| 

«هي أكثر من جريمة، إنها خطأ»...
والخطأ أفظع من الجريمة، ولو جماعية، فكيف إذا ما ارتكب بحق الإنسانية والتاريخ، بحق الأهل وروابط الهوية والمصير الواحد والقضية المقدسة، بحق المستضعفين المتروكين للريح في غابة من الأحقاد والغرائز الوحشية والقتلة العاملين لحساب العدو، الوطني والقومي والديني، لكي يتحملوا عنه وزر الخطيئة؟..
لم يعد مهماً أن نسأل: لماذا، وكيف، وبأي ذنب قتلت العائلات بالنساء والشيوخ والعجزة، وعشرات الأطفال من اليتامى والأيامى المتروكين لقدرهم بينما عاصفة الدم الإسرائيلية تجتاح أكواخ اللجوء وذكريات أيام البؤس، ولحظات الفرح النادرة مع الأمل بانبلاج فجر «العودة» وتكحيل العيون برؤية الأرض المقدسة، مرة أخرى؟!
لم يعد يهم أن نحصي جثث المقتولين، بالرصاص أو بالقذائف، بالخناجر أوتحت جنازير الدبابات قبل أن تحملهم الجرافات لترميهم في القبور الجماعية، إلى جانب من دفنتهم أحياء، لا فرق بين امرأة وطفل. ولا تهم الأعداد... بضع مئات أو بضعة آلاف! لا حساب على الجريمة! فمن يهتم بأيتام المخيمات وقد تم ترحيل الثورة والثوار إلى حيث لا مجال لرؤية أرض فلسطين، ولا فرصة لاقتحام أسوار دولة العدو المصفحة بالعنصرية، بزخم الاستشهاد؟!
صبرا وشاتيلا.. كانا مخيمين بائسين في بعض ضواحي بيروت، فصارا عنواناً للمحرقة الجديدة التي ارتكبها سفاحون، بعضهم يحمل أحقاده «اللبنانية» درعاً يفيد منها العدو الإسرائيلي لإشهار براءته منها... ولم يعد مهماً أن نعرف أسماءهم وهوياتهم الحزبية وادّعاءهم انهم إنما ثأروا لـِ «الرئيس الشهيد» الذي أوصلته الدبابة الإسرائيلية إلى سدة الرئاسة ثم استحالت عقبة قاتلة في طريقه إليها.
لا شيء يهـم إلا الحقيـقة، وإلا حفـظ الـذاكرة حية ونابضة بتفاصيل المذبحة الجماعية التي خطط لها وأضاء الطريق إلى مسرحها وأشرف على تنفيذها العدو الإسرائيلي، ثم غسل يديه من دماء الضحايا ورمى التهمة على محازبي «الرئيس» الذي استحال عليه الوصول إلى السدة، فسقط على الطريق مجللاً بخطيئة التحالف مع العدو الذي كان وما زال وسيبقى عدواً: إسرائيل.
هذا العدد تحية لشهداء صبرا وشاتيلا. نستذكرهم في الموعد السنوي الثلاثين لتغييبهم.
لن ننسى.. تلك هي التحية للشهداء الذين ما زالوا يعيشون في وجداننا، وسيبقون فيه.. كما يشهد هؤلاء المناضلون الذين يجيئون في كل عام من مختلف أنحاء العالم لكي يساهموا في إحياء ذكرى المذبحة ضد الإنسانية التي تستعصي على النسيان.
لا يتبخر الدم بل يغوص في الأرض.
يصير شاهداً دائماً على الجريمة، على القاتل والضحية.