| 

خالد جميل شمّوط في كتابه «من الذاكرة حتى الأمل: دراسة في قصص غسان كنفاني القصيرة» (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012)، يرد إلى هذا الكاتب المبدع هيبته ويضعه في مكانه الصحيح بين أقرانه القاصين، عرباً وفلسطينيين ومنذ البدء يلح المؤلف على أن ما يميز كنفاني عن أدباء فلسطين الآخرين هو أنه لم يكن قاصاً وروائياً وباحثاً فحسب، بل أيضاً كان رساماً ومحرراً وناطقاً باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أيضاً. والغرض من هذا الكتاب الجديد الكشف عن جانب آخر من كنفاني: معالجة قصصه من خلال تحليل الحبكة والشخصيات والمواضيع والفكر السياسي والاجتماعي.
مراحل التجربة الإبداعية
يقسم خالد شموط التدرج التاريخي لقصص كنفاني القصيرة إلى ثلاث مراحل: 1956 ـ 1959، 1959 ـ 1963، 1965 ـ 1969. ويرى الكاتب أن كنفاني يشن في المرحلة الأولى لكتاباته حملته ضد العملاء والخونة والحكام العرب الذين خذلوا القضية الفلسطينية، بينما تتسم المرحلة الثانية لقصص كنفاني القصيرة بفقدانها المواضيع الفلسطينية. في المرحلة الثالثة يغطي كنفاني كل المراحل التي كان يمر بها الفلسطينيون في نضالهم لتحرير فلسطين، ثم يعمد الباحث شموط إلى تعيين موضوع قصص كنفاني، فإذا هو في الأساس حض على الصمود في وجه الاحتلال ودعوة إلى الكفاح المسلح ورصد لمعاناة الفلسطينيين ومأساتهم ونبذ للتقاليد البالية، في مناخ حذق من التحليل النفسي لا يقلل من سطوة الجنس على الذهن، فيخلص الأستاذ شموط إلى أن كنفاني لم يكن مسكونا بالهم السياسي فحسب، بل انه التفت إلى الشأن الاجتماعي وأولاه مكانة سامية في نسيج قصه.
وعن الحبكة عند كنفاني يرى الباحث أنه لم يقيد نفسه بأسلوب واحد في قصصه القصيرة، إذ طوع أساليب عدة، فاستخدم الحبكة ذات العقدة والحل، كما استخدم أسلوب انكشاف الحالة، واعتمد على طريقة السرد المباشر في عرض الحوادث، ثم هناك استخدامه لأسلوب الرسائل. وإلى ذلك كله يشير الباحث إلى أن كنفاني كان يتلذذ بمفاجأة القارئ عبر تفجير نهاية غير متوقعة.

الوعي السياسي
لدى معالجته الشخصيات في قصص هذا الكاتب المجلي في سماء فلسطين يرى شموط أن السمة البارزة في شخصيات كنفاني هي اقتصاده في وصفهم وتقديمهم للقارئ، بينما يعوض عن ذلك بإضفاء البعد النفسي عليهم، فالشخصيات عنده أدوات طوع الحبكة. ويأخذ الباحث على كنفاني حرمانه الشخصيات الأنثوية من أي دور رئيسي في قصصه، لكنه يلفت إلى أن كنفاني قدم في قصصه الشخصية اليهودية، فهذه كانت أمرا مجهولا في الخمسينيات.
وحين ينصرف خالد شموط إلى دراسة تنامي الوعي السياسي في قصص كنفاني يرى أن كنفاني سعى في المرحلة الأولى من كتاباته (1956 ـ 1959) إلى إيقاظ شعبه من سباته أو صمته نتيجة للصدمة التي تلقاها في نزوحه وتشرده ثم لجأ كنفاني فيما بعد ذلك إلى البوح بميلاد فجر جديد أي التحضير للكفاح المسلح، وهذه فترة انتقالية من مرحلة التعامل مع الأنظمة الرجعية إلى مرحلة الصدام مع العدو، أي عصر الكفاح المسلح بدءاً من 1965، وتاليا نضجه بعد عام 1969، وكنفاني في كل هذا مرتبط وثيقا بالمتغيرات على الساحتين السياسية والعسكرية، وعليه فإن شخصيته كسياسي كانت أكثر تطورا من شخصيته كروائي.
كتاب خالد جميل شموط دراسة رصينة في قصص كنفاني القصيرة، يخلص فيها إلى أن قصص كنفاني تتمتع بمستوى عال من الأسلوب والصياغة، فتأتي القصص بسيطة إلا أنها تترك في القارئ أثراً كبيراً، فتبسيط كنفاني هو من جعله كاتبا عظيما، ويلح الأستاذ شموط على أن عظمة كنفاني تنبع من كونه ملتزماً بقضية شعبه وما يتفرع عنها من مسائل اجتماعية وأخلاقية.
يشفع الباحث دراسته القيمة بخمسة ملاحق تتناول التسلسل الزمني لأبرز محطات كنفاني وأعماله الأدبية والأحداث السياسية، وترتيب القصص بحسب زمن كتابتها أو نشرها، وترتيب القصص بحسب الموضوع، ودور الشخصيات الذكورية في القصص بحسب عام التأليف، ودور الشخصيات الأنثوية في القصص بحسب عام التأليف. مع كشف بالمصادر العربية والأجنبية.

كاتب فلسطيني مقيم في لبنان