| 

وصلت إلى حيفا مع والدي وأعمامي في مطلع الأربعينيات من القرن العشرين. وكانوا منهمكين بأعمالهم التجارية. أما أنا فكنت طفلاً صغيراً يهوى الركوب بالسيارة والتنقل بين المدن والقرى للتعرف إليها بحشرية عجيبة. وكنا انتقلنا من دمشق إلى حيفا من طريق الأردن. وكنا لا نزال تحت الإنتداب الفرنسي. وصلنا إلى حيفا حين كانت ضواحي دمشق تشهد معارك كبيرة بين الفرنسيين الذين احتلوا دمشق وهم تحت أمرة الألمان (الفيشيين) وبين الفرنسيين الأحرار بقيادة الجنرال دوغول. وصلنا حيفا لننعم بالهدوء، وإذ بالطائرات الألمانية تقصف ميناء حيفا، فأخذنا نركض في الشوارع لا نعرف أين نذهب. فقال والدي ما دمتم في حيفا فلنتعرف إلى بيت جدك وننام هناك.
لم نكن ندري اهتمام والدي بزيارة بيت أبيه إلى أن فاجأنا بقوله: عندما حكم الفرنسيون بالإعدام على الدكتور عبد الرحمن الشهبندر تطوع جدي لتهريبه إلى حيفا بعد أن تخاويا (لمن لا يعرف هذه العادة، فهي أن يجرح كل واحد كفه فيختلط دمهما فيصبحا إخوة). ومن حيفا غادر الشهبندر إلى مصر، ثم عاد إلى دمشق عام 1938 بعد ان صدر العفو عليه، فأقيم له احتفال كبير في بيتنا وكان خطباء الحفل الشاعر عمر أبو ريشة والدكتور منير العجلاني ثم كلمة العائلة.
عزم كشاف سوريا على القيام برحلة إلى مصر بواسطة السكة الحديد من طريق حيفا، وكانت خبرتي بالمدينة جيدة قياساً على رفاقي، فكنت أعرفها وهم يتعرفون إليها للمرة الأولى. وبعد زيارة بعض شوارعها، كسوق الشوام، وشارع الملك جورج، صعدنا إلى جبل الكرمل الذي يحمي حيفا، ومنها يمكن التعرف إلى المدينة بشكل أوضح وكنت على تواصل مع بطل المقاومة رشيد الحاج ابراهيم في حيفا من خلال أهلي وأصدقائهم. ووصلنا إلى مسبح «هادار هاكرمل» وقد رأينا اختلاط السابحين والسابحات، وكنا لم نتعرف على ذلك من قبل، فما كان من أحدهم، وقد سمعنا نتكلم العربية، إلا أن أمرنا بالإبتعاد بكل فظاظة، فهاجمناهم بشكل عنيف أخافهم. فكان هذا أول احتكاك لنا مع اليهود.
وصلنا إلى الحدود المصرية بعد أن اجتزنا قطاع غزة وسيناء، وحططنا الرحال في القاهرة. وكان استقبال الأخوة الكشافة المصريين لنا حافلاً بالمودة.
ونمنا ليلتنا الأولى ثم ذهبنا في اليوم التالي في جولة حرة، ولما وصلنا أمام سينما «مترو» ودخلت مجموعة منا السينما وأنا واحد منهم، وكانوا قبل عرض الفيلم يعرضون بعض الأحداث العالمية. وكانت المفاجأة كالتالي:
كان العرض الأول هو دخول الجيش الفرنسي الحر بقيادة الجنرال دوغول إلى باريس لتحريرها من المحتلين، فانتفض الحاضرون يحيون الجنرال دوغول وفرنسا باللغة الفرنسية: VIVE DE GAULE – VIVE LA FRANCE.
وكنا قد خرجنا من دمشق بعد العدوان الفرنسي على سوريا، وقيام الفرنسيين بذبح حماة المجلس النيابي من رجال الأمن عن بكرة أبيهم، وكنت ورفاقي آنذاك من الكشافة الذين راحوا ينقلون الجرحى ويرفعون القتلى. فثارت ثائرتنا وأخذنا نهتف بصوت واحد: تسقط فرنسا، يسقط دوغول
ABAS DE GAULE – A BAS LA FRANCE.
وساد الهرج والمرج في القاعة، فاستدعوا رجال الشرطة عندها حاول بعضهم ضربنا فأشهرنا سكاكين الكشاف بوجوههم. وساقنا رجال الشرطة إلى المخفر, ونمنا ليلتنا هناك إلى أن أفرج عنا بعد مداخلات رسمية، لنتلقى العقوبة الكشفية.
