| 

من المؤسف أن مخيم النبطية أمسى من المخيمات المنسية لدى الأجيال الجديدة للاجئين في لبنان. وبحسب الصفحة الالكترونية للأونروا، عن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تقول: تم تدمير ثلاثة مخيمات خلال الحرب الأهلية اللبنانية (مخيم النبطية في جنوب لبنان، ومخيما الدكوانة وجسر الباشا في منطقة بيروت). وقد تم إخلاء مخيم رابع (غورو في بعلبك) منذ سنوات عدة.
الحقيقة أن الاشارة الى تدمير مخيم النبطية في سياق الحرب الأهلية هي إساءة للمخيم والجوار اللبناني، وهي إشارة غير دقيقة وتسقط المخيم في أتون الحرب التي دفع أبناؤه ثمنها بعد تهجيرهم من المخيم. فمخيم النبطية دمرته إسرائيل بالكامل في 1٥ أيار 197١. وكان المخيم قد تعرض للتدمير الجزئي في غارات متعددة بدأت عام 1969، حين جرى استهداف بعض مواقع الفدائيين الفلسطينيين في المخيم. وتمت الغارة الأولى في اثناء عقد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات اجتماعا لقيادة حركة «فتح» في مقرها في المخيم، قبل أن تتوالى الغارات في السنوات اللاحقة ما ألحق ضرراً ودماراً جزئياً في المخيم؛ لكن في العام 1974 دمرته الطائرات الإسرائيلية تدميراً كاملا عن بكرة أبيه. وأدت الاعتداءات الى تشريد أبناء المخيم وتبديد وحدتهم القروية والعائلية التي كانت تشكل رمزاً للتواصل خارج الوطن وتمهيدا للعودة اليه.
إن علاقة المخيم بمحيطه اللبناني كانت نموذجاً للتفاعل على الصعيدين الوطني والانساني، فكان أبناء المخيم يشاركون ابناء النبطية ذكرى عاشوراء ودأبوا على حلق رؤوسهم والندب مع ابناء النبطية والقرى المجاورة أسفاً على الإمام الحسين. كما أن أبناء النبطية والجوار القروي رأوا في وجود المقاومة نقطة ضوء للتحرر من الخوف، فانطلقوا للتفاعل مع أبناء المخيم بعد سقوط الحواجز التي كانت تضعها المخابرات بينهم. ومع سقوط أدوات كبت أنفاس المخيم عام 1969، توافد الشبيبة والكهـــول رجالاً ونساءً من ابناء النبطية للمشاركة في الندوات فــــي مدرسة المخيم المتواضعة، كما أتى المئات للتعرف علـــى الفدائيين الذين كانت صورتهم تساوي صورة ملائكة التـــحرير. ومن المظاهر المهمة في حياة المخيم قبل تدميره، أن النـــبطية شهدت في العام 1971 أضخم تظاهرة تنديداً بالسلـــطة التي استنكفت عن التصدي للعدوان. وقد قاد التظاهرة حينها بعض رموز الحركة الوطنية، بينهم المناضل والشاعر موسى شعيب الذي اعتقلته السلطات بعد التظاهرة وأدخلته سجن الرمل.

البدايات
يقع المخيم، الذي أنشئ في العام 1956، على مساحة 13 ألف متر مربع على تلة مرتفعة، تبعد نحو 3 كم غربي مدينة النبطية. كما كانت غالبية سكان المخيم من منطقة الحولة في فلسطين، خاصة من قرى الخالصة والناعمة والزوق والقيطية وعين الزيتون والزوية والزوق التحتاني والزوق الفوقاني واللزازة، إضافة الى أبناء قرية صلحا وهونين وسحماتا. وقدر عدد سكان المخيم حين تأسيسه بنحو 5 آلاف نسمة. وتشير آخر المعلومات عن المسجلين لدى الأنروا من ابناء المخيم، الى أن عددهم بلغ 7434 نسمة بحسب إحصائية سنة 2008.
كان سكان المخيم قبل تأسيسه يسكنون في قرى الجنوب اللبناني المحاذية لحدود فلسطين، ومن بينهم أبناء صلحا الذين كانوا يقيمون في قرية الأسعدية، وهـــي قرية أنـــشأها احمد الاسعد في منتصف الخمسينيات لاســـتقبال اللاجئين الذين كانوا بأغلبيتهم من المناصـــرين لـــه. وقد اتـــهم كمـــيل شمعون احمد الاسعد بأنه يسعى لتسليح محازبيه واستخـــدام اللاجئين لإثارة الاضطرابات مع منافسيه السياســـيين. وفـــي اثر ذلك جرى نقل سكان الاسعدية الى مخيم النبطية، وانضم اليهم لاجئون آخرون كانوا يعيشون في قرى قضاءي مرجعيون والنبطية، فجرى تجميع هؤلاء جميعا في مخيم النبطية.

بعد التدمير
توزع أبناء المخيم بعد تدميره في عدة مناطق، منها مخيم تل الزعتر ومخيم البداوي في شمال لبنان، وشحيم في إقليم الخروب، علاوة على مناطق في صيدا ومخيم عين الحلوة وبلدة النبطية. وقد وصل تبديد وحـــدة ابنـــاء المخـــيم الى دفعهم ضريبة الترحال خلال الأحداث الأمنية التـــي شهدتها المناطق اللبنانية، واضطرارهم الى النزوح والانـــتقال في هجرات متعددة إلى مناطق أكثر أمــناً، فيـــما اضطر قـــسم كبير من شباب المخيم الى الهجرة إلى ألمانيا والدانمارك.
دفعت علاقة أبناء المخيم الحميمة مع تاريخهم في المخيم، ياسر حمادة الى تأسيس موقع الكتروني في برلين حمل صورة المخيم والكوفية الفلسطينية. ويتمسك ياسر وشبان مخيم النبطية المقيمون في المانيا، بالمخيم كلحظة جامعة على طريق العودة الى الخالصة قريته الأصلية في فلسطين، على الرغم من حصوله على الجنسية الألمانية منذ ما يزيد على الأربعين عاماً. ومع كثيرين من سكان المخيم نالوا الجنسية اللبنانية في العام 1994، فإن أكثرية أبناء مخيم النبطية يرون أن هذه الجنسية لا تشكل الا معبرأ من معابر النضال الذي يتجاوز القطرية نحو فلسطين.
اتسم أبناء مخيم النبطية بالإلفة التي كانت تجعلهم جميعا معنيين بشأن بعضهم، فاذا تزوج أحدهم كان يقام له حفل الزفاف في «المدور» وهـــي المساحة الفارغة في وسط المخيم، حيث كانت السيارات تلــــتف داخلها للعودة الى بلدة النبطية. وكان ابناء المخيم يشاركون جميعهم في الزفاف من دون دعوات، فالكل يعرف الكل ولا أسرار مكتومة. كما أن الضيافة بين ابناء المخــــيم كانت جزءاً من تقاليدهم العريقة، فمضافة أبو علي مختـــار الخالصة، مفتوحة للكبار من ابناء المخيم ساعة يشاؤون. ولهـــذا لا يزال ابناء سكان المخيم يسعون الى السكن في جـــوار بعضــهم كـــما كانـــت الحال في «القشـــلة» و«بناية السالم» و«معمل الصابون» في صيدا قبل أن يـــتم نقلهم في سنة 1996 الى بـــستان اليهودي عند مدخـــل عين الحلوة. وهذا الموقع ضم نحو 126 أسرة أغلبهـــا من مخيم النبطية. وحصل الأمر ذاته مـــع النازحـــين الى مخـــيم تل الزعتر في العام 1976، حـــين دمـــــر المخيـــم وانتقل قاطنوه إلى بيروت الغربية ثم إلى الدامور. وبـــعد الاجتياح الإسرائيلي في حزيران 1982 هجّروا إلى برجا ثم إلى سوق الغرب، ثم إلى بعلبك ومن هناك إلى سوريا حيث أقام بعضهم سنتين قبل أن يعودوا إلى بيروت، حيث اندلعت حرب المخيمات في العام 1985 التي أدت الى نزوح بعضهم مجدداً الى صيدا.

محاولات العودة
كان مهجرو مخيم النبطية قد حاولوا إعادة إعماره، وأجروا اتصالات ولقاءات ومشاورات مع نواب وفاعليات لبنانية وفلسطينية ومع الأنروا ووزارة المهجرين، ونفذوا اعتصامات وتظاهرات اشهرها اعتصامان وتخييم امام مكاتب الانروا في بيروت عامي 1994 و2002 استمرا أكثر من 70 يوماً من دون تحقيق غايتهم في إعادة إعماره. وفي أي حال فقد نتج من التواصل الذي جرى بين ابناء المخيم في لبنان إنشاء رابطة أهالي مخيم النبطية، التي تسعى لإعادة بناء المخيم، وتوفير التواصل بين ابنائه، وقد كان احدث نشاط للرابطة إقامة مهرجان تضامني مع مخيم النبطية في 16 أيار 2012 في مركز معروف سعد الثقافي في صيدا. لكن من جهة أخرى صدر بيان عن «تجمع ابناء النبطية»، يستنكر المطالبة بإعادة اعمار مخيم النبطية، لأن «الدعوة لإعادة إعمار المخيم تنطوي على مخاطر عدة أبرزها: نقل الفلسطينيين من مخيم نهر البارد وتوزيعهم على مناطق لبنانية أخرى منها النبطية»، وأن «الفلسطينيين في منطقة النبطية يعيشون بين أهلهم ولا داعي لإقامة مخيم لهم في هذا الوقت، خصوصا أن بعض المخيمات تحولت الى بؤرٍ أمنية». إن هذا الموقف يشي بعدم امكانية اعادة بناء المخيم في ظل الوضع اللبناني الراهن.

* كاتب فلسطيني مقيم في لبنان