| 

الحديث عن المشهد الثقافي في حيفا ليس مسألة فيها نوع من الترف والبذخ، إنها مسألة أن «تكون موجودا أو لا تكون». والعرب الفلسطينيون في حيفا اختاروا الوجود، ومنه استمدوا قوتهم وتطلعاتهم وتحدياتهم لسياسات التمييز الفاضحة التي تتبعها السلطات الرسمية الإسرائيلية، وحتى الخاصة بما فيها الجامعات والمعاهد العليا التي من المفروض أن تكون منفتحة أكثر من المؤسسة الرسمية.
يبدو لكل ذي إطلاع أن نكبة العام 1948 أحدثت شرخًا وبعدا بين فلسطينيي الداخل (هكذا سماهم العرب) وبقية شرائح الشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى البعد القسري عن الامتداد العربي جغرافيا وفكريا واجتماعيا وسياسيا، إلا أن الشعب العربي الفلسطيني في هذا الداخل أبى أن تقطع أوصاله الثقافية عن جذوره العربية، وعن امتداده العربي.

حيفا تتوج أم كلثوم «كوكب الشرق»
هنا كانت موجات من المبادرات الثقافية خلال العقود الستة الأخيرة، أي منذ النكبة لإعادة البناء والترميم، وخصوصاً التطلع نحو المستقبل. ففي عودة إلى ماضي حيفا العربية، وبخاصة خلال فترة الانتداب البريطاني، وعلى مدى ثلاثة عقود متتالية، تحولت حيفا لأن تكون إحدى عواصم الثقافة العربية، إن جاز استعمال هذا المصطلح المعاصر لتلك الحقبة الزمنية. فالمسارح كان لا حصر لها أيضاً. والعروض المسرحية أكانت فلسطينية أم ومن مصر ولبنان وسوريا لا حصر لها، فيوسف وهبي عميد المسرح العربي قدم مجموعة من أعماله المسرحية في حيفا على خشبة مسرح عين دور، وأم كلثوم حظيت بشعبية لا مثيل لها ونالت لقب «كوكب الشرق» من رواد مقهى ومتنزه «كوكب الصبح» في المدينة، كما يحلو لكبار رجال حيفا التباهي، وفريد الأطرش وشقيقته أسمهان قدما أروع الأغاني وأجملها، وغيرهم كثير. وضيوف حيفا من الفنانين والأدباء والكتاب كانوا كثراً، حيث تسابقت الأندية والجمعيات والمؤسسات على استضافتهم والاستفادة مما لديهم من علم ومعرفة ومساهمات فكرية. والصحف التي كانت تصدر في حيفا في تلك الحقبة زاد عددها على خمس وثلاثين بين أسبوعية وشهرية وموسمية، ومنها بلغات أجنبية، وانتشرت أيضا دور بيع الكتب على مختلف أنواعها وبلغات أخرى إضافة الى العربية.

عودة الروح
هذا كله كان جزءا مركزيا من مركبات حياة المجتمع العربي الفلسطيني في حيفا، حينما حظي بنوع من الاستقلالية وكان قائما ومتجذرا في أرضه. إلا أن النكبة قطعت أوصاله وجعلته بعيدا عن تطوير ثقافته، منغمسا في الهم الحياتي اليومي والبحث عن لقمة العيش. غير أن الشعب الفلسطيني جبار أينما كان، وهذا ما كان في حيفا بعد النكبة. فبالرغم من كل محاولات الإبادة الثقافية التي تعمل المؤسسة الرسمية على تطبيقها، فإن المشهد الثقافي في حيفا منذ أكثر من عقد يبشر بعودة الحياة الثقافية إلى هذه المدينة، حتى اعتبرها عدد من المراقبين والناقدين عاصمة للثقافة الفلسطينية في الداخل، وتنافس رام الله العاصمة المؤقتة التي ارتضى بها أصحاب مسار أوسلو. فمن حيث النشاط المسرحي، تعمل أربعة مسارح عربية في حيفا، هي:
- «مسرح الميدان» وهو أكبرها وأكثرها نشاطًا، حيث يقدم عددا كبيرا من العروض المسرحية، من أبرزها: «قمر على باب الشام»، «رُكب»، «القصة وما فيها»، «قصة خريف»، «خادم السيدين»، «الفتاحة»، «حارق المعبد» وغيرها، ويقوم بالتمثيل نخبة متألقة من الممثلين المحترفين والمهنيين.
- «مسرح بيت الكرمة» وهو مسرح تابع لجمعية مدعومة من بلدية حيفا، ولديه مشاريع كثيرة منها مسرحيات للأطفال والبالغين ومسرح متنقل بين القرى والمدارس والمراكز الثقافية في حيفا وخارجها، ومن مسرحياته: «الأحلام»، «اليوبيل»، «الليلة الأخيرة».
- «مسرح جبينة» وهو مسرح للأطفال في انطلاقته قبل ربع قرن، إلا أنه تحول إلى أعمال تتناسب وأجيال البالغين، ومن أعماله المسرحية الأخيرة: «علقة عنترية»، «الشاطر حسن في القدس».
- «مسرح المجد» وهو حديث العهد، ومن أعماله مسرحية «الحرية».
ويشهد مسرح الميدان حراكا ثقافيا متميزا عن غيره من المسارح التي تقتصر نشاطاتها على الأعمال المسرحية وبعض النشاطات الثقافية على مدار العام، حيث يستضيف هذا المسرح برنامج «الخميس شو» للفنان أيمن نحاس مرة في الشهر، ويشترك فيه ضيوف من ميادين السياسة والثقافة والفكر والفن وعالم الأزياء والمطبخ وغيرها، ويدور الحديث معهم حول اهتماماتهم وأفكارهم وتوجهاتهم.
كذلك يقدم مسرح الميدان برامج «فلسطينما»، حيث تعرض أحدث الأفلام العربية والأجنبية وتجري مناقشتها مع جمهور الحاضرين، بالإضافة إلى الندوات الشهرية التي ينظمها المسرح في مواضيع شتى. وتقدم على خشبات مسارح حيفا مشاريع مسرحية وتمثيلية و«ستاند اب» كوميدي من فرق مستقلة أو ممثلين وفنانين مستقلين.
جدير ذكره هنا، أنه تكثر في حيفا الجمعيات الأهلية العاملة والناشطة في حقول متنوعة، ومن أبرزها التربية والتعليم والثقافة، وكلها تعمل على إثراء المشهد الثقافي بما تقدمه من نشاطات وأعمال إبداعية، ومن أبرز المؤسسات الفاعلة: مركز مساواة، جمعية تطوير التعليم العربي، جمعية التطوير الاجتماعي، جمعية الثقافة العربية، مركز مدى الكرمل، المشغل للفنون والموسيقى...

