| 

ولدت ليلى عسيران في العام 1934، لأبوين لبنانيين. وقد بدأ وعيها القومي يتجلى مع انتقالها إلى الجامعة الأميركية، التي حازت فيها البكالوريوس في العلوم السياسية العام 1954. وفي أجواء الجامعة برز اهتمامها بالقضايا الوطنية والقومية، ولا سيما قضية فلسطين. وفي سياق تطلعها إلى التعبير عن التزامها عملت في الصحافة اللبنانية، في الوقت الذي كانت تشارك في التظاهرات الطالبية الغاضبة التي شهدتها بيروت ضد حلف بغداد في سنة 1955.
انتسبت إلى حزب البعث العربي الاشتراكي بعد أن التقت ميشال عفلق الذي تمكن من ان يعبر بأفكاره عن تطلعاتها القومية. وعلى الرغم من خروجها من الحزب بعد سنوات، إلا انها لم تتخل عن فكرها القومي والتحرري. وهذا ما جعلها في السنوات اللاحقة تنخرط في النضال الفلسطيني بقوة.
في العام 1958، تزوجت الدكتور أمين الحافظ، أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية، ونائب طرابلس في ما بعد، ثم رئيس وزراء لبنان (1973)، ورزقا ابناً أسمياه رمزي. ولكن زواجها وأمومتها لم يثنياها عن قضية فلسطين، ووجدت ان التزامها القضية لا يقل أهمية عن التزامها العائلة.
حلت هزيمة الخامس من حزيران 1967، لتطال الأرض العربية وإنسانها بأبعاده النفسية والثورية والفكرية، فكانت الصدمة العميقة والمؤلمة. ولا سيما مع وصول الدبابات الإسرائيلية إلى المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في القدس. وكان هذا أكبر ذل شعرت به وأدى إلى إصابتها بنوع من «الجنون» وإلى جعل القضية الفلسطينية هاجسها الأول، ودفعتها عذابات اللاجئين الفلسطينيين وتشرّدهم، إلى الثورة لكرامات هؤلاء الفلسطينيين. فتوجّهت إلى مخيمات اللاجئين في الأردن، وعاشت معهم بعض معاناتهم، كما تعرفت إلى مصابي قنابل «النابالم» الحارقة التي استخدمها العدو الصهيوني ضد الفلسطينيين. ثم عادت إلى بيروت ووضعت انطباعاتها في «كتيب»، أشرف على نشره الأديب الفلسطيني غسان كنفاني، ثم طبعته «دار الصياد» ووزع مع جريدة «الأنوار» اللبنانية.
في خضم تصاعد المقاومة الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني عقب هزيمة 1967، وجدت ليلى عسيران، انه لا يكفي تأييد العمل الفدائي او إظهار الإعجاب به، انما لا بد ـ بالنسبة إليها ـ من الوصول إلى أولئك الفدائيين، للتعرف إلى مبادئهم ودوافعهم، ولا سيما بعد انتصارهم في معركة الكرامة سنة 1968، فقامت بزيارات متعددة إلى قواعد «فتح» في أغوار الأردن، وعاشت مع أشبال فتح في خيامهم، وقاسمتهم طعامهم، وشاهدت عمليات التدريب اليومية على السلاح وفنون القتال وشاركتهم التدريب على السلاح، وتحدثت إلى الفدائيين. وحاولت نقل صورة واقعية عن هؤلاء الأشبال بعد عودتها إلى بيروت، فكتبت عن تلك التجربة ونشرت ذلك في الملحق الأسبوعي لصحيفة الأنوار.
كتبت ليلى عسيران عن الأشبال، جيل الغضب والثورة، او «الجيل الذي سوف يصل إلى البحر». وخلال إقامتها بين الفدائيين، تذكرت ابنها الوحيد رمزي، وتمنت لو انه فلسطيني كأحد الأشبال: «إن ابني مثل غيره من بعض أطفال العرب، يلعب لعبة الفدائيين، بينما هم يمارسون الثورة، ويطالبون بالتدريب على السلاح». وخرجت من هذه التجربة ببعض الاستنتاجات الإنسانية العميقة، كان أهمها أنها رأت بأم عينها ثورة الذين سيصنعون المستقبل، واستشعرت بأحاسيسها إلى أي مدى يستطيع شعب فلسطين أن يتحمّل ويتجدّد. ورأت كيف «ان أعجوبة السلاح تخلق إنساناً بعد أن كان كومة مرمية في شوارع المخيمات» (أنظر: ليلى عسيران، «ليلى عسيران تكتب عن أشبال فتح»، ملحق الأنوار، 13/10/1968). وبذلك، أسهمت ليلى عسيران ـ وفق طريقتها الخاصة ـ بتقديم صورة واقعية عن الفدائيين الفلسطينيين في وقت كان العمل الفدائي ما يزال يتسم بالسرية ويلفه الغموض. كما أسهمت في دعم العمل الفدائي فكرياً ومعنوياً.