التحقت بجيش الإنقاذ منذ تأسيسه في دمشق، وكنا قبل ذلك من عداد متطوعي «جمعية تحرير فلسطين» منذ تأسيسها. وكنا في المدرسة الثانوية قد اتبعنا دورة تدريبية على السلاح، ويمكن القول أننا أصبحنا مدربين على السلاح، ما أتاح لي ولرفاقي أن نكون العمود الفقري لهذا الجيش. وسبق ذلك كله تحركاتي في يافا عندما كنت أشارك بالتظاهرات ضد اليهود انطلاقاً من شارع اسكندر عوض وصولاً إلى تل أبيب. فتجمعت لدي الخبرة الكافية بعد أن اختمرت في رأسي النظرية الصهيونية وأطماعها في بلادي فلسطين، وما جاورها من بلاد الشام ومصر. وآنذاك كنا على تواصل مع المجاهدين نمر المصري وأبو حسن علي سلامة من خلال الملازم الصديق في الجيش السوري أكرم ديري – الوزير لاحقاً.
في جيش الإنقاذ ازدادت خبراتي بعد تكليفي مهمات بين المدن والقرى، ووراء خطوط العدو، مستفيداً من بذلتي العسكرية الإنكليزية، وسلاحي الإنكليزي أيضاً، وساعدني بذلك مظهري الخارجي. فكنا ننطلق من جبع مركز قيادة جيش الإنقاذ، إلى نابلس وغيرها من المدن والقرى، ثم صدرت الأوامر لي للالتحاق بقيادة الجيوش العربية الموحدة التي اتخذت مدينة الزرقاء بالأردن مركزاً لها.
وصلت مع رفيقين من رفاقي إلى الزرقاء، والتحقنا بالوفد اللبناني بقيادة المقدم شوكت شقير. لذلك كنا قريبين جداً من القيادات العربية، وكنا نتداول أنا ورفاقي في ما نسمعه، وكان تقديرنا أننا نعيش في مستنقع للخيانة، وكان ذلك قبل دخول الجيوش العربية الحرب ضد الصهيونيين في الخامس عشر من أيار 1948. لنتذكر أن الجيوش العربية تقدمت إلى الحرب في اليوم الأول من القتال وكان شعارها: إلى اللقاء في تل أبيب. وقد تمكنا في اليوم الأول من نحو أربعين صهيونياً ونقلناهم إلى سجن التوقيف في الزرقاء وكلهم كانوا يعملون في مشروع روتنبرغ، وكنت حارساً على هذا المهجع.
في اليوم الثاني صدرت الأوامر للجيش العراقي بالتوقف حيث هو. ولما سئل قادته عن سبب توقفه كان الجواب القاطع (ماكو أوامر)! اما الجيش الأردني فكانت مهمته الوصول إلى المواقع المحددة له بالتفاهم بين الصهيونيين والملك عبد الله. لذلك انتقل ثقل المعركة إلى الجانب السوري الذي أفلح في تحرير أولى المستعمرات على الحدود المقابلة. غير أن الجيش المصري تعثر حيث هو، وكانت هزيمته كبرى خاصة بعد اكتشاف مؤامرة الأسلحة الفاسدة!.
ثم كانت الهدنة الأولى بين الفريقين المتحاربين، وكانت هذه الهدنة الخطوة الأولى للاعتراف بالكيان الصهيوني الذي أعلن قيامه بن غوريون في الرابع عشر من أيار 1948 وليس في الخامس عشر كما هو متداول لأن يوم الخامس عشر كان يوم سبت. أما الإعلان الثاني لقيام الكيان الصهيوني فقد صدر من باريز في أوتيل ROYAL MONCEAU.
عدنا من فلسطين والخيبة الكبرى التي ألمت بنا حيث صدر الأمر لجيش الإنقاذ بالإنسحاب من فلسطين بعد أن دخلت الجيوش العربية وتوقف كل جيش حسبما خطط له. وخلال ترددنا على حيفا عدة مرات كلفني الصديق عدنان الحكيم رئيس حزب النجادة في لبنان الإتصال بزميل له في فلسطين من آل كحيل فتم التعاون بين الطرفين في ضوء اتصالاتي معهما.
تركنا فلسطين ودموعنا تغطي وجوهنا، وإذا ببرقية من قيادة الجيوش العربية إلى قيادة جيش الإنقاذ تأمرنا بالإلتحاق بالجبهة الشمالية لأن اليهود كانوا يهاجمون الجبهة اللبنانية، فذهب الفريق الأكبر منا إلى تلك الجبهة لتحرير المالكية التي احتلها اليهود مع بعض القرى الأخرى كترشيحا وتربيخا وغيرها. وكان لهذا الجيش الفضل في ذلك. أما فريقنا الذي انسحب إلى دمشق، فقد تم تجريدنا من سلاحنا على الحدود السورية ـ الأردنية. وللحقيقة والتاريخ، فلم يدخل جيش الإنقاذ معركة مع اليهود إلا وكان المنتصر فيها بفضل مقاتليه الأبطال وعلى رأسهم الشهيد المقدم مأمون البيطار.