراء من تجار القرية، ورجال الأعمال منها، وهم القائمون على الصندوق الخاص بإقراض شباب القرية، نصائح في الاستثمار، على أن يقوم بتسديد المبلغ خلال ثلاث أو أربع سنوات، وفي حال فشله يعود إلى القرية، وتكون مهمته كغيره ممن لا يحالفهم الحظ، مساعدة المجلس القروي في إدارة شؤون القرية، وصيانة القصور والمنازل الفارغة، والعمل على توفير الحماية لها من السرقات «الخارجية»، ومتابعة شؤون كبار السن، ممن مكثوا في القرية، أو من عادوا إليها، بعد طول عناء في الغربة، ويقوم الصندوق بدفع راتب شهري له لقاء ذلك.
ويرى جاسر، أن حالة جلجليا، التي يطلق عليها كل من يزورها القرية النموذجية، تعبر عن ارتباط وثيق بالأرض، وعن تمسك الآباء بتعميق صلات أبنائهم بأرضهم وقريتهم، وبعضهم ممن لا يجيدون العربية، ينتظمون خلال الصيف في دورات باللغة العربية يشرف عليها أساتذة متخصصون من مختلف أنحاء فلسطين، ويتكفل صندوق أهالي جلجليا في أميركا بنفقات هذه الدورة. وكشف محمد جاسر عن استمرار الصندوق في تمويل أي مشاريع تتعلق بتطوير البنية التحتية للقرية، وتمويل مشاريع للمجلس القروي ذات صبغة اجتماعية، وثقافية، وربما مشاريع اقتصادية داخل حدود القرية وخارجها، في رام الله وغيرها من المدن الفلسطينية.

خمسة أضعاف سكان القرية.. مغتربون!
عدد السكان في القرية، بحسب الإحصاءات الفلسطينية، لا يتجاوز 1000 شخص بسبب الهجرة إلى الولايات المتحدة والبرازيل، أما عدد سكانها في المهجر فهو قرابة 5000 شخص، ويعمل سكانها في الأعمال التجارية، ولهم استثمارات في رام الله، من بينها بنايات تجارية شهيرة، مثل: عمارة اللؤلؤة، وعمارة الصفا، والمعراج، والنعمان، وغيرها، كما يوجد في قرية جلجليا مدرسة أساسية مختلطة تدرس حتى الصف التاسع الأساسي، ثم ينتقل الطلبة إلى مدارس أخرى يتلقون التعليم فيها، بينما يخطط المجلس، وبدعم من الصندوق، لإنشاء مدرسة ثانوية خاصة في القرية.
وتقع قرية جلجليا إلى الشمال من مدينة رام الله، وبالتحديد على بعد 35 كيلو مترا، ويرجع أصل الكلمة إلى (جلجال) الكنعانية، حيث كان يعمل معظم أهالي القرية بزراعة الحبوب، والتين والعنب وأشجار الزيتون، وغيرها من الأشجار المثمرة، وزراعة الخضار والفواكه، بالإضافة إلى تربيه المواشي.
أما العائلات الموجودة في القرية الآن، فهي: قطوم، علي، أسعد، سالم، الأطرش، القعدان، ومعظم هذه العائلات جاءت زمن الدولة العثمانية، واستقرت في هذه المنطقة الزراعية، حيث تعود أصول بعض العائلات إلى منطقة حوران، بينما تعود أصول عائلة القعدان إلى بني صخر في الأردن والحجاز، حيث يشير أحد المؤرخين إلى أن جدهم كان فارسا من التبعية العثمانية استقر في تلك المنطقة قبل 200 عام، ونسله الآن منتشر في مختلف بلدان العالمين العربي والغربي، وهم أبناء محمد القعدان، ويرتبط معظم العائلات في المنطقة بعلاقات نسب ومصاهرة.

* صحافية فلسطينية مقيمة في رام الله