| 

عندما تضعف علاقات المصارحة والشفافية في المجتمع الفلسطيني، تتسع دائرة الضياع، ويسود الرياء، ويعم الشعور بفقدان الثقة، فيتزايد عدد الفلسطينيين الذين يتنامى لديهم شعور بالقهر والغربة ليجعل كل فرد يعيش حالة من الغضب المكبوت، والحقد المتراكم ضد الآخرين، وحتى ضد نفسه التي يرى قيمتها تتضاءل يوماً بعد يوم.
العقلية السياسية القديمة ما عادت تنفع شعبنا الذي مورست عليه سابقاً، وكذلك ما عادت تنفع لافتاتها وشعاراتها، حتى لو كانت عناوين وطنية. لذا يتجه معظم الفلسطينيين إلى الابتعاد عن السياسة، وعن العمل المنظم الاجتماعي، ويتحولون إلى أطر تقليدية قديمة، رغم ما تعكسه هذه الحالة من شعور بالعجز والإحباط.
ان جميع قادة العمل السياسي والاجتماعي، كانت ولا تزال ترفع الشعارات، وتدّعي العمل من اجل الشأن العام، لكن، من يزر مخيماتنا يرَ بأم العين حجم البطالة المنتشرة، والفقر والعوز الذي يشير إلى تقصير كبير. أما البؤس والحرمان فهما اليوم في أسوأ صورهما وتجلياتهما، ومن يـرى أطفالنا في الازقة والشوارع العامة يدرك حجم المأساة والتدمير الاجتماعي. وما يحدث اليوم في مخيماتنا الفلسطينية لهو دليل قاطع على قلة الدراية، بل وبعد كل كارثة تعزى المسؤولية لفرد او مجموعة أفراد، وتطلق اتهامات يميناً ويساراً، يجري فيها تحميل وزر ما آلت إليه الامور لهذه الجماعة او تلك في معظم حالات الفشل الذريع. وثمة تاريخ طويل من الوصولية والانتهازية والباطنية، من قول الشيء وإضمار نقيضه، من رفع الشعارات والعمل عكسها، ودائماً باسم القضية.
إن الصراع مع الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين هو في الاساس صراع وجود، وليس صراعاً على الحدود، او على رقعة من الجغرافيا. إنه صراع حضاري وقومي لا تنفع بهذا الصراع وفي خوضه الحناجر المتضخمة بالضجيج. ان شعبنا في مخيماته، يدرك ويعقل ويعرف جيداً من الذي يستحق ان يمثله اليوم او غداً. وعلى الجميع السعي إلى انتخابات شعبية في جميع المخيمات، اليوم قبل الغد. ومن يتمكن من الفوز عليه ان يتحمل المسؤوليات امام شعبنا، لكي يؤكد ان من غير الممكن لأي فرد (او جماعة) ان يؤلف وحده ضمانة ثابتة ودائمة لخدمة قضيتنا الوطنية، ولا توجد أي مناعة لعدم انحراف الشخص او المجموعة. إن ضمانة المجتمع العربي الفلسطيني تنبع من انتمائه القومي، ومن وعيه ووعي جميع أفراده وتحملهم مسؤوليتهم، عبر اقامة المؤسسات الوطنية والنقابية وممارسة الحق في إبداء الرأي والمشاركة في القرار، واختيار المسؤول وتبديله ومحاسبته. ولا ضمان لتحقيق مصلحة الشعب العربي الفلسطيني إلا بأبناء هذا المجتمع وبوعيهم. لأنهم شركاء جميعاً في الانتماء الى هذا المجتمع واحترامه واحترام حق الاختلاف، مع الاشارة إلى دور بعض الجمعيات الأهلية والنقابات والاتحادات المهنية ومنحهم الحق الطبيعي في اختيار ممثليهم وتغييرهم وفق النهج المؤسساتي السليم، ووفق الرؤية الوطنية الصحيحة المتناقضة مع نهج اللون والشخص الواحد. إن تخلينا عن مصالحنا يوقعنا في عبودية جديدة تدمر مجتمعنا. ولا يخفي ـ والجميع يعلم ـ ان تاريخنا مملوء بالفشل، وتجاربنا تغـص بالمرارات. نتطلع إلى كبير من عقلاء فلسطين ينقذ شعبنا من الويلات المدمرة في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات الفلسطيني، وطرد الأوهام الكاذبة التي تدور حول المفاوضات والدولة المزعومة. فمن هو هذا الكبير؟!!.

* ناشط فلسطيني من مخيم البرج الشمالي.