| 

توزع الفلسطينيون جراء النزوح القسري إلى لبنان في أماكن متباعدة من هذا البلد، مع انهم تشبثوا في البداية بالبقاء في القرى اللبنانية الحدودية، ليكونوا بالقرب من بلادهم، ولاعتقادهم ان غيبتهم عن فلسطين لن تطول كثيراً. لكن بعد مضي عدة أشهر، قامت السلطات اللبنانية بإبعادهم قسراً إلى المناطق الداخلية في لبنان، ونقلت أعداداً منهم إلى سوريا بالقطارات، وعملت على تجميعهم في اماكن محددة، ومنها الثكن العسكرية في بعلبك (ثكنة غورو) والرشيدية (ثكنة تجميع الأرمن) وتل الزعتر (ثكنة للجيش الانكليزي) وثكنة هاني شقير للجيش اللبناني. وحين استقرت الاحوال في ما بعد رست أعداد المخيمات على خمسة عشر مخيماً. وقد كان من سوء طالع بعض هذه المخيمات ان يلحقها التدمير الكلي في مراحل مختلفة من مراحل تاريخ لبنان الحديث. فقد دمر الطيران الإسرائيلي مخيم النبطية، وجرى تدمير مخيمي تل الزعتر وجسر الباشا في سنة 1976، ودمر لاحقا مخيم نهر البارد. ولحق الدمار الجزئي بمخيم ضبية وبمخيم الداعوق في حي صبرا اللبناني... وهكذا.
وفي ما يلي وصف أولي لثلاثة مخيمات جرى تدميرها في سياقات مختلفة. أما مخيم النبطية فقد أفردنا له حيزاً مستقلاً.

1ـ مخيم تل الزعتر
أنشئ هذا المخيم في سنة 1950 على أراض كان يقع إلى القرب منها معمل لتوضيب الزعتر، فسمي، بحسب الرواية الشائعة، تل الزعتر. وفي تلك المرحلة اشتغل سكان المخيم في البساتين المنتشرة في تلك المنطقة، والتي كانت تمتد من انطلياس شمالاً حتى جسر الباشا جنوباً. وكان عدد الفلسطينيين في هذا المخيم في البداية نحو 400 شخص، لكن عملية نقل اعداد من الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون في اماكن شتى بحسب خطة تجميع الفلسطينيين آنذاك، رفعت اعداد القاطنين في هذا المخيم بالتدريج، إلى 778 لاجئا في سنة 1951، ثم إلى 1278 في سنة 1952 بعد نقل نحو 500 لاجئى من عرب الغوارنة ومن يافا، ثم وصل العدد في سنة 1955 إلى 1826 نسمة بحسب سجلات الاونروا، مع ان العدد الاقرب إلى الصحة وصل في تلك السنة إلى نحو ثلاثة آلاف.
في سنة 1956 اندلع حريق في محلة المسلخ في بيروت، فعمدت السلطات اللبنانية إلى نقل الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون في تلك المحلة إلى تل الزعتر، وعددهم يربو على الألف، ونقلت، في الوقت نفسه، نحو ألف من أهالي الحولة القاطنين في تل الزعتر إلى مخيم النبطية قسراً. لكن بعض أهالي الحولة عادوا إلى تل الزعتر بعد حوادث سنة 1958، وتزايدت اعداد السكان حتى بلغت نحو 14 ألف فلسطيني في سنة 1972، علاوة على اعداد غير محددة من اللبنانيين والسوريين.
كانت الأرض التي أقيم فوقها مخيم تل الزعتر تحتوي، في الاساس، ثكنة عسكرية للجيش الانكليزي. وبلغت مساحة المخيم، بحسب الاونروا، 57 دونما، لكن مساحته الفعلية وصلت إلى أقل قليلا من 300 دونم جراء تدافع الفقراء اللبنانيين والسوريين والأكراد إلى السكن فيه، وهؤلاء بلغ عددهم نحو 60% من السكان الفلسطينيين، فبينما بلغ عدد الفلسطينيين قبل تدمير مخيمهم نحو 21 ألفا، كان عدد غير الفلسطينيين نحو 14 ألفا.
في 12 آب 1976، وبعد حصار محكم دام نحو ثمانية اشهر، وبعد اسطورة من الصمود والتضحية، سقط المخيم، واقتحمته مجموعات فاشية من ميليشيات الكتائب وحزب الوطنيين الأحرار وغيرهم، وجرفوا المكان، وفتكوا بالمواطنين فتكا همجيا، على الرغم من الاتفاقية التي جرى توقيعها، والتي كانت تنص على حماية المواطنين المدنيين في اثناء خروجهم.

