| 

توقف كثير من الشيوعيين العرب عن النضال في سبيل الثورة الاشتراكية منذ الانقلابات الكبرى التي عصفت بالعالم، وأدت، في ما أدت، إلى انهيار الاتحاد السوفياتي، وتغير موازين القوى على الصعيد العالمي، وصعود الأفكار النيوليبرالية وغيرها من الأفكار الجديدة التي أرادت ان تدفن تواريخ الثورات العظيمة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين معاً، وأن تحول هذا الألق الإنساني إلى مجرد جثث تاريخية. وفي خضم هذه البلبلة انعطف كثيرون عن مواقعهم، وبدلوا مواقفهم ايما تبديل، وأصاب الاضطراب أكثر ما اصاب الشيوعيين واليساريين عموماً، فلجأوا إلى خط دفاعهم الثاني، أي تراجعوا عن الثورة إلى الاصلاح، وكفوا عن استخدام عبارة «الشيوعية» وراحوا يستعملون بدلاً منها عبارة «العدالة الاجتماعية»، وبدلا من التطلع إلى دولة اشتراكية فوق الأديان والأجناس والإثنيات صار الكلام يدور في أفواه بعض الماركسيين السابقين على «الدولة المدنية»، وفي بعض الحالات الخجولة على «الدولة العلمانية».
غير ان كريم مروة، الذي اجرى مراجعات انقلابية على أفكاره، وهذا أمر لا بد منه، ما زالت روائح الثورات تنعشه، وتسري أخبارها في كيانه كالكهرباء. فإذا لم يكن ثمة ثورات، فحسبه ان يكتب عنها على قول الشاعر:
يا مانعي لذة الدنيا بأكملها
                                  إني ليكفيني من وجهكِ النظرُ
لكن، ها هي الثورات تندلع في العالم العربي، وأمام بيت كريم مروة تقريباً. لذلك بادر إلى الاعلان عما بات مرتبطاً، ليس بتجربته الخاصة في الحزب الشيوعي اللبناني، بل بالتجربة التاريخية لجيل كامل كان هو واحداً منه، وكذلك بالأفكار الاشتراكية وقيمها الإنسانية. وفي هذا الميدان بادر إلى اصدار كتاب كبير في جزءين بعنوان «قادة تاريخيون كبار في ثورات القرن العشرين» (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2012). والغاية من هذا الكتاب ليس التأريخ لثورات القرن العشرين، بل لاكتشاف المثل العظيمة لتلك الثورات وهي، أولاً وأخيراً الحرية: حرية الفرد وحرية الجماعة وحرية المجتمع.
بلغ نصيب فلسطين من هذا الكتاب أربع شخصيات هم: ياسر عرفات وجورج حبش وعبد القادر الحسيني وعز الدين القسام السوري الأصل. ولا ريب في ان الشهيد عز الدين القسام هو الذي كان، بمجموعته الثورية القليلة العدد، شرارة الثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936، وكان الشهيد عبد القادر الحسيني، قائد جيش الجهاد المقدس، أحد أبرز القادة الشجعان في حرب 1948. وعلى هذا المنوال صنع الشهيد ياسر عرفات مع رفاقه الثورة الفلسطينية المعاصرة، وأطلق في سماء المنطقة العربية الهوية الفلسطينية الجديدة، هوية الفدائي الثائر لا اللاجئ العاثر، وفي جميع المراحل المرة للثورة الفلسطينية، كان جورج حبش الضمير النقي للشعب الفلسطيني، وكان الفلسطينيون يتنفسون الصعداء حين يرون يد جورج حبش تمسك بيد ياسر عرفات.
هذا الكتاب سجلّ مهم لسبعة وثلاثين عَلماً كان لكل واحد منهم سيرة حياة متميزة وحافلة بالأمل والتطلع، وهم الذين باتوا ملهمين لأجيال كثيرة بعدهم، وخميرة مدهشة لكل من يسعى إلى عالم تسوده الحرية والعدالة. اما الأعلام الذين تناولهم كريم مروة في كتابه هذا فهم: لينين، روزا لوكمسبورغ، صن يات صن، عمر المختار، عبد الكريم الخطابي، غاندي، سعد زغلول، هدى شعراوي، جعفر أبو التمن، مصطفى كمال، سلطان الأطرش، ماو تسي تونغ، هو شي منه، عز الدين القسام، دولوريس إيبا روي، عبد القادر الحسيني، جوزف تيتو، مصطفى البارزاني، جمال عبد الناصر، فيديل كاسترو، غيفارا، محمد مصدق، أحمد بن بلة، فرانز فانون، الحبيب بورقيبة، عبد الكريم قاسم، جومو كينياتا، اغوستينو نيتو، باتريس لومومبا، مارتن لوثر كينغ، عبد الفتاح اسماعيل، جون قرنق، نلسون مانديلا، جورج حبش، كمال جنبلاط، الإمام الخميني، ياسر عرفات.

* * *
ثمة ثلاث ملاحظات في شأن هذه الأسماء التي لا يختلف على دورها التاريخي الثوري اثنان. الأولى ان محمد مصدق وعبد الكريم قاسم لم يقوما بثورة مسلحة على غرار كاسترو وغيفارا وماوتسي تونغ وسلطان الأطرش وعمر المختار... الخ، مع ان ما فعله محمد مصدق يوازي في نتائجه ثورة مجهضة. أما عبد الكريم قاسم فقد قام بانقلاب عسكري، لكنه انتهى إلى نهاية فاجعة خلافاً لجمال عبد الناصر الذي نفذ انقلاباً عسكرياً، لكن هذا الانقلاب تحول إلى ثورة بمعايير التحولات الاجتماعية الكبرى في مصر. غير ان مصطفى البارزاني وجون قرنق اللذين قادا ثورات شعبية مسلحة في سبيل حقوق شعبيهما فقد تسربلا بعلاقات رجعية بالدول الاستعمارية نفسها، ولا سيما إسرائيل بالتحديد. وهذه العلاقات تضفي شبهات كثيرة على مسلكيهما السياسي. يبقى مصطفى كمال الذي يعد بطلاً قومياً تركياً دافع بالقوة المسلحة عن مصير بلاده، إلا ان الاتراك أنفسهم ينقسمون على تقويم تجربته، الأمر الذي لا يشبه حال الأبطال التاريخيين امثال عمر المختار وعبد الكريم الخطابي وسلطان الأطرش وغيفارا وهو شي منه وعبد القادر الحسيني ولومومبا ومانديلا وجورج حبش وكمال جنبلاط وغيرهم، فالإجماع هو الذي يظلل اسماء هؤلاء العظام.
والملاحظة الثانية هي اننا نفهم من كلمة «ثورة» الواردة في عنوان الكتاب انها ثورة شعبية مسلحة مثل ثورة اكتوبر (لينين) والثورة السورية الكبرى (سلطان الأطرش) والثورة الصينية (ماو تسي تونغ) والثورة الكوبية (كاسترو) والثورة الفيتنامية (هو شي منه)... الخ. لكن هدى شعراوي وجعفر أبو التمن وفرانز فانون لا يمكن إدراجهم في هذه الفئة، مع ان هدى شعراوي، على سبيل المثال، قادت ثورة جدية في سياق الدعوى إلى تحرير المرأة، لكن قاسم أمين سبقها في الدعوة إلى تحرر المرأة. وعلى الرغم من ان فرانز فانون أديب ثوري، وخاض نضالاً ثورياً بالتأكيد، إلا ان مكانه ليس هنا، بل ربما إلى جانب الأدباء الثوريين في القرن العشرين، وهم كثر، امثال محمود درويش والمفدي زكريا وريجيس دوربيه ومكسيم غوركي ومايا كوفسكي وناظم حكمت... والقائمة تطول. والملاحظة الثالثة الأخيرة هي ان ترتيب الاسماء لم يخضع لمعيار واضح، فهي ليست مرتبة بحسب الاحرف الأبجدية، ولا بحسب تواريخ الميلاد مثلا، ولا بحسب التسلسل الزمني لثورات بلادهم التي قادوها. وهذه الملاحظات الجزئية لا تمنعنا من القول إن هذا الكتاب الممتع هو شوط مهم في مسيرة كريم مروة الفكرية، ولا سيما انه لم يكتف بصوغ سير هؤلاء الثوريين، بل قدم أطروحة فكرية عن «مستقبل العالم العربي في ظل الثورات العربية المعاصرة».