| 

نعم أعترف. أعشق المخيم، وأعشق كوني فلسطينية ولدت وعاشت في مخيم. ربما لا يعجب عشقي للمخيم البعض ويستغربه، وربما يتفهمه آخرون. وأدرك أن «مخيماً عن مخيم يختلف»، كما كان يردّد غسان كنفاني «خيمة عن خيمة تختلف»، فما بالكم إذا كان هذا المخيم هو مخيم تل الزعتر بالتحديد؟!
ليس انتقاصاً من أي فلسطيني ولد وعاش في مدينة أو قرية، لكن قناعتي راسخة بأنني لو لم أكن ابنة هذا المخيم لما كنت ما أنا عليه اليوم، والأسباب عديدة: أن تكون ابن هذا المخيم يعني أن تجبرك نفسك على تحدي القهر بجميع أشكاله، وعلى الصمود في وجه أي عاصفة، وعلى الشعور بالدفء حتى وأنت ترتدي الملابس الرثة والممزقة، وأن تشعر بالشبع ومعدتك تئن من الجوع، وأن تقبل على التهام وجبة «مجدرة» ذات رائحة كريهة، أو صحن فاصولياء بيضاء مطبوخة بلحم معلبات «البوليبيف» من مطعم وكالة الغوث، وكأنك تلتهم خروفاً دسماً، وأن تلسع روحك حرارة جدران «الزينكو» صيفاً، وتوقظك قطرات المطر شتاء، وأنت تحلم بالملائكة من سقف ترى النجوم من ثقوبه.. أن تكون طفلاً رضعت من ثدي أمك الإيمان بحقك في العودة، إذن عليك أن تتحمل هذه المعاناة، وتكون أكبر من أي طفل في العالم.
هكذا ولدت، وهكذا عشت. وها أنا أعود إلى جزء من وطن أحمل معي ذكريات هذا المخيم الذي أعشق، وأحمل معي نزيف ذكريات مجزرة كانت من أبشع المجازر التي عرفها التاريخ، وأحمل في روحي الندوب التي تركتها هذه المجزرة قبل أن تتركها على جسدي. ولأن معاناة اللاجئ لا تزال مستمرة، والمجازر بحقنا لا تزال مستمرة، سأروي لكم حكايتي.

ضاعت «حاكورة» مخيم النبطية
والداي لاجئان، هجرا الخالصة كما هجر مئات آلاف الفلسطينيين، فاستقرا في لبنان، وبالتحديد في مخيم تل الزعتر. جزء كبير من عائلة أمي استقر في مخيم النبطية في جنوب لبنان. كنا عائلة من ستة أخوة وأخوات نتقاسم رغيف خبز واحد، الأب مهاجر، والأم وحدها تفرد جناحيها وتظلل ست مهجات، كأنهم مهجة واحدة، ننام على فراش واحد، ونلتف حول «طبلية» واحدة، من دون أن تمتد يد إلى الطعام قبل اليد الأخرى.
أجمل الذكريات، عندما يحل فصل الصيف، ومع أول أيام العطلة المدرسية كانت تطير بنا أمي إلى أهلها في مخيم النبطية، حيث البيت الدافئ بحنان الجد والجدة والخالات، ورائحة «الحاكورة» المزروعة بالنعناع وشجرة تين ودالية عنب. كنا في كل عام تطير قلوبنا إلى هناك قبل وصول السيارة التي تقلنا، إلى أن كان العام 1974، وكان أول حرمان لنا كأطفال من زيارة هذا المخيم، وتسلق شجرة التين وقطف عناقيد العنب الذي كنا نحب. حرمتنا الطائرات الإسرائيلية من فرحة الأطفال بعد قصفها المخيم وتدميره بشكل شامل، وتشريد أهله إلى مخيمات أخرى.

من مجزرة «البوسطة» إلى حصار تل الزعتر
وتتوالى المآسي بعد مخيم النبطية، وصولاً إلى بداية العام 1975 في مخيم تل الزعتر، وبالتحديد مع مأساة مجزرة «بوسطة» عين الرمانة، كان عمري حينذاك 14 عاماً، قبل أن يقفز فجأة ليبدو كأنه 40 عاماً. حوصر المخيم بشكل متقطع، على مدار أكثر من عام، وفي لحظات الخطر الشديد تمنى كثير من الأقارب على أمي مغادرة المخيم، ولكونها اعتبرت نفسها أمًّا لجميع أبناء المخيم رفضت المغادرة بإصرار. وبعد أكثر من عام على مجزرة «البوسطة»، بدأ فرض الحصار الشديد والمحكم على المخيم، سقطت علينا القذائف بالمئات، لم يسلم أي سقف، أو لوح «زينكو»، في أي من بيوت المخيم، وما عاد هناك أي ملجأ لنا إلا النزوح إلى أطراف المخيم لنسكن في بيت خالتي التي كانت غادرته قبل إحكام الحصار، وهو مبنى مكوّن من طبقات عدة، فيه ملجأ اتسع لعشرات العائلات. كنا مقارنة بأهل المخيم مرفهين، لأننا سكنا الطبقة الأولى من المبنى، في غرفتين، لكنهما لم تكونا تتسعان في بعض الليالي لموطئ قدم، فالواجب كان يحتم على أمي استضافة عشرات المقاتلين أثناء استراحتهم، وتقديم ما هو متوافر من الماء وما تيسر من الطعام، أو غسل ملابسهم. والطريف أن أمي كانت تصر بعد غسيل الزي العسكري للمقاتلين على كيه بمكوى كانت تسخنه على «بابور» كاز!
ذكريات حصار المخيم لا تكاد تحصر، فيها كثير من الألم الذي لا يستطيع احتماله بشر، وفيها كثير من فخر للفلسطينيين اللاجئين الذين تحلوا بالشجاعة كلها للدفاع عن هوية وطنية نعتز جميعا بها ويلخصها المخيم. وهنا سأحاول تكثيف الألم في بعض الصور والأحداث، فلا مقالة واحدة، أو عشرات المقالات، تتسع لفيض التفصيلات.