2ـ مخيم ضبية
حين بدأت السلطات اللبنانية ترحيل بعض الفلسطينيين من قرى لبنان الجنوبي إلى سوريا بالقطارات، رحلت بعض العائلات المسيحية إلى حلب (مخيم النيرب) وإلى مدينة جرابلس على الحدود التركية. وهؤلاء شعروا بأنهم صاروا بعيدين عن أهلهم، وغرباء في اماكن نائية، فقاموا باتصالات حثيثة مع الصليب الأحمر والمراجع الدينية، ونجحت هذه الاتصالات في انتزاع قرار من السلطات اللبنانية باستقبال العائلات المسيحية الموجودة في النيرب وجرابلس في ثكنة هاني شقير في ضبية. وهكذا وصل إلى المكان في سنة 1949 خمس عشرة عائلة مسيحية بينها عائلتان لبنانيتان عاش أفرادها في فلسطين قبل النكبة، ونالوا بطاقات تموينية من الاونروا. وكان معظم ابناء هذه العائلات يتحدرون من قرية البصة الفلسطينية.
أقام الفلسطينيون، في البداية، في ثكنة هاني شقير التي كان الجيش الفرنسي يستخدمها في الحرب العالمية الثانية. أما الأرض فيملكها دير مار يوسف البرج التابع للرهبانية المارونية. وراح عدد سكان المخيم يرتفع جراء مجيء عائلات اخرى إلى المخيم، وجراء التزايد السكاني الطبيعي، فبلغ في نهاية سنة 1956 ألفا ومئتي نسمة (بينهم سبع عائلات لبنانية).
وفي العام 1951 أسست البعثة البابوية مدرسة ابتدائية وكلفت الأب قرطباوي بإدارتها، ثم ظهرت في سنة 1954 مدرسة انجيلية تولت العناية بها الألمانية مرتا شريبر. ولان أراضي المنطقة ارتفعت كثيراً في تلك الفترة، فقد رغبت الرهبانية المارونية المالكة للأرض في نقل المخيم كي يتسنى لها بيع الأراضي التي يقوم المخيم عليها. وقد تمكنت من ذلك عندما اقيم مخيم جديد في سنة 1956 قوامه 114 وحدة سكنية مبنية بالباطون وسقوف الاترنيت، فانتقل إليه السكان ومعهم خمسون عائلة من الرشيدية (جلهم من البصة وإقرت) وأربع من المية والمية وواحدة من بعلبك، علاوة على 25 عائلة لبنانية تمتلك بطاقات اعاشة من الأونروا، وهؤلاء، في الاصل، من قرى علما الشعب وعين إبل والقوزح في لبنان الجنوبي.
سقط المخيم بأيدي ميليشيات الكتائب في 14/1/1976، وكان عدد السكان آنذاك يناهز 2600 فلسطيني، وبقي فيه 382 عائلة فقط (1778 نسمة). أما الباقون فقد لجأوا إلى القطاع الغربي من بيروت، ثم تفرقوا لاحقا في دول العالم المختلفة. وكان الحزب السوري القومي الاجتماعي استقطب معظم شبان المخيم، ولا سيما بين عامي 1956 و1962، فوصل عدد المنتسبين إليه في هذه الفترة تسعين عضوا. وكان لهذا الأمر شأن في عداء المحيط البشري، اليميني الاتجاه، لأبناء المخيم، علاوة على اعضاء الحزب من الفلسطينيين تعرضوا للتنكيل غداة الانقلاب العسكري الذي قام به الحزب في آخر ليلة من سنة 1961.
لكن، بعد ظهور حركة فتح في سنة 1965، بدأت بين عامي 1968 و1969، تتشكل خلايا للحركة في هذا المخيم، وكان معظم اعضاء هذه الخلايا من الاعضاء السوريين القوميين الذين جمدوا عضويتهم في الحزب سابقاً. واستشهد أحد ابناء المخيم في صفوف حركة فتح سنة 1969 ويدعى حنا عيد، ثم تبعه في سنة 1970 في الأردن منير صباغ. وفي حوادث أيار 1973 قدم المخيم 13 شهيداً دفاعاً عن الثورة الفلسطينية. في مجزرة السبت الأسود في أواخر سنة 1975 سقط من ابناء المخيم أنيس نحاس، ثم قتل راشد بشارة. أما في اثناء اقتحام المخيم في 14/1/1976 فقد استشهد 25 شاباً جرى التمثيل بجثثهم في ساحة قريبة من المخيم، ونهبت البيوت، ولم يسلم حتى الكاهن يوحنا أبو حمرا، مع انه يحمل الجنسية اللبنانية وعمره 85 سنة، فركلوه ورفسوه وبصقوا عليه ووقع مغمياً عليه، وقتلوا بالبلطات الشهيد طوني سلامة، وحرقوا بيوت المخيم، ثم أسكنوا جماعات تابعة لهم، أي للميليشيات الانعزالية، في بعض بيوت الفلسطينيين، بعدما هجر المخيم معظم شبان المخيم، ولم يبق فيه إلا الكبار في السن.

3ـ مخيم نهر البارد
يقع مخيم نهر البارد على مسافة 16 كيلومتراً من طرابلس بالقرب من الطريق الساحلي الممتد نحو سوريا. وقد تم تأسيس المخيم في عام 1949 لايواء اللاجئين الفلسطينيين من منطقة طبرية والحولة. وبدأت الأونروا تقديم خدماتها في عام 1950. وقد ادى موقع نهر البارد القريب من الحدود السورية، إلى تحويل المخيم الى مركز اقتصادي للبنانيين في منطقة عكار.
في منتصف عام 2007، ونتيجة للنزاع الذي دار بين الجيش اللبناني وبين مجموعة «فتح الإسلام»، التي اتخذت المخيم مقراً لها، تم تشريد ما يقارب 27,000 لاجئ فلسطيني من مخيم نهر البارد، بعدما تعرض المخيم للقصف بالمدفعية الثقيلة والقنابل الجوية في حصار امتد ثلاثة اشهر. وقد قدّر ان ما يقارب 95% من المباني والبنية التحتية قد دمرت تماما او تضررت بشكل يتعذر اصلاحه، الأمر الذي اجبر السكان على النزوح الى مخيم البداوي المجاور. وحتى سنة 2012، وعلى الرغم من الشروع في اعادة اعمار المخيم، فإن نحو 5900 عائلة بعيدة عن بيوتها وتعتمد بشكل كامل على مساعدات الاونروا.
وكانت الاونروا تعهدت اعادة اعمار المخيم بالتعاون مع الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي. ويصل آخر تقدير لكلفة بناء المخيم الى ما يقارب 345 مليون دولار أميركي، وحتى اليوم لم يتم تأمين إلا 44% من المبلغ.
وفي نيسان 2011، احتفلت الوكالة بعودة أولى العائلات الى بيوتها التي اعيد اعمارها. وفي تشرين الاول 2011، تسلمت اكثر من 300 عائلة مفاتيح بيوتها الجديدة وتمكن بعض اصحاب المحال من العودة أيضاً. لكن الرحلة نحو عودة بقية السكان ما زالت متعثرة.

* أنظر تفصيلات تدمير مخيم النبطية في مقالة محمود العلي في هذا الملحق.