| 

في السياق التاريخي لظاهرة هجرة الفلسطينيين إلى بلدان أميركا اللاتينية، التي تزامنت مع موجات هجرة من لبنان وسوريا، وبدأت في معظمها منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى القارتين الأميركيتين الشمالية واللاتينية وغيرهما، برز مدى مساهمة هذه الهجرات في بناء اقتصاديات هذه الدول، ودورها في صياغة حركات التحرر الوطني والاجتماعي، وأنظمة الحكم في بلدان القارة اللاتينية، الأمر الذي يتطلب إعادة بناء وصياغة رؤية فلسطينية وعربية جديدة وموحدة اتجاه التحولات الديمقراطية في هذه الدول، لجملة أسباب أولها تعزيز مساهمة الجوالي في تطوير قدرات وإمكانيات اندماجها هذه البلدان، باعتبارها جزءا من المنظومة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فيها، وثانيها إعادة بناء وإحياء الروابط بين الجوالي الفلسطينية والعربية، وبين قضايا الشعوب العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وذلك لمواجهة الحملات الإسرائيلية المتجددة في هذه البلدان والهادفة إلى تمكين مصالح إسرائيل ووجودها، وضرب التوجهات الديمقراطية الموحدة والمشتركة لشعوب هذه البلدان، والعودة بها إلى مربع الديكتاتوريات القديمة.
لعبت عوامل موضوعية كثيرة دورا رئيسيا في إذكاء ظاهرة الهجرة عامة، وهجرة العقول العربية خاصة، في ظل سلسلة الأحداث الناجمة عن وجود الكيان الصهيوني التوسعي والعدواني، وساهم في ذلك عدم الاستقرار الداخلي في الدول العربية، أو إذكاء نار الانقسام والفتنة فيها، ودفعها باتجاه الصراعات المسلحة، وكذلك بغية قطع الطريق على أي نهضة تنموية عربية أو اتجاهات وحدوية تكاملية، وهدر الطاقات العربية، ومصادرة وقمع الحريات العامة، وفرض الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ.

الاحتلال وتدهور الأوضاع الاقتصادية
بحسب فايز السقا، منسق لجنة العلاقات الدولية مع أميركا اللاتينية في المجلس التشريعي، فإن موجات الهجرة الفلسطينية الأولى إلى أميركا اللاتينية، والتي بدأت تقريبا في منتصف القرن التاسع عشر، كانت في معظمها من مدن بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور، ومدينتي رام الله والبيرة والعديد من القرى المحيطة بهما، وبأعداد أقل من المدن الساحلية الفلسطينية. واتسم طابع هذه الموجات في البداية، بهجرة المسيحيين الفلسطينيين، وذلك طلبا للرزق، وتحسينا للأوضاع المعيشية، وهربا من المعاناة التي تزايدت في نهاية القرن التاسع عشر إبان حكم السلاطين العثمانيين، حيث كان يدفع بتجنيد الشباب المسلم والمسيحي قسرا للمشاركة في حروب البلقان. وواكبت هجرة الفلسطينيين إلى بلدان أميركا اللاتينية، هجرة موازية من لبنان وسوريا إلى هذه القارة ولنفس الأسباب تقريبا.
أشار السقا إلى أن غالبية من هاجروا في تلك الفترة كانوا من الطبقة المتوسطة، التي تعرضت مصالحها إلى الانهيار والتآكل نتيجة للظروف السياسية والاقتصادية الصعبة، وكان يغلب على الكثير منهم الطابع الحرفي. وقال: تزايدت هجرة الجوالي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وعلى وجه الخصوص مع بداية اشتعال الحرب العالمية الأولى، وخلالها، وتواصل ذلك خلال الهجمة الاستيطانية على فلسطين، وخلال وبعد نكبة عام 48، وتحديدا في سنوات الخمسينيات، حيث هاجرت أعداد كبيرة من مسيحيي مدن بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور للالتحاق بعائلاتهم في دول أميركا اللاتينية، والولايات المتحدة، واستراليا.
أضاف: في عام 1967 تصاعدت موجات الهجرة إلى بلدان أميركا اللاتينية، اثر نكسة حزيران وهزيمة إسرائيل للأنظمة العربية من دول الطوق، وذلك بفعل كثافة وشدة الإجراءات الاحتلالية للكيان الصهيوني، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وانسداد الأفق السياسي بعد الهزيمة، حيث اتخذت هجرة الفلسطينيين من مدن وبلدات بيت لحم ورام الله عدة مسارات باتجاه أميركا اللاتينية وأوروبا واستراليا والولايات المتحدة، والدول العربية، وبخاصة الأردن ودول الخليج.
وتابع: في لبنان تصاعدت الهجرة الفلسطينية بعد الحرب الأهلية في لبنان، وبعد الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982 للبنان، وتجلى ذلك بهجرة أعداد كبيرة ممن كانوا التحقوا بالثورة الفلسطينية إلى أوروبا والولايات المتحدة.
يمكن القول إن هجرة الفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين، إلى مختلف قارات العالم، شكلت حالة استنزاف، ما زالت مستمرة، وتراوحت بين المد والجزر، وذلك بسبب استمرار احتلال الأراضي الفلسطينية، وغياب الأفق السياسي والاقتصادي، والتوسع الاستيطاني، وحالة الانقسام في الساحة الفلسطينية، وتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية بما يمنع التواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية.
يرى السقا، أن «غياب خطة متكاملة واضحة الرؤية إزاء المهجر من قبل القيادات السياسية والمجتمعية الفلسطينية، تضمن التواصل والاستمرارية في العلاقة مع الوطن الأم، والتعامل موسميا مع الجوالي الفلسطينية في المهجر وفق متطلبات الأوضاع في الوطن الأم (سياسة خذ وخذ المزيد، بدون أي عطاء مقابل يذكر)، والتركيز على استغلال القدرة الاقتصادية لبعض قطاعات الجوالي دون وضع أسس حقيقة للشراكة مع هذه الجوالي، وعدم المشاركة الحقيقية في عملية البناء السياسية والاقتصادية في الوطن الأم، ساهم في إضعاف دور هذه الجوالي، الأمر الذي يتطلب وقفة مراجعة حقيقية للمرحلة السابقة، كما أن عدم توفير الحماية عبر قوانين واضحة أو ظروف مؤاتية من أجل تحفيز الاستثمار في الوطن الأم، وزج الجوالي في أتون الانقسام والخلافات والنزاعات السياسية الداخلية الوطنية والإقليمية، أضعف الجهد المشترك والموحد، وعمق غياب التوعية الواقعية بمشاكل الوطن، وفتح المجال لممارسة سياسة الإملاء، وأضعف دور الأجيال الجديدة في المهجر عن التواصل والانخراط في عملية النضال والبناء الوطني والديمقراطي. وزاد من ذلك غياب الجهد الحقيقي في نشر اللغة والثقافة العربيتين بطرق علمية وحديثة بين أبناء الجوالي، وبخاصة الأجيال الشابة».
الجوالي الفلسطينية في أميركا اللاتينية
بحسب السقا، يقدر عدد الجوالي الفلسطينية بنصف مليون فلسطيني يتوزعون على كافة بلدان أميركا اللاتينية، من المكسيك شمالا وحتى التشيلي والأرجنتين في أقصى الجنوب. ويوجد أكبر عدد من أبناء الجالية الفلسطينية في جمهورية التشيلي، حيث يتجاوز عددهم 250 ألف نسمة من مجمل عدد سكان التشيلي، وهي من أكبر الجوالي التي تكون المجتمع في التشيلي. ويليها في هذا السياق البرازيل (100 ألف نسمة)، وهندوراس (70 ألف نسمة)، فيما يبلغ عدد الجالية الفلسطينية في السلفادور ما يزيد عن 50 ألف نسمة من أصول فلسطينية. وفي الأرجنتين يبلغ العدد نحو 15 ألف نسمة، وفي البيرو 8 آلاف نسمة، والدومينكان 6 آلاف نسمة. ويقدر تعداد الجالية الفلسطينية في فنزويلا ونيكاراغوا وبنما وغواتيمالا بالآلاف في كل منها.
ومع أن معظم العائلات في مدن بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور لها امتداد بهذه الدرجة أو تلك في دول أميركا اللاتينية والولايات المتحدة واستراليا وأوروبا، إلا أن أهم عائلات بيت لحم، التي سجلت حضورا في التشيلي والسلفادور والبيرو وهندوراس والبرازيل، هي: حنضل، حزبون، السقا، بطارسة، فريج، اجحا، أبو العراج والبندك. ومن بيت جالا، هناك عائلات: الحذوة، خليلية، أبو غزالة، أبو جارور، أبو مهر، مفاتي، جراد والشاعر. ومن بيت ساحور: قمصية، غريب، فرح، مسعد، بنورة، شوملي ورشماوي.

