| 

لا ينفك موضوع احتلال اليهود لمدينة حيفا وما اقترن به من وقائع يشكل عصبًا رئيسيًا في الرواية التاريخية الإسرائيلية التلفيقية بشأن احتلال فلسطين ككل، وبشأن التسبب بنكبة الشعب والوطن في 1948.
وهذا الأمر برز مؤخرًا على نحو خاص في كراسة لحركة «إم تِرتسو» اليمينية المتطرفة (يمكن ترجمة اسمها مجازًا إلى «الإرادة») بعنوان «نكبة خرطة» (أي «أكذوبة») أصدرتها في مناسبة الذكرى الـ 63 للنكبة سنة 2011.
وينفي مؤلفا هذه الكراسة، وهما الصحافي أريئيل سيغال، وأحد مؤسسي تلك الحركة اليمينية إيرز تدمور، حدوث النكبة الفلسطينية، وعمليات ترحيل الفلسطينيين عن وطنهم، ولا يتطرقان بتاتًا إلى المجازر الرهيبة التي اقترفتها المليشيات الإرهابية الصهيونية، ويعتبران أن الفلسطينيين هم الذين تركوا البلد ولاذوا بالفرار، استجابة لنداءات صادرة عن قياداتهم وعن الزعماء العرب.
وقد خصصا لذلك الفصل الثاني من الكراسة، الذي جاء بعنوان «هم الذين غادروا - حيفا نموذجًا»، واستخدما كتاب «فبركة التاريخ الإسرائيلي» من تأليف البروفسور إفرايم كارش، لمهاجمة المؤرخين الإسرائيليين الجدد الذين وثقوا بالاستناد إلى أرشيفات إسرائيلية عمليات ترحيل الفلسطينيين والمجازر المرتكبة بحقهم، كي يؤكدوا بالدليل الملموس أن الميليشيات الصهيونية نفذت في الواقع عملية تطهير عرقي في فلسطين في 1948. وفعل ذلك قبلهما مؤرخون وباحثون إسرائيليون آخرون. وفي جميع هذه الكتابات جرى إبراز وقائع، وتطييف وقائع أخرى. وتمثلت إحدى الوقائع التي جرى إبرازها في الدعوة التي أطلقها أول رئيس يهودي لبلدية حيفا شبتاي ليفي، و«حثّ» فيها السكان العرب على الاستسلام والبقاء في المدينة بعد احتلالها، من خلال التشديد على كونه أحد زعماء «الييشوف» الذي آمنوا بإمكان «تعايش الشعبين» على الرغم من كل ما حدث، وتأكيد أن «هروب» العرب كان نتيجة إقدام «القيادة العربية على حضّ أبناء شعبها على ترك بيوتهم، سواء أكان ذلك من أجل إخلاء الميدان للقوات العربية، أو لأسباب دعائية هدفها نزع الشرعية عن الدولة اليهودية».
غير أن تحقيقًا صحافيًا موثقًا نشره شاي فوغلمـان في صحيفة «هآرتس» (26/5/2011) أشار إلى أن ليفي قد يكون «حثّ» العرب فعلا على عدم الرحيل، لكن حقيقة ما حدث في حيفا لا يتلاءم مطلقًا مع سلوكه الكلاميّ هذا. ويمكن القول في هذه الحالة إن لسان الصهيونية، الذي كان ليفي وأمثاله يمثلونه، ظل ينقط عسلاً، بينما كانت يدها، المتمثلة في مليشيات «الهاغاناه»، تمارس أعمال القتل والإرهاب من دون تمييز.
ما زالت كتابات المؤرخين في إسرائيل، باستثناء كتابات المؤرخين الجدد، تميل إلى التركيز على اللسان الإسرائيلي - الصهيوني المعسول، وإلى تطييف الحقائق المتعلقة بما أقدمت عليه اليد الإجرامية. ومن هذه الحقائق الأخيرة، التي تعمّد التحقيق الصحافي نفسه إيرادهـا، واقعة المجزرة المروّعة التي ارتكبتها «الهاغاناه» في سوق حيفا يوم 22 نيسان (أبريل) 1948، بينما كانت ساحتها تعج بالسكان المدنيين العرب لدفعهم على الرحيل عن المدينة، وذلك في الوقت الذي كان فيه مندوبون عن السكان العرب يجرون مفاوضات مع قادة اليهود في حيفا بشأن شروط وقف إطلاق النار. وأشار الكاتب في هذا الصدد إلى تقرير نشره مراسل وكالة «يو. بي» للأنباء في ذلك الوقت وأكد في سياقه أن المندوبين العرب واليهود كانوا على وشك الاتفاق على شروط وقف إطلاق النار، وأن «ثمة أنباء تفيد أن الجيش العربي والمتطوعين العراقيين (أي جنود جيش الإنقاذ) شرعوا في مغادرة المدينة».