عالم الكتب
ما ينقص حيفا هو مكتبات عامة، لا توجد إلا مكتبة واحدة تابعة لبيت الكرمة، وتحت إشراف بلدية حيفا ووزارة التربية والتعليم، وكتبها منتخبة بما يتناسب وذوق القيمين عليها وتوجهاتهم السياسية والفكرية والاجتماعية. ومع انتشار مظاهر التكنولوجيا الحديثة والمعاصرة واختراق أشكال مختلفة من الحداثة لدور السكن والعيش اليومي، باتت المكتبات في قائمة الكماليات عند البعض وفي قائمة الماضي السحيق عند البعض الآخر، إلا أن مجموعات من المثقفين من نخب المجتمع العربي الفلسطيني في حيفا أطلقت مبادرات متميزة قلما نجدها في أي مكان في الوطن فلسطين، أو حتى في الوطن العربي، ألا وهي تأسيس نوادي قراءة كتب ومناقشتها. وتأسس أول ناد من هذا النوع في حيفا قبل أكثر من ثلاث سنوات برعاية جمعية تطوير التعليم العربي، ويشرف عليه الأديب والشاعر حنا أبو حنا، والنادي الثاني برعاية جمعية بلدنا وهي جمعية شبابية في حيفا، ويشرف على النادي الأديب الشاب إياد برغوثي، أما النادي الثالث فهو برعاية المجلس الملي الأرثوذكسي ويشرف عليه الأديب الأستاذ فتحي فوراني. وتحظى هذه النوادي باهتمام كبير، ويتسابق على المشاركة فيها عدد لا بأس به من محبي الكتاب والمطالعة.
أما وسائل الاعلام العربية في حيفا، فتقتصر على الصحف الأسبوعية واليومية، كالاتحاد، وهي لسان حال الحزب الشيوعي في الداخل، في حين هناك صحيفتان أسبوعيتان تجاريتان هما «المدينة» و «حيفا». تنقل هذه الصحف بعض أخبار النشاطات الثقافية والاجتماعية والسياسة المحلية، وتشكل مرآة للحراك الحاصل في حيفا العربية.

صراع اللغة والثقافة
بنظرة على المؤسسات التعليمية والتربوية والثقافية في حيفا، فالعربية منها قليل، ويقتصر على المدارس الثانوية ودار إعداد وتأهيل المعلمين، في حين يتجه الطلبة العرب لمتابعة دراساتهم العليا في جامعة حيفا و«التخنيون» (معهد تقني) والكليات الأخرى، ولغة التدريس فيها العبرية وليست العربية، وتتبع كل منها سياسات خاصة بها، بعض منها يُضيّق على الطالب العربي، وبعض منها يُميّز بصورة فاضحة، وفي بعض الأحيان تعمل هذه المؤسسات على طمس كافة أشكال ومشاهد الثقافة العربية من خلال تعميق وتعزيز الثقافة الإسرائيلية والعبرية في أوساط الطلبة العرب، إلا أن نشاطات لجان الطلبة تعمل بتواصل على تعزيز الهوية القومية والثقافية للطالب العربي بواسطة تقديم رزم من الأنشطة الثقافية والسياسية التوعوية.
من جهة أخرى، تنشط الأحزاب العربية في الداخل في مجال عرض بعض النشاطات الثقافية كجزء من التعبئة والحشد والتوجيه السياسي الذي يتناسب وطروحاتها الفكرية والعقائدية. ومن بين الأنشطة التي تقدمها الأحزاب في هذا السياق: محاضرات ثقافية، ندوات وأمسيات ثقافية، مخيمات الهوية، وفيها يجري التركيز على التثقيف الوطني والقومي.
خلاصة القول، إن المشهد الثقافي العربي في حيفا ينقل صورة واضحة لإصرار شعب على البقاء، بأي ثمن، للحفاظ على هويته القومية والحضارية والفكرية وإرثه التاريخي.

* شاعرة وأديبة ومحاضرة، تعيش في حيفا