| 

لمن لا يعرف حيفا، فهي تلك المدينة العريقة التي تجري أحداث رواية «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني فيها، وفي حي الحليصة بالتحديد، لكن الأيام تمر كما في الرواية الشهيرة، فبعد عام النكبة وبعد عام النكسة وبعد أن ترك هذه المدينة الشاعر الكبير محمود درويش في مطلع السبعينيات، وبعد النهضة الثقافية التي سادت حيفا، حيث كانت معقل الحزب الشيوعي وقياداته من مفكرين، أدباء وشعراء، بقيت حيفا الجديدة التي أسسها القائد ظاهر العمر الزيداني مجرد أسوار وبنايات، ميناء، مساجد وكنائس، فإن دلت على أثر فإنما تدل على هوية المدينة الفلسطينية التي لقبها المحتل «مدينة التعايش» بفضل هذا التاريخ العريق الذي لم يستطع تجاهله.
لكن منذ الحرب على لبنان العام 2006 والعدوان على غزة العام 2009، أصبح المجتمع الإسرائيلي يميل أكثر نحو الأحزاب اليمينية المتطرفة في ظل طرح قضية «يهودية الدولة» كأمر ملحّ، وبخاصة أنه في المدن التي «ما بعد حيفا» فقط أصبح المواطن الإسرائيلي يشعر بنوع من الأمان. وهنا في حيفا تفاقمت هجرة الشبان اليهود إلى مركز البلاد بينما ازدادت هجرة الشبان العرب إلى حيفا المدينة، فلم يبق أمام المحتل إلا السعي لتهويد حيفا، وتضييق الخناق على سكانها العرب وطمس معالم هذه المدينة، القديمة والجديدة.

تغيير هوية وادي الجمال
قضية حي وادي الجمال تكمن بتحويل الكنيس اليهودي الذي عمل سنوات عديدة إلى مدرسة دينية تحوي عشرات الطلاب الذين يقطنون فيها، والتي تعمل طيلة أيام الأسبوع وحتى ساعات الليل المتأخرة، الأمر الذي صار يثير حفيظة السكان ويتسبب بإزعاجهم. كما أن القضية تفاقمت يوماً بعد يوم وأخذت منحى سياسياً باتجاه تهويد الحي، وقد بات مخططاً لجماعة اليهود المتدينين الذين يجتاحون الحي - إذ اقتنوا منازل بمحاذاة المدرسة الدينية – أن يصبحوا السكان الجدد المتزايدين، عدا عن الإزعاج الذي يسببونه لسكان الحي الأصليين والخلافات والأجواء المشحونة، فما يجري هو أفظع من خلال فعاليات ومهرجانات دينية ومسيرات يقيمونها للتأكيد على وجودهم. كما يقوم المتدينون اليهود بالتوجّه إلى سكان الحي ويطالبونهم ببيع منازلهم من خلال منشورات يقومون بتوزيعها بين فترة وأخرى على أصحاب المنازل العربية. أما بلدية حيفا، فقد غيّرت اليافطة التي حملت طيلة سنوات اسم الحي «وادي الجمال» باللغة العربية، ليصبح اسم الحي الجديد على اليافطة «عين هيام» باللغة العبرية!
يقول فهد عبود، رئيس لجنة الحي سابقاً: هنالك تجاوزات في البناء، حيث تمّ تحويل الكنيس إلى مدرسة دينية دون الأخذ بعين الاعتبار رأي السكان وموافقتهم واحتياجاتهم. وقد توجّهنا إلى بلدية حيفا كي تعيد الحي إلى ما كان عليه في السابق، ولا تتماشى مع مخطط تهويد الحي الذي سيؤدي إلى صدام مؤكد بين السكان العرب واليهود الجدد، إلا أن الأمر كان دون جدوى.

نضال لإعادة فتح المسجد الصغير
من الواضح أن المدن الفلسطينية، مثل حيفا، عكا، يافا، اللد والرملة، تعاني أكثر من غيرها كونها مستهدفة أكثر من غيرها وتتعرض لعملية التهويد ومسح الهوية، سواء الإنسان فيها أو العمران والتاريخ والجغرافيا، كل مظاهر التهويد هذه كإهمال المقدسات الإسلامية، لا بل والاعتداء عليها عبر الإغلاق والمصادرة أو تحويلها إلى غير أهدافها، يشير إلى استهداف لئيم وعنصري، وهذا ينعكس بلا شك على واقع الحياة الاجتماعية في هذه المدن. قبل شهر رمضان، أقامت الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني معسكر تواصل مع المقدسات الاسلامية في حيفا، وحاولت بقرار من المحكمة الشرعية ومن خلال أبنائها افتتاح المسجد الصغير الذي تم اغلاقه منذ سنوات عديدة، إلا أن محاولتهم باءت بالفشل لكون السلطات الإسرائيلية منعتهم من إعادة فتح هذا المسجد الصغير.
وفي هذا السياق، يقول الشيخ كمال خطيب، نائب رئيس الحركة الإسلامية: أولاً، نعتقد اعتقاداً جازماً أن المستقبل هو لشعبنا وأمتنا، وإن ضاعت الحقوق بواسطة استخدام القوة والعنف فإن ذلك لن يدوم للأبد. نحن نعتقد أن القوي لن يبقى قوياً للأبد، وأن الضعيف لن يظل ضعيفاً.