اقتصاديات الجاليات الفلسطينية
كان البحث عن فرص عمل أفضل أهم دوافع أبناء الجيلين الأول والثاني من الجالية الفلسطينية الذين توجهوا إلى بلدان أميركا اللاتينية، وذلك من خلال العمل في مجال التجارة الصغيرة ذات الطابع الشعبي، حيث كان المهاجرون الفلسطينيون الأوائل يقومون بالتجوال في الأحياء الشعبية في المدن وقرى الريف اللاتيني. وتطور ذلك إلى مستوى مكنهم من بناء اقتصاديات متوسطة، وإرسال أبنائهم وأحفادهم للدراسة في أفضل الجامعات في هذه الدول، بل وإرسالهم أيضا للدراسة في الجامعات الأميركية والأوروبية، ما عزز من فرص اندماجهم في مجتمعات القارة اللاتينية، وتحسين وتمكين موقعهم الاقتصادي والاجتماعي، كما وفر ذلك مقدمات الولوج إلى العمل السياسي في هذه البلدان عبر الأحزاب والقوى السياسية، وفي مجمل الطيف السياسي الحاكم أو المعارض، بما فيه المسلح منها.
في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تمكنت شخصيات فلسطينية من بناء اقتصاديات قوية ورئيسية في هذه البلدان، وبخاصة في التشيلي وهندوراس والبرازيل والسلفادور والبيرو وكولومبيا، وتطور ذلك إلى إنشاء المصانع والشركات الكبرى في مجال الغزل والنسيج والبنوك، ودخول عالم المال والأعمال والصحافة والإعلام والسياحة والمنتجات الزراعية والتجارة الدولية. ويعتبر بنك «اوسورنو» في التشيلي، من أهم بنوك أميركا اللاتينية كنموذج لعالم المال والأعمال، وقد ساهم بشرائه عدد من رجال الأعمال من الجالية الفلسطينية.
وامتدت اقتصاديات الجوالي الفلسطينية في بلدان القارة اللاتينية إلى الاستثمار في ثروات المواد الخام، مثل الذهب والنحاس والأحجار الكريمة والأخشاب، وتحولت هذه الاقتصاديات إلى رأسمال له دور رئيسي فاعل ومؤثر في رسم السياسات الاقتصادية وصنع القرار السياسي في هذه البلدان، ولاسيما من حيث تبني مواقف داعمة لمنظمة التحرير وحقوق الشعب الفلسطيني.
اليوم يمكن الحديث عن عشرات من أصحاب المليارات من أبناء الجالية الفلسطينية الذين يتركز وجودهم في التشيلي والسلفادور والبيرو وهندوراس والبرازيل.

بناء المؤسسات والحفاظ على الثقافة والهوية
بدأت هذه الجوالي ببناء مؤسسات ونواد فلسطينية في سنوات الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وكان أقدمها النادي الفلسطيني في سنتياغو عاصمة التشيلي، الذي استطاع أن يشكل فريق كرة قدم وصل إلى الدرجة الممتازة، وحصل على بطولة التشيلي عدة مرات، كما توجد نواد فلسطينية في معظم بلدان أميركا اللاتينية. وساهمت الجوالي الفلسطينية في بناء المؤسسات والأندية الثقافية الاجتماعية العربية، والتي استهدفت تعزيز الروابط بين الجوالي الفلسطينية والعربية، والحفاظ على الثقافة واللغة والتراث والهوية، كما ساهمت في تقديم صورة مميزة لهذه الجوالي في المجتمعات التي يعيشون بها.
سعت الجوالي الفلسطينية إلى تعزيز ترابطها مع منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة برنامج المنظمة، وذلك في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، حيث تم تشكيل العديد من مؤسسات الجالية ذات العلاقة المباشرة مع المنظمة، عبر انتخابات ديمقراطية شاركت فيها مختلف الأطياف السياسية الفلسطينية، إلى جانب مشاركة الجوالي الفلسطينية تاريخيا في نضالات عدد من شعوب أميركا اللاتينية من أجل التحرر والديمقراطية، وبخاصة في كوبا والبرازيل ونيكاراغوا والتشيلي والسلفادور.
كما تم إنشاء مؤسسة «الكوبلاك» التي ربطت بين المؤسسات الفلسطينية في بلدان أميركا اللاتينية والكاريبي، وقامت هذه المؤسسات بانتخاب ممثلين عنها لعضوية المجلس الوطني الفلسطيني، ومختلف مؤسسات منظمة التحرير، حيث شارك هؤلاء في اجتماعات الهيئات والمؤتمرات التي كانت تعقد في أميركا اللاتينية وفي الوطن، وفي توفير الدعم لمنظمة التحرير الفلسطينية في الظروف العصيبة.
يمكن الحديث عن تواصل مستمر مع هذه الجوالي من قبل المنظمة وفصائلها الوطنية، التي وفرت العديد من برامج تدريس اللغة العربية، والتدريب على الفن الشعبي الفلسطيني.

دور متقدم في الأحزاب والحكومات والبرلمانات
في هذه الدول، حصلت العديد من الشخصيات الفلسطينية في إطار اندماجها في حياة المجتمعات اللاتينية على مواقع سياسية قيادية متقدمة في برلمانات هذه الدول، وفي أحزابها وحكوماتها ومؤسساتها، كما حصلت على وظائف رسمية وغير رسمية، وفي الجامعات، وفي عالم المال والثقافة والفن.
وخير مثال على ذلك التنافس بين المناضل الأممي الراحل شفيق حنضل، الأمين العام للحزب الشيوعي السلفادوري، ورئيس جبهة فرابوندو مارتي كحركة تحرر وطني، ورجل الأعمال البارز انطونيو السقا، في انتخابات رئاسة جمهورية السلفادور، حيث فاز الأخير بمنصب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات، فيما انتخب الفلسطيني المعروف موسى حسن كأول رئيس بلدية لماناغوا عاصمة نيكاراجوا في عهد الجبهة الساندينية، وعين ماريو قنواتي في وقت سابق وزيرا للخارجية في حكومة هندوراس.
وفي التشيلي، حصل 12 فلسطينيا على عضوية البرلمان من بين 120 برلمانيا، ومن بين 38 سيناتورا في التشيلي هناك 5 من أصل فلسطيني. وفي المكسيك، حصل 3 فلسطينيين على عضوية البرلمان، ما يعكس قوة سياسية واقتصادية واجتماعية، ومدى اندماج الجوالي الفلسطينية في حياة هذه المجتمعات.

رؤية جديدة للتواصل مع الشباب المغترب
من جانبه، قال المهندس أنطوني حبش، المدير الإقليمي لمؤسسة الأراضي المقدسة المسيحية المسكونية في فلسطين، إن مشروع «اعرف تراثك» الذي أطلقته المؤسسة في أوساط الشباب الفلسطيني المغترب في نسخته الثانية، تضمن هذا العام افتتاح أعمال مؤتمر الشباب المغترب في بيت لحم تحت شعار «كلنا أمة واحدة .. كلنا فلسطينيون أينما كنا ومهما ابتعدنا»، وذلك بهدف تعزيز التواصل بين الشباب الفلسطيني المغترب في بلدان العالم المختلفة، وذلك بحضور العديد من الشخصيات والفعاليات السياسية والأهلية والرسمية. واعتبر هذا المشروع «جزءا من الرؤية الجديدة للأجيال الفلسطينية الشابة، أبناء الجوالي الفلسطينية في مختلف القارات، ويمثل عهدا جديدا من أجل جمع شباب فلسطين في لقاء دوري رغم التحديات والمسافات».
وأضاف حبش: نريد أن نعمل مع أبناء الجوالي الفلسطينية في الخارج والكنائس وكافة المؤسسات الفاعلة في العالم لتعريفهم بالقضية الفلسطينية وخلق تواصل بين الشباب المغترب، وتوحيد رؤيتهم الثقافية المشتركة للمساهمة في بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية المستقلة، وهذا هدف برنامج «اعرف تراثك» لتكون هناك بوابة للشباب المغترب من أجل الوصول إلى بلدهم والتعرف عليها والارتباط بها.
وقال: إن نشأة الجوالي الفلسطينية في أوروبا بدأت بشكل ملحوظ مع وجود الطلبة الفلسطينيين في بلدان أوروبا الغربية، وتحول جزء كبير من هؤلاء الطلبة إلى جاليات جراء عدم تمكنهم من العودة إلى فلسطين، نتيجة منع الاحتلال لهم، وصعوبة عودة الكثيرين منهم إلى مخيمات لبنان ومناطق التجمعات الفلسطينية في الدول العربية. وتبلورت هذه الأعداد في جاليات فلسطينية متزايدة في بلدان مثل بريطانيا، فرنسا، اسبانيا، ايطاليا، اليونان، ألمانيا، يوغوسلافيا سابقا، ودول أوروبا الشرقية، بدءا من روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقا، وبلغاريا، وغيرها، وكذلك الدول الاسكندنافية.
ونوه إلى أن أعداد هذه الجوالي تزايدت في سياق موجات أثناء وبعد الحرب اللبنانية، وكذلك نتيجة ازدياد ضغط الاحتلال على سكان الأراضي الفلسطينية، حيث وصل عدد الجالية الفلسطينية في كل من ألمانيا والدول الاسكندنافية إلى عشرات الألوف.
وكان الرعيل الأول لهذه الجوالي، من خريجي الجامعات والبرجوازية الصغيرة من أطباء ومهندسين وخريجي جامعات وأكاديميين، ثم تواصلت هجرة الفلسطينيين عبر الموجة الثانية بعد اتساع نطاق الحرب الأهلية في لبنان عام 1976. أما الموجة الثالثة، فكان طابعها حرفي وعمالي، ومن الفئات الأكثر تضررا في لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة.
وعبرت هذه الجوالي عن وجودها دورها، بإقامة فيدرالية للجوالي الفلسطينية في أوروبا، وكان للاتحاد العام لطلبة فلسطين تأثير تاريخي في صياغة برامجها ودورها، وفي التشبيك مع المؤسسات والمنظمات الدولية، وإقامة العلاقات الوطنية التحررية والديمقراطية مع الأحزاب في هذه البلدان.

أنماط جديدة للسياحة في فلسطين
بدورها، تسعى وزارة السياحة والآثار الفلسطينية على التواصل مع الجوالي الفلسطينية في عدد من البلدان، إذ تقوم الوزارة بتنظيم حملات ترويجية لها أو المشاركة في معارض سياحية، حيث تقوم الجالية ومن خلال التعاون مع السفارات الفلسطينية في عدة بلدان، بالمساعدة في إنجاح هذه الحملات التي تهدف إلى تنشيط وتفعيل السياحة الوافدة إلى فلسطين.
وفي إطار تفعيل وتطوير أنماط جديدة للسياحة في فلسطين، إضافة إلى السياحة الدينية، فقد عملت الوزارة من خلال تفعيل شبكة مؤسسات السياحة الرديفة التي أخذت على عاتقها تطوير وتسويق برامج سياحية وفعاليات تهدف إلى التواصل واستقطاب أبناء الجوالي الفلسطينية في الخارج لزيارة فلسطين، عن طريق تنظيم رحلات سياحية تركز على التعريف بالقضية الفلسطينية والتراث الفلسطيني وربط هؤلاء المشاركين بجذورهم.
كما سبق أن نظمت الوزارة عدة لقاءات واجتماعات مع ممثلي الجالية الفلسطينية في العديد من البلدان، حيث تم وضعهم في صورة التطورات على الصعيد السياحي، والبحث في سبل وإمكانات التعاون والتواصل في سبيل المساهمة في عملية الترويج السياحي، ونقل صورة جميلة عن فلسطين، وذلك بهدف تنظيم رحلات وزيارات وجولات سياحية لأبناء الجالية الفلسطينية في الخارج إلى فلسطين.
وتقوم وزارة السياحة والآثار بتزويد الجوالي الفلسطينية أحيانا، بعدد من المطبوعات والملصقات والكتيبات والمواد الإعلامية التي تنتجها للترويج السياحي بعدة لغات، وذك لاستخدامها في الفعاليات والناشطة التي تنظمها هذه الجوالي.
وكانت الهجرة إلى أميركا الشمالية بدأت في أوائل القرن العشرين وتزايدت بشكل واضح بعد النكبة، وبعد حرب حزيران، وغلب عليها طابع الهجرة من أجل الدراسة، وفي استراليا وكندا بدأت في أواسط القرن العشرين ومعظمها طلبا للرزق.
وبلغت هذه الهجرة ذروتها في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين (حقبة الاستعمار القديم للمنطقة العربية) وتزايدت في خط تصاعدي واضح بعد زرع إسرائيل في قلب الوطن العربي على اثر الحرب العالمية الثانية، ثم ازدادت مجددا بعد هزيمة حزيران عام 1967، وفقدان الأمل بفعل إحكام إسرائيل سيطرتها على عموم الوطن الفلسطيني وأجزاء من دول الطوق العربية المحيطة بها، والهزيمة النكراء التي منيت بها الأنظمة السياسية الحاكمة حينها.

* صحافي فلسطيني مقيم في بيت لحم