| 

ليس ثمة معطيات دقيقة عن ثروات الفلسطينيين في الشتات، غير أن التقديرات تشير إلى أنها بعشرات مليارات الدولارات التي لم يستثمر منها غير القليل جدا في داخل الأراضي الفلسطينية. ولكن الصورة ليست سوداوية تماما، إذ ثمة العديد من الفلسطينيين الذين أنهوا استثماراتهم في الشتات وعادوا إلى الأراضي الفلسطينية، ونجحوا في إقامة استثمارات باتت تدر أرباحا يقول بعضهم أنها تفوق ما كانوا يجنونه في الخارج برغم المعوقات التي تتسبب بها إجراءات الاحتلال الإسرائيلي.
«يجب أن ننهي ثقافة الشحدة»، قال رجل الأعمال المقدسي أسامة صلاح، وهو واحد من رجال الأعمال الذين جنوا ثروة في الشتات وعادوا لاستثمارها في فلسطين. و«أقصد بثقافة الشحدة هي الاعتماد على بعض المساعدات التي يرسلها أثرياء فلسطينيون يقيمون في الشتات إلى أهلهم في فلسطين بغرض إقامة مراكز أو عيادات وغيرها من المرافق الاجتماعية والثقافية، فالمطلوب هو استغلال هذه الأموال التي جمعت في الخارج في إقامة مشاريع إنتاجية في فلسطين يكون من شأنها تشغيل الشباب ومساعدتهم على الصمود على الأرض»، أضاف صلاح في فندق له في شارع الزهراء في قلب القدس الشرقية.
صلاح كان في بداية شبابه عندما غادر القدس إلى الأردن، لظروف قاهرة، في نهاية السبعينيات، وخلال فترة وجيزة نجح في إقامة شبكة من محال التسويق كان أهمها «هاي واي سوبر ماركت» لوجوده على الطريق السريع بين عمان وصويلح، ولكنه اضطر بعد 4 سنوات لتصفية أعماله في الأردن والانتقال إلى الولايات المتحدة الأميركية.
يصر صلاح على أنه حقق نجاحا كبيرا في مدينة هيوستن في ولاية تكساس الأميركية، حيث أقام شبكة محال لتأجير أشرطة الفيديو، وقال: أقمت شبكة من 8 محال، وعملت لمدة 12 عاما إلى أن سنحت لي الفرصة بالعودة إلى فلسطين، فقمت بتصفية أعمالي في الولايات المتحدة وعدت إلى القدس».
الأموال التي جمعها صلاح في الولايات المتحدة استخدمها في إقامة محل للصرافة في شارع صلاح الدين في قلب مدينة القدس، إلى جانب إقامة عدد من المشاريع العقارية.
كان ذلك في العام 1994، وبعد أن حقق نجاحا واضحا في إقامة مشاريع الإسكان، فضلا عن عمل الصرافة الذي توسع إلى 3 محال في القدس، فقد كان بإمكانه في العام 2006 أن يحقق انطلاقة كبرى بعد تمكنه من تملك الفندق الوطني، وهو من الفنادق الأكثر شعبية في القدس الشرقية.
«كثيرون كانوا يخشون الاستثمار في القدس والحجج بالنسبة لهم جاهزة، منها أن القدس تحت الاحتلال، وأن العراقيل التي يضعها الاحتلال يصعب تجاوزها، ولكن بكل صدق فإن العمل في قطاع العقارات في القدس شكل نقلة نوعية في حياتي العملية»، قال صلاح.
وبإشارته إلى أن الاستثمار في قطاع العقارات يحقق أرباحا تصل إلى ما بين 300 - 400%، أردف صلاح متسائلا: في أي مكان في العالم يمكنك أن تحقق مثل هذا العائد؟! إن الاستثمار في القدس وفي فلسطين مجد ومربح، ولكن للأسف فإن الأثرياء ورجال الأعمال الفلسطينيين في الشتات لا يلتفتون إلى هذه الحقيقة التي تمكنا من تحقيقها في قصص نجاح مبهرة.
صلاح اشترى الفندق الوطني بمبلغ 22 مليون دولار، ويقول إنه معروض عليه اليوم أن يبيع الفندق بمبلغ 50 مليون دولار ولكنه يرفض.

استثمار .. وصمود
قال: صحيح أن هناك ضغوط ومنغصات الاحتلال، ولكن أيضا هناك أرباح، مضيفا: الاستثمار هنا مفيد وطنيا، فأنت من خلاله تساعد في خلق فرص عمل، ما يساهم في تثبيت الفلسطيني على أرضه، ومن ناحية أخرى فإن العائد المالي كبير.
تلك هي تحديدا الرسالة التي حاول صلاح أن ينقلها إلى رجال أعمال عرب التقاهم في الأردن وقطر والإمارات العربية المتحدة.
لكنه قال: في كل مرة كنت أحاول تسويق موقفي هذا فإن الجواب الذي كنت أسمعه هو أن علي أولا أن أقنع أثرياء فلسطينيين من الشتات بالقدوم إلى فلسطين للاستثمار، ومن ثم فإن العرب سيأتون، وتابع: من هنا أقول للفلسطينيين في الشتات لقد بنينا الكثير من الدول في العالم، وهناك أثرياء فلسطينيون معروفون في العالم يمكنهم أن يساهموا في بناء هذا الوطن.
واستطرد صلاح: أقول لهم، لا نريد مساعدات ولا تبرعات مع أنها ضرورية في الكثير من الأحيان، ولكن تعالوا واستثمروا في القدس وفلسطين، وإن لم تتمكنوا من أن تأتوا بأجسادكم فإن هناك شفافية ومصداقية لدى الكثير من رجال الأعمال الذين يمكن الاستثمار من خلالهم، وعليكم أن تتأكدوا أنهم سيحققوا أرباحا إن لم تكن توازي الأماكن حيث يستثمرون فيها الآن فإنها ستكون أكثر ربحا.
وتساءل: الكثير من الأثرياء اليهود في العالم يستثمرون أموالا لهم في الداخل الفلسطيني، أو يشترون عقارات، فلماذا لا يفعل الفلسطينيون في الشتات الأمر ذاته؟!

السلطة والاعتماد المتزايد على المساعدات
على مدى السنوات الماضية منذ تأسيسها، اعتمدت السلطة الفلسطينية إلى حد كبير على المساعدات الخارجية، ولكن في ظل الحديث المتكرر عن الأزمة المالية التي تمر بها السلطة بسبب شح المساعدات الخارجية، فإن الخبراء يتحدثون الآن عن الحاجة إلى الاستثمار في القطاعات الإنتاجية.
وفي هذا الصدد، قال البنك الدولي: لقد أضحت السلطة الفلسطينية، بصورة متزايدة، تعتمد على المساعدات التي يقدّمها لها المانحون لتمويل عملياتها الأساسية. وهذا الاعتماد لا يتركها مستضعفةً أمام حدوث تخفيضات في المساعدات فحسب، بل إنّه يعني أيضاً أنّ السلطة الفلسطينية تمتلك مواردَ قليلة تستطيع تكريسها للقضايا التنموية طويلة الأجل.
وفي إشارة إلى أهمية استثمارات القطاع الخاص، قال البنك الدولي في تقرير حديث: الاقتصاد في الضفة الغربية وقطاع غزة صغيرٌ ومفتوح. ولذلك، فإنّ تطوّره مستقبلاً سوف يعتمد على زيادة حجم التجارة، وبخاصة في مجال تصدير منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.
وفي ضوء الأزمة التي تعانيها السلطة، يدرك الرئيس محمود عباس أهمية دور القطاع الخاص، وقال إنه يطمح لأن يكون الاقتصاد الفلسطيني إنتاجيا وليس استهلاكيا كما هو عليه الآن، مشددا في هذا السياق على الحاجة ليس فقط إلى جلب المستثمرين من الخارج، وإنما تحفيز المستثمرين الفلسطينيين على الاستثمار من خلال إقامة مصانع، وأضاف في حديث صحافي مؤخرا «أريد رؤية مصانع على الأرض.. هذا ما أركز عليه في المرحلة الحالية».
وفي هذا الصدد، فقد أشار عباس إلى أن ثمة العديد من المحفزات للمستثمرين من اجل الاستثمار في فلسطين، من بينها اتفاقيات التجارة مع الدول العربية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرها من التكتلات الاقتصادية العالمية، فضلا عن وجود عدد من صناديق ضمان الاستثمار من المخاطر السياسية.
وقال: نريد جلب مستثمرين من الخارج، ولكن في نفس الوقت فإننا نريد تحفيز المستثمرين في الداخل على الاستثمار، فنحن في بلد إذا لم تنشط فيه الصناعة فإننا سنبقى نعتمد على المساعدات الخارجية.
وتابع: إن عدم تنشيط الصناعات سيجعلنا نعتمد دائما على المساعدات، ولكن تصور لو أقيمت المصانع، فأولا المصنع يعمل بشكل دائم ويشغل العشرات وربما المئات وربما الآلاف من الأشخاص إن كان من خلال العمل المباشر أو ما يتعلق بتوفير احتياجات المصنع وتسويق إنتاجه، وبالتالي فإن الدورة الاقتصادية تعمل، وهذا هو بالضبط ما نريده.
المصري: لم آت إلى فلسطين لأنني مغرم بجمع الأموال
التجربة التي مر بها صلاح، مر بها تقريبا رجل الأعمال الفلسطيني البارز بشار المصري، الذي قال: ولدت في نابلس وترعرعت فيها، ولكن لظروف لها علاقة بالاحتلال فقد خرجت وأنهيت دراستي الثانوية في القاهرة، ومن ثم درست في الولايات المتحدة، وقد خسرت الهوية الفلسطينية حتى اليوم، رغم أنني مولود في نابلس قبل العام 1967.. وحتى 1988 لم يكن بإمكاني العودة إلى فلسطين حتى كزائر، ولكن بعد ذلك التاريخ حصلت على الجنسية الأميركية وتمكنت من العودة كزائر، وفي العام 1991 منعت من الزيارة حتى تم إبرام اتفاق أوسلو في أيلول 1993، ومنذ ذلك التاريخ وبعد السماح لي بالدخول قررت العودة والاستثمار في فلسطين.
وأضاف المصري: قررت العودة والاستثمار لأن سنوات الاحتلال الطويلة أدت إلى تراجع الاقتصاد الفلسطيني، حيث كان من الصعب جدا إقامة استثمارات كبيرة تحت الاحتلال، وكما هو معروف فقد كانت الهجرة كبيرة، وما زالت، بسبب عدم توفر فرص العمل، وبالتالي فقد وجدت في الخبرة التي اكتسبتها بعد دراستي الهندسة الكيماوية، ولاحقا من خلال عملي في بريطانيا والسعودية والولايات المتحدة، أن لدي خبرات غير موجودة عند الكثير من الناس بحكم الفرص التي توفرت لي.
وتابع: عدت إلى فلسطين في محاولة لاستخدام هذه الخبرات، ومن خلال معرفتي بالبلد أسست شركة «مسار» لربط القطاع الخاص الفلسطيني مع القطاع الخاص العالمي، وأنا على قناعة انه إذا ما كانت الدولة الفلسطينية، التي أنا على قناعة من أنها ستقوم، فقيرة وتعتمد على دول أجنبية، فمن الأفضل أن لا تقوم، لأن الاعتماد على المنح والمساعدات هو نوع من أنواع الاستعمار، وبالتالي ننتقل من استعمار عسكري إلى احتلال مادي، ونعرف أن هناك دولا أغرقت بالديون، وهذا كان نوعا من أنواع الاستعمار.
وقال المصري: لذلك، أحببت أن أطور عملي في إطار الاقتصاد الفلسطيني، ولم آتي إلى فلسطين لأنني مغرم بجمع الأموال.. بدون شك أريد أن أحقق أرباحا، فلا يمكن أن تكون من القطاع الخاص ولا تفكر بجني المال، ولكن جئت من دولة مجال الربح والعمل فيها أسهل وأوضح، وكنت الحمد الله ناجحا إلى حد ما، وقد جئت إلى بلد المجازفة فيه عالية جدا، لأنني أردت أن أحاول بطريقتي أن أحسن الاقتصاد الفلسطيني وأن أخدم فلسطين وأسعد ما في حياتي اليوم أنني أشغل 2000 موظف. وبالنسبة لي، فسواء أكانت شركاتي تربح أم تخسر فاعتبر أن هذا انجاز، وأطمح لأن أشغل 10 آلاف موظف لأنني اعتبر أنني أوفر فرصا لفلسطينيين لم تتوفر لديهم سابقا، والدنيا فرص، فما توفر لي لم يتوفر لغيري وهكذا..
وخلافا لصلاح الذين لم ينجح بجلب مستثمرين من الخارج، فإن المصري يركز على تنفيذ مشاريع بمشاركة مستثمرين فلسطينيين وعرب من الخارج.
أضف إلى ذلك، نجح المصري في إقامة أول صندوق استثماري بتاريخ فلسطين بقيمة 90 مليون دولار بتمويل من مستثمرين فلسطينيين وعرب، وتحديدا من أبو ظبي وقطر، ومستثمرين أجانب أغلبهم من الولايات المتحدة، وبعضهم من بريطانيا، وقال: كانت هذه خطوة جديدة، وأنا أقول أن أي شخص يستثمر في فلسطين مهما كانت جنسيته يخدم فلسطين ولمصلحة فلسطين ويجب أن نرحب به ونحاول أن نسهل الأمور له.

* صحافي فلسطيني مقيم في القدس