فلسطينيو حيفا معرضون للخطر أكثر من اليهود
الحيفاويون عبروا عن قلقهم إزاء عدم بناء ملاجئ في أحيائهم بعد ستة أعوام على الحرب على لبنان. الخوف والهلع يسيطران على سكان حيفا العرب التي حصدت الحرب ثلاثة من أبنائها؛ لبيبة مزاوي وحنا حمام وحمودي سلوم، والأحياء الحيفاوية المنكوبة في الحرب، والتي ثبتت عدم جاهزيتها في حرب 2006، لم يطرأ عليها أي تغيير لينعم سكانها بالأمن والأمان في حال نشوب حرب مستقبلية، كما أن المواطنين الحيفاويين العرب الذين أصيبوا في الحرب لم يتلقوا التعويضات الكاملة إزاء خسائرهم الفادحة في حرب 2006. وبالرغم من تأييد فلسطينيي حيفا للمقاومة اللبنانية، إلا أن سيناريو أي حرب مقبلة مع إيران يجعلهم يشعرون بالخوف، وبخاصة أن بلدية حيفا و«الجبهة الداخلية» لم تبنيا الملاجئ العامة، وتم تعليل ذلك في الرد التالي الذي حصلنا عليه من البلدية: «قررت قيادة الجبهة الداخلية وقف بناء الملاجئ منذ سنوات التسعينيات، وشجعت على بناء المساحات المحمية في البيوت، أو اختيار مساحة محمية داخل المنزل (القسم الجنوبي من المنزل)». غير أن بناء هذه المحميات باهظ الكلفة وليس بمتناول يد الجميع.
منير خوري، القاطن في شارع «قيسارية» في حيفا، انهار منزله العام 2006 بعد إصابته بصاروخ، حيث بقي هو وأفراد عائلته تحت ركام منزلهم الذي هدم بالكامل طوال خمسين دقيقة. ويسهب خوري بالحديث حول ذلك، متهماً الجانب الإسرائيلي بما حدث وبما يمكن أن يحدث في المستقبل إزاء عدم توفير الأمن والأمان للمواطنين العرب من خلال بناء ملاجئ ملائمة كالتي تقام في المناطق اليهودية، ويتساءل: كيف سيتم بناء ملجأ والعنصرية مستشرية في هذا البلد؟! في «سديروت» عكفوا على بناء ملاجئ مع سقف حديدي، وفي الأحياء اليهودية في حيفا مثل الكرمل أو «نافي شأنان» تم اتخاذ الإجراءات اللازمة من بناء ملاجئ وخلافه ليحظى المواطنون هناك بالأمن والأمان.

البيوت العربية في وادي الصليب للبيع
بلدية حيفا و«مديرية الأراضي» تسعيان إلى تصفية ما بقي من أملاك في وادي الصليب. بيوت مسروقة تعرض للبيع بالمزاد! فالبيوت العربية ستقام مكانها مبان أسمنتية حديثة، وهناك نية واضحة لتبديل الاسم من وادي الصليب إلى «حي الفنانين»!
الصورة قاتمة جداً، كما يراها المؤرخ الحيفاوي جوني منصور، الذي يقول: المخطط يستهدف هدم المزيد من البيوت العربية الحجرية الجميلة جداً، والتي شيّدها أصحابها بروح وهندسة عربية وإسلامية شرقية، تتناسب مع مجرى حياة مجتمعنا. ومكانها ستقام مبانٍ أسمنتية حديثة لا علاقة تاريخية لها بالمكان. وبالتالي ستنجح عملية طمس المكان وإزالته، بل إبادته عن الوجود.
ويضيف: ستقام في المكان مبان جديدة وحدائق وفق أسس البستنة المعاصرة كافة، وستُشَق طرقات جديدة وينتهي عهد الأزقة والطرقات الملتوية داخل الحي، والتي أكسبته جمالاً ورونقاً، وعاش فيه أهله قصصهم وحكاياتهم.

