| 

«مثل مجنونةٍ خلعت عقلها، صرت أجري وأجري وأجري.. هاربةً من كارثةٍ وقعت لا محالة غير أن أركان الوجدان لا تحتمل ثقل الحزن والفقد فيها، فأي إنسانٍ هذا الذي يحتمل بطش موتٍ اغتال واحداً وخمسين فردًا من أهله دفعةً واحدة، بمن فيهم الأب والأم والأخوة والأخوات.. أيُ إنسان؟!».
على وقع خروج هذه الكلمات من جرحٍ لا يندمل في عمق قلبها، بكت خنساء فلسطين الشاعرة راب كنعان صاحبة كتاب «تل الزعتر» الذي يتحدث عن حياة المخيم وموت المجزرة، متذكرةً كيف فقدت أهلها في مجزرة مخيم تل الزعتر عام 1976. ومن دون أن تهدأ واصلت: ولدت في لبنان عام 1952، وعشت في تل الزعتر أياماً تفتقد معاني الحياة، كانت البيوت من تنك، لا توجد مياه صالحة للشرب، أو صرف صحي، أو كهرباء، حتى بناء الحمامات الخاصة في البيوت كان ممنوعاً ومحرماً علينا. ولما ظهرت منظمة التحرير، وانطلق العمل الفدائي الفلسطيني، بدأنا نشعر بطعم الدنيا، بدأنا نخلع التنك ونستبدله بالزينكو، بدأنا نرفض الذل، فبدأت المشكلات، واعتبر الفلسطيني في لبنان مستعمرًا، فقامت الحرب واشتعل الصراع بين اليمين اللبناني مسنودًا بالحكومة، وبين اليسار الواقف إلى جوار منظمة التحرير التي استطاعت أن تثبت وجودها على الرغم من كل شيء.

حروب متقطعة
« كانت حروبًا متقطعة بدأت في أواخر الستينيات واشتدت في عام 1973، وصولا إلى عام 1975 حين أطلقت عناصر من حزب الوطنيين الأحرار اللبناني النار على حافلة تنقل بعض المحتفلين من المنطقة الغربية إلى تل الزعتر»، قالت كنعان. وتابعت: من عام 1973 إلى عام 1976 كبر تل الزعتر وكبرت همومه، فالحصارات المتكررة أرهقت الناس، حتى جاء الحصار النهائي والشامل الذي استمر ثلاثة وخمسين يومًا، فكان كوب الماء يعادل كوبًا من الدم لا يتوانى القصف الشديد عن إهداره في أي لحظة». وعندما دمر القصف المخيم، هرب الناس إلى رأس الدكوانة – غالبية سكانها من المسلمين- وتوزعوا على ملاجئها في بنايات المنطقة، ثم اشتد القصف.

مجازر الملاجئ
قالت راب كنعان: كانت عائلتي – عائلة حمزة - لجأت إلى إحدى البنايات التي قصفت أعمدتها الأساسية فانهارت فوق الجميع، وتركوا حتى ماتوا إلا القليل منهم، حتى أنهم قبل أن يموتوا استغاثوا بمن ينجدهم، فكان كل من حاول النجدة يصبح فريسةً للقناصة المنتشرين على أسطح البنايات المجاورة. لم تكن عائلة حمزة وحدها التي هلكت، فالعائلات الأخرى في ملجأ «بلتاجي» حرقت، وفي ملجأ قدروة ذبحت، وفي ملاجئ أخرى رشت بالرصاص.. حقاً لقد أبادت مجازر الملاجئ عائلات كثيرة من تل الزعتر. ثم تضيف راب كنعان: وقت وقوع المجزرة كنت مع زوجي الأول في شاتيلا، وهو أب لاثنين من أطفالي ميمنة وماهر، ولم يكن بمقدوري الذهاب إلى أهلي للاطمئنان عليهم، لكنني بعد انتهائها فعلت، فكان ما جرى، وعشت صدمتي الكبرى. لكن السنوات مرت من دون أن أفهم ومن دون أن نفهم لماذا كانت منظمة التحرير عاجزةً؟.
كان الحل إخراج الناس من المخيم، وبعد تطمينات من الصليب الأحمر وغيره خرج من تبقى إلى ساحة الدكوانة، فرشتهم البنادق بالرصاص، وذبحتهم السكاكين وطعنتهم، وهرب من هرب إلى بيروت الغربية من دون أن يسمح للصليب الأحمر الدولي بالدخول إلا بعد محاولات كثيرة».

لقاء ميمنة
تقول كنعان: بعد سنوات طلقت زوجي الأول، وانتقلت إلى العيش مع زوجي الثاني في منطقة الجامعة العربية، ولما صارت مذبحة صبرا وشاتيلا – بعد خروج منظمة التحرير إلى تونس ومغادرة زوجي مع من غادر- لم أستطع أن أدخل إلى شاتيلا للاطمئنان على أولادي، فأنا لم أشفَ بعد من وجع ما رأيت في تل الزعتر. وبعد تدخلات من زوجي لحقت به إلى تونس. وفي تونس وبعد سنوات، كنت أقرأ إحدى المجلات، وإذ بي أفاجأ بصورة ابني ماهر شهيدًا بين صور عشرات الشهداء. بكيت، بكيت، بكيت وصرخت: أي قلب يا الله يحتمل هذا كله؟ وبعد أن هدأت، هيأت نفسي لأن من المحتمل أن تكون ابنتي ميمنة قتلت هي الأخرى. وبقيت كذلك حتى عدت إلى غزة – وعشت فيها من دون أن أتوقف عن إرسال الرسائل إلى عنوان بيت خالتي في لبنان – إلى أن فاجأني يومًا اتصال من ابنتي ميمنة، بعد اثنين وعشرين عامًا، فوقعت مغشياً عليّ من دون أي قدرة على التصديق. وبعد سنتين أخريين كان لقائي بابنتي في قناة أبو ظبي، واليوم هي متزوجة في لبنان، وأنا أم لوفاء وسمير وحسين في غزة.
وتساءلت: أين منظمة التحرير مني، وماذا يعرف المسؤولون عن ضحايا تل الزعتر، هل يعرفون أماكن ذويهم، وماذا قدموا لهم؟!

في ثلاجة الموتى
عبد الحليم الغول من مواليد عام 1942 شاهد آخر على مجزرة أخرى، وقعت في مخيم ضبية، حين طوق المخيم وبدأت قوات الكتائب اللبنانية بضربه ودكه بالقذائف. فقال: آنذاك، كنت في المنطقة الجبلية المجاورة للمخيم، ومن شظايا القذائف أصبت في صدري وأنحاء متفرقة من جسمي ونقلت إلى المستشفى بعدما أًغمي عليّ، فوضعني الأطباء في ثلاجة الموتى. ومن حسن حظي ان النزف توقف مع برودة الجو في داخل الثلاجة، وما أن فتحوا الباب ليدخلوا جثة جديدة، حتى أفقت بين الجثث وحركت يدي قائلاً «أنقذوني أنا حي، أنا اسمي عبد الحليم». وحتى تجرى الجراحة اللازمة لي كان ينبغي أن أنتقل إلى مستشفى الروم الأرثوذكس الواقع في قلب المنطقة الشرقية التي يسيطر عليها اليمين، وليتم ذلك بسلام ادّعيت أن اسمي إلياس أبو سمرة، وبالفعل نقلوني. وهناك بقيت حتى شفيت، فيما لم يعرف أهلي في فلسطين، لفترة طويلة، ماذا حدث لي في لبنان.

آثروا البقاء
في لبنان أيضًا، وتحديدًا في منطقة «البص»، ولد عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني وليد العوض، ليشهد على مجزرة هي الأفظع والأبشع، أي صبرا وشاتيلا التي نفذت بأيدٍ لبنانية وتخطيط وحماية إسرائيلية. قال العوض: كنت آنذاك مقاتلاً في جيش التحرير، وعضوًا في الحزب الشيوعي الفلسطيني، ولكني كنت ممن آثروا البقاء ورفضوا المغادرة، لقد كان بقاءً فرديًا، ليس للمنظمة أي علاقة فيه إلا أن ياسر عرفات قال لنا: «أعانكم الله على ما ستواجهونه». وأشار العوض إلى أنه «مع الأسبوع الأول من أيلول انسحبت القوات متعددة الجنسيات، وبدأت القوات الإسرائيلية بإعطاء مقدمات للدخول، وهو ما حدث بالفعل بعد اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل في الرابع عشر من أيلول/ سبتمبر عام 1982، حيث بدأت القوات الإسرائيلية باقتحام بيروت من عدة محاور، وواجهت مقاومة باسلة طيلة يومين قبل التمكن من الدخول، وبدأ حصار صبرا وشاتيلا، فكان يسمح للناس بالدخول ولا يسمح لهم بالخروج».

القتال من دون ذخيرة
يضيف وليد العوض: صارت طائرات الاحتلال تحلق على علو منخفض، ولم تتوقف القذائف عن دك الأزقة حتى شلت حركة الناس، وكنت حينها مع ما يقارب الثلاثين عنصرًا من الثوار الذين آثروا البقاء، مجتمعين في بيت عند المدخل الجنوبي في شاتيلا. وبمرور الوقت، بدأت الناس تهرب من القسم الجنوبي الغربي في المخيم، وكنا نسمعهم يقولون إن هناك عناصر مسلحة وغرباء يدخلون إلى المخيم، لكننا لم نكن نصدق أن المخيم اقتحم بهذه السرعة.
وفي مساء السادس عشر من أيلول، كنا نسمع طلقات نارية، وعرفنا أن في المخيم غرباء.. فقررنا أن نُخرج المدنيين من المنطقة الجنوبية الغربية، وعملنا بعد ذلك حزامًا عازلاً كخط تماس لنمنع أولئك من التقدم، لكنه لم يكن متماسكًا، فنحن كنا 30 مقاتلا فقط وأسلحتنا خفيفة، ولم نكن نستطيع أن نصل إلى مخازن السلاح في المدينة الرياضية.
وأردف العوض: دفعتنا حماسة الشباب إلى الدخول إلى المخيم مرة ثانية. كنا خمسة شبان في العشرينات، فتسللنا إلى الطرف الشمالي الغربي من المخيم، لم يكن هناك أي صوت، كانت ابتسام ابنة الحاجة أم نايف مقطعة وعارية ومعلقة على باب بيتها، أما أبوها فكان دمه ما زال ساخنًا بعد أن اخترقت ثلاثون طلقة أو أكثر جسده. قلت لهم «غطوا ابتسام»، وانتقلت إلى بيت أم حسين المغربي حيث الدماء تغطي أرضية البيت، بعد أن قتل ستة من أبنائها، أربعة منهم من الأطفال المذبوحين والمطعونين.
وروى قائلا: واصلت الانتقال من صدمة إلى صدمة، إلى أن أحضرنا عربات نقل النفايات الخاصة بـ«الأونروا» وجمعنا الجثث، ثم وضعناها عند مداخل الأزقة، ومن ثم حفرت الجرافات أربعة قبور جماعية دفن الشهداء فيها.

* * *
انها تجارب مرة، لا أمل في أن تسدل ستائرها على شيء من فرح، على ابتسامة من القلب إلا بالنظر إلى أصحابها بعينين فاحصتين، بعقل يصغي جيدًا لمطالبهم، لآمالهم، لطموحاتهم، لواقعهم.. ولكن متى؟!

* صحافية فلسطينية مقيمة في غزة.