لكن، ما لم تستطع أن تفصح عنه آنذاك هو لقاؤها قائد الثورة ياسر عرفات في معسكرات التدريب في أغوار الأردن، وقد أهداها «الكوفية»، واعتبرها واحدة من الفدائيين. وكثيراً ما سئلت بعد عودتها إلى بيروت هل قابلت أبو عمار، فكانت تنفي ذلك، حفاظاً على تفصيلات كثيرة كانت ما تزال حينذاك في إطار السرية.
إن تجربة ليلى عسيران في أغوار الأردن، على أهميتها، قادتها إلى إصدار أول رواية لها عن الفدائيين وكانت بعنوان عصافير الفجر (1968). وتصور الرواية أجواء الفدائيين التي عاشتها في أغوار الأردن، وروت أحداثاً حقيقية جرت لهم. فأبطال الرواية ثلاثة فدائيين قرروا تخطي همومهم الذاتية كي يكرّسوا أنفسهم للنضال من أجل قضيتهم، فجاءت هذه الرواية شكلاً من أشكال النضال الذي رسمته عسيران لنفسها، فساهمت في تطوير «الأدب المقاوم»، وأضفت بعداً إنسانياً راقياً على العمل الفدائي.
في أثناء الصدامات المسلحة والعنيفة بين السلطات الأردنية والمقاومة الفلسطينية في سنة 1970، كانت لها طريقتها في التعبير عن موقفها الرافض والمتألم. فبعد أن وجدت أن الإعلام لا يُنصف الفدائيين في الأردن، ذهبت إليهم وعاشت معهم في مراكزهم في عمان وبعض المدن الأردنية الاخرى رغم خطر المعارك المسلحة التي كانت دائرة، وحاولت ان تنقل إلى بيروت والعالم، الصورة الحقيقية لواقع الفدائيين وموقفهم هناك. وقد التقت عدداً من القيادات الفدائية، وفي مقدمتهم ياسر عرفات.
عند عودتها إلى بيروت، بدأت ليلى عسيران تكتب، وسجلت «ذلك العشق النادر للفدائيين» في قالب روائي، فكانت رواية خط الأفعى، التي استوحت الاسم من تعرجات نهر الأردن، وهي الثانية عن الفدائيين الفلسطينيين. وأهدت روايتها إلى «الفدائيين، إخواني حتى... نلتقي على الأرض» (أنظر: ليلى عسيران، خط الأفعى، بيروت: دار الفتح للطباعة والنشر، 1972).
أما حرب تشرين الأول 1973، ملأتها أملاً، ودفعتها إلى زيارة الجبهة المصرية لتشاهد هذا الحدث وتكتب عنها بشغف، كما دفعتها لمواصلة زياراتها قواعد الفدائيين التي لم تنقطع. وفي احدى هذه الزيارات في الجولان مع وفد من الشبان الطرابلسيين، اندلع اشتباك بين القوات السورية والعدو، ووجد المسؤول السياسي لحركة «فتح» ان من واجبه ألا يعرض الشبان للخطر، فقال لهم: «إذهبوا انتم، اما الأخت ليلى فاتركوها هنا، فهي فدائية مثلنا». هكذا اعتبرها الفدائيون، أما هي، فاكتشفت أنهم جعلوا منها «جذوة مشتعلة بالكتابة وبالنضال وبالتفاؤل. هم ابني، هم مستقبلي، هم عراقة نضال أمتي العربية، وهم حبي... لأنهم دقات قلبي التي لا تستريح إلا عندما تسمع صوت القتال...» (أنظر: «ليلى عسيران تكتب من القاهرة»، الصياد، 18ـ25/4/1974).
دمرت الحرب اللبنانية منزلها وأحرقت أوراقها الخاصة، ويكفيها انها زودت المكتبة العربية بكنز لا يقدر بثمن، وهو كتاباتها التي لن تشيخ، والتي أصبحت سجلاً تاريخياً وإنسانياً للهم العربي التحرري، والمقاومة الفلسطينية، والتي أظهرت القيمة الأدبية التي تمتعت بها صاحبتها.
وتُعدّ اعتبار الأديبة الفدائية ليلى عسيران مثالاً للبنانيين الذين ساندوا إخوانهم الفلسطينيين في قضيتهم المحقة، ومثالاً للسيدات اللبنانيات اللواتي رفضن التعامل مع القضية الفلسطينية انطلاقاً من أنوثتهن، بل انطلاقاً من وطنيتهن.