القضاء على أملاك العرب بالضريبة
بالرغم من مشاريع بلدية حيفا العديدة في البلدة التحتا من أجل «دفع المنطقة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً»، حيث افتتح حرم جامعي في البلدة التحتا، تلاه فيما بعد افتتاح مسلك سريع للحافلات، بالإضافة إلى مصادقة لجنة المالية البلدية على تخفيض ضريبة الأملاك المفروضة على المصالح التجارية في البلدة التحتا من مستوى منطقة (أ) الى منطقة (ب)، إلا أن هذه المخططات للنهوض بالبلدة التحتا في حيفا لم تطل العرب، فأبرز المتضررين من ضريبة الأملاك الباهظة هو المجلس الملي الأرثوذكسي الذي يملك عدداً كبيراً من البنايات في البلدة التحتا، لكن هذه الأملاك أصبحت في السنوات الأخيرة عبئاً على أبناء الطائفة لكونهم يدفعون سنوياً ما يقارب 150 - 180 ألف شيكل ضرائب أملاك للبلدية، رغم أن عدداً كبيراً منها مغلق ولا يستطيعون تأجيره.
ويقول سامر بلان، سكرتير المجلس الملي الأرثوذكسي: لقد رمّمنا داخل البنايات في أحد الشوارع، لكن بالرغم من ذلك لا يوجد مستأجرون بسبب ضريبة الأملاك الباهظة، فالمنازل المهجورة في البلدة التحتا أكثر من المسكونة.
وطالب بلان بلدية حيفا بإيجاد حل حقيقي لإعادة تطوير الحي وإنعاشه من خلال خطة يتفق عليها العديد من أصحاب المتاجر والأملاك، ومفادها أن تمنح البلدية بدلاً من جباية أموال ضريبة الأملاك كافة حسماً على جزء منها في حال كان صاحب الملك أو المستأجر ينوي ترميم واجهة المبنى القديم أو إجراء ترميم داخل الشقق والمحال والمكاتب من أجل استقطاب أكبر عدد من المستأجرين. لكن بلدية حيفا لم تكترث لخطة المجلس الملي الأرثوذكسي ولم تعطه التسهيلات المتاحة لمؤسسات وشركات يهودية قامت بتطوير منطقة البلدة التحتا.

مسنّات فلسطينيات يجمعن الزجاجات الفارغة
هل من مكترث! إزاء مشاهد الفقر المقلقة، التي تزداد يوماً بعد يوم، مسنّات ومعيلات وحيدات حيفاويات يجمعن الزجاجات الفارغة من أجل توفير لقمة العيش، وحتى «لقمة العيش» هذه لم يحصلن عليها في بعض الأحيان، حيث يضطررن للنوم بدون تناول الطعام. ازدياد الفقر وغلاء المعيشة أديا لأن تجد هذه الفئة نفسها في أدنى سلم في المجتمع، إذ لم تعد أموال مخصّصات التأمين توفر لها أدنى الاحتياجات، وحتى الخبز في بعض الأحيان.
المسنة زينب طويل من سكان حي الحليصة تجاوزت السبعين عاماً، وتوفر طعامها منذ فترة من جمع الزجاجات الفارغة من الشوارع، هذه المسنّة التي تحصل على ألفي شيكل مضطرة لدفع 600 شيكل لإيجار الشقة، و300 شيكل ثمن الدواء لكونها تعاني من مرض السكري وأمراض أخرى عدة، كما تدفع ضريبة الأملاك والكهرباء وغيرها من المصاريف، فلا يتبقى لديها سوى قليل من المال لا يكفيها لتغطية نفقات المعيشة لبقية الشهر، فتجد نفسها أحياناً بدون مال لاقتناء الطعام وتخرج لجمع الزجاجات الفارغة لتبيعها أملاً في توفير لقمة العيش.
وبالرغم من مخططات التهويد وتضييق الخناق على الفلسطينيين الحيفاويين، إلا أن هذه المدينة باتت تعتبر صرحاً ثقافياً واجتماعياً لفلسطينيي الداخل، فحيفا المدينة تستقطب اليها الآلاف من الشباب العرب الذين يقطنونها، بينما يتركها سنوياً آلاف الشباب اليهود متوجّهين إلى «ما بعد حيفا»، آملين بأن ينعموا هناك بالعيش الرغيد بعيداً حتى عن المخططات السياسية لتهويد المدينة التي أصبحت تجلب المتطرفين اليمينيين ممن يتم نقلهم من بعض المستوطنات.

* صحافي فلسطيني يقيم في حيفا