وجراء تلك المجزرة لم يبق في المدينة سوى 20 ألف فلسطيني، من مجموع 62.500 فلسطيني كانوا يعيشون فيها قبل النكبة.
وتضمن التحقيق الصحافي وقائع أخرى تثبت أن الحرب على مدينة حيفا في ذلك الوقت كانت، من وجهة نظر الحركة الصهيونية، تختزل الحرب على مصير «الدولة اليهودية» وكينونتها.
ومن هذه الوقائع ما كتبه رئيس تحرير صحيفة «معاريف»، الدكتور عزريئيل كارليباخ، في 22 نيسان (أبريل) 1948، قائلاً: «إننا نحارب في هذه الساعات على حيفا، وهذا يعني أننا نحارب على الدولة برمتها. فإذا ما سيطرنا على تل أبيب ومدن السهل الساحلي الأخرى، سنبقى أشبه بكانتون، أو منطقة حكم ذاتي، أي غيتو فقط، لكن إذا أصبحت حيفا لنا، عندها نمسي دولة».
وأضاف «إن الجميع يعرف ذلك. فعبد الله (ملك الأردن) يعرف أنه إذا أصبحت حيفا في يدنا، لن يكون لديه ولا لدى العراق أي مخرج إلى البحر، وأن كل ما سيحتله من القسم العربي للبلد لن يكون سوى ذيل للصحراء وليس بوابة إلى العالم. ويعرف الانكليز أنه إذا أصبحت حيفا في يدنا، فإن أرباب النفط، والخبراء الإستراتيجيين للأسطول، ووايتهول ووول ستريت أيضا، وكذلك واشنطن، سيكونون مضطرين إلى أخذنا نحن أيضًا في الحسبان وليس ملوك النفط العرب فقط. وستتغير الصورة السياسية والعسكرية كلها، إذا ما أصبحت حيفا في يدنا. إن مصير دولتنا كله موضوع في كفة الميزان في هذه الساعات».
وتحت العنوان «دلالة الانتصار في حيفا» نشرت صحيفة «دافار» في 25 نيسان (أبريل) 1948 مقالاً ممهورًا بالحرفين الأولين من اسم كاتبه وهما أ. ت، جاء فيه أن «هروب اللاجئين العرب (من المدينة) وتوجههم على نحو مذعور إلى المدن والقرى العربية الأخرى يشكلان عنصرًا عسكريًا إيجابيًا بالنسبة إلينا. ويجدر في هذا الشأن أن نتذكر كيف أن ملايين اللاجئين في فرنسا وبولندا قاموا إبان فترة الهجمات الجوية الألمانية المكثفة بسد الطرق أمام قوات الجيش، وبتكريس بذور الهزيمة والرعب في أوساط شعبيهما».

سياسة «اللسان المعسول»
ما زالت تعيد إنتاج نفسها
يشير الواقع القائم في حيفا الآن، من ناحية العلاقات بين العرب اليهود، إلى أن سياسة «اللسان المعسول» السالفة ما زالت تعيد إنتاج نفسها.
فاللازمة التي يكرّرها رئيس بلديتها الحالي، شأنه شأن رؤساء بلديتها السابقين، في شتى المناسبات والمؤتمرات المحلية والقطرية والدولية، تشدّد على أن «مصطلحات مثل السلام والتعايش لا تُعتبر في حيفا مجرّد شعارات أو مجرّد أحلام وردية لزعماء، وإنما هي واقع حقيقي ينعكس ببريق أخّاذ في الحياة اليومية للمدينة»، كما ورد في كلمته التي وجهها سنة 2010 إلى «مؤتمر الأدباء الدولي من أجل السلام» الذي عقد في المدينة، وأشار فيها أيضًا إلى أنه «منذ أكثر من مئة عام ونحن نتميز بعلاقات جيرة حسنة بين سكان المدينة كافة، بغض النظر عن الإله الذي تختار كل جماعة أن ترفع صلواتها إليه. وفي الأماكن كلها في حيفا، في المؤسسات الأكاديمية والمستشفيات، وفي صفوف قوات الأمن، وكذلك في المحاكم والمصانع والمكاتب الحكومية، وطبعًا في البلدية نفسها، يعمل معًا وجنبًا إلى جنب يهود وعرب، مسلمون ومسيحيون. وأنا متأكد من أنكم في أثناء زياراتكم لشوارع المدينة ستجدون أن نسيجنا البشري المتميز من شأنه أن يشكل نموذجًا ساميًا يمكن تبنيه في أي مكان من العالم».
من الواضح أن هذه اللغــة سيـــاسية، مـــن ذلك الصنف الذي قال عنه جورج أورويل بأنه صُمّم لجعل الأوهـــام تلبس ثوب الحقائق، لكن الخطورة فيها كامنة في ذلك الإصـــرار على أن تشكل حيفا في الوقت الراهن «مدينة تنمذج على كيـــنونة مدن أخرى شبيهة بها»، تسمى في القاموس الإسرائيـــلي «المدن المختلطة»، وتشمل أساسًا كلا من يافا وعكا واللـــد والرملة. ومعروف أن هذه المدن تتعرّض في السنـــوات الأخيرة إلى حملة استيطانية تهدف إلى تهويد البيوت العربـــية، من خلال إقامة بؤر استيطانية داخل الأحياء العربية. ويطلق على هذه البؤر اسم «الأنوية التوراتية»، وهي تحصل على تـــمويل من الحكومة الإسرائيلية ومؤسساتها، ومن البلديات، ومن شركات وجمعيات استيطانية. وجميع الذين يسكنون في هذه «الأنوية التوراتية» هم مستوطنون جاؤوا من معاقل المتطرفين في مستوطنات الضفة الغربية، مثل «كريات أربع» و«بيــت إيل» و«ألون موريه» و«فيدوئيل»، وينتمون إلى التيار الـــديني - القومي - الصهيوني وباتوا يعرفون باسم «المستوطنـــين الجدد».
ويضطلع الحاخامون المتطرفون بدور أساسيّ في إقامة هذه البؤر الاستيطانية، خصوصا تلك التي أقيمت في قلب الأحياء العربية في «المدن المختلطة». فمثلا حاخام صفد، شموئيل إلياهو، المعروف بالفتوى التي أصدرها وتنص على حظر بيع أو تأجير البيوت للعرب، هو أحد مؤسسي البؤرة الاستيطانية في أحد الأحياء العربية في عكا. والحاخام شلومو أفنير، الذي وقع الفتوى ذاتها، كان ضمن المبادرين إلى إقامة البؤرة الاستيطانية في قلب حي العجمي العربي في يافا. والحاخام زلمان ميلاميد، الذي وقع هو الآخر الفتوى العنصرية، كان من المبادرين إلى إقامة البؤرة الاستيطانية في أحد الأحياء العربية في مدينة الرملة.
يسعى «المستوطنون الجدد» إلى استفزاز السكان العرب في «المدن المختلطة». وهم يفعلون ذلك بعدة أساليب، بدءا بالطواف في الأحياء العربية، بمشاركة عشرات وأحيانا المئات من الفتية، وهم يغنون أغاني دينية ويثيرون صخبًا. وأحيانا يهتفون شعارات ضد العرب، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات بين الجانبين، سرعان ما تنتقل إلى التراشق بالحجارة والمشادات وإطلاق عبارات عنصرية ضد العرب مثل «البيوت لليهود» و«أخرجوا من هنا» و«أرض إسرائيل لنا». وأكد مواطنون عرب أنهم يشعرون بالاستفزاز، بل بالعدوان، تحت وطأة سعي المستوطنين لشراء بيوتهم وعدم إخفاء نواياهم بطرد السكان الفلسطينيين الأصليين من المدن. وتوجد في البؤرة الاستيطانية في الرملة 60 عائلة، وهناك 60 عائلة في «النواة التوراتية» الاستيطانية في قلب حيّ العجمي في يافا، و110 عائلات استوطنت في عدة أحياء في عكا بينها أحياء ذات أغلبية عربية، وفي اللد يصل عدد «المستوطنين الجدد» إلى 300 عائلة تسكن في عدة أحياء معظمها ذات أغلبية عربية أو أحياء مختلطة.
وترصد الحكومة الإسرائيلية ملايين الشواكل من ميزانيات وزاراتها المتعددة لتمويل هذا النشاط الاستيطاني، وذلك بعد جهد قام به عضو الكنيست المستوطن أوري أريئيل، من كتلة «الاتحاد الوطني» اليمينية المتطرفة، الذي أشار إلى أن «هذه الأنوية تساعد في تقوية الأساس اليهودي في تجمعات سكانية يهددها العرب» (ديموغرافيًا). وقد عقبت صحيفة «يديعوت أحرونوت» في حينه على أقوال أريئيل قائلة إنها تعطي الانطباع «بأن الحديث يدور على إقامة بؤر استيطانية في منطقة معادية، وليس في مدن في قلب الدولة».
وأشارت إلى أن كثيرين من هؤلاء «المستوطنين الجدد» جاؤوا من المستوطنات في عمق الضفة الغربية، وبعضهم يسكن لأول مرة داخل الخط الأخضر، فضلا عن أنهم مشحونون بالطاقة نفسها التي يفرغونها ضد الفلسطينيين في الضفة، و«بالروح القتالية العنيفة».
ومع أن حيفا لا تواجه أي «تهديـــد» ديموغرافي، إلا إنها لم تسلم من نشاطات التهويد المتواترة في جميع «المدن المختلطة»، لا سيما في الأحياء التي كانت عربــية قبـــل النكبة، وبقيت شاهدًا على جريمة تطهيرها عرقيًا، وظلت هويتها عصيّة على الطمس.