تغميس العدس بالعدس!
كان القصف والحصار يشتدان مع كل يوم، كما كان يشتد على الأهالي العطش والجوع، فلم يتبق في البيوت ما يؤكل، وارتفع صراخ الأطفال الجياع، فخاطر المقاتلون في إحدى الليالي في تنفيذ عملية فدائية ليقتحموا مخزناً على أحد أطراف المخيم، كان عبارة عن «براد» لحفظ لحوم الخراف المثلجة، و«حرروا» الخراف كلها قبل توزيع لحومها بالتساوي على الأهالي، وانقلبت صرخات الأطفال إلى ضحكات وفرح كأن العيد قد هلّ. التهمنا اللحم بعد طبخه على مواقد الحطب، فقد كان الغاز والكاز قد نفدا في ظل الحصار. لم تدم فرحة «العيد» طويلاً، قضينا على اللحم كله، وعاد الأطفال إلى الصراخ من جديد، فما كان أمام المقاتلين إلا التخطيط لتنفيذ عملية فدائية جديدة، فاقتحموا مخزناً جديداً، لكنه كان هذه المرة لتخزين العدس. وكما وزعوا اللحوم بالتساوي على الأهالي، فعلوا الأمر ذاته مع العدس. مرت أسابيع طويلة ونحن نتناول ما لا يخطر في البال من وجبات العدس؛ الأمهات جرشته وعجنته وخبزته على شكل أقراص على «الصاجات». كنا نغمس «خبز العدس» بالعدس المطبوخ، حتى نفدت آخر قطرات الماء من البيوت، وما عاد ممكناً طبخ العدس، فاقتصر الطعام على أقراص العدس المشوية على «الصاج».

ماء بنكهة الجثث والدم
أسوأ ماعاناه المخيم كان العطش، جراء استيلاء، أو سيطرة، القوات الانعزالية الفاشية على كل مصدر مياه في المخيم. كانت الأمهات يتسللن ليلاً إلى داخل المخيم من أطرافه، وكن يعرفن أماكن الحفر التي كان الأهالي قد أعدّوها سابقاً لتجهيز ملاجئ، وكانت هذه الحفر قد تحولت إلى مستنقعات مياه عادمة. ومع ذلك، كانت الأمهات يقمن بانتشال كميات من هذه المياه، ومن ثم تصفيتها بأقمشة ناعمة مرات عدة، قبل غليها باستخدام مواقد الحطب، ليسقينها بعد ذلك لأطفالهن.
كانت ثمة طريقة أخرى لجلب المياه من آبار في أطراف المخيم، لكن مياهها كانت آسنة وملوثة، واحتاجت للمرور العملية ذاتها من التصفية والغلي. وكانت أمي من النسوة اللواتي كن يجلبن الماء من الحفر والآبار، وتكتفي بتبليل شفاهنا بالماء المصفى، لكن ذلك لم يقنا الإصابة بأمراض جلدية ظهرت على أجسادنا، كما كان حال باقي من شربوا هذه المياه. غير أن ثمن جلب الماء من بئر كان أكبر من ذلك في كثير من الأحيان، إذ استشهد عدد من الآباء والأمهات قنصاً وهم ينتظرون دورهم ساعات عدة في الليل من دون التمكن من العودة بالماء إلى أطفالهم، في حين سقطت جثث بعضهم في داخل البئر جراء تعرّضهم للقنص وهم ينتشلون الماء. ولم يمنع ذلك الأهالي من مواصلة انتشال الماء المختلط بجثث الشهداء ودمائهم.
في إحدى الليالي أصرّت شقيقتي البالغة 16 عاماً على جلب الماء من بئر استشهد عنده وفيه العديد من الأمهات والآباء، وكانت حجتها أن استشهادها هي يبقي والدتنا في قيد الحياة لرعايتنا، في حين كانت أمي تصرّ في المقابل على جلب الماء وحجتها أن شقيقتي لا تزال صغيرة وأمامها أمل بحياة مديدة بعد انتهاء الحصار. انتصرت حجة شقيقتي في النهاية، وتوجّهت لجلب الماء ليلاً، وبعد انتظار دام ساعات نجحت في تعبئة صفيحة ماء، عادت تحملها على رأسها فرحة بالحياة والماء معاً، وقبل وصولها إلى مدخل البناية بأمتار عدة سقطت قذيفة قربها. لم تبك بسبب ما أصاب يدها من شظايا، لكنها بكت بحرقة على الصفيحة التي تناثر ماؤها في الفضاء بسبب القصف. ضاع الماء، لكنها بقيت على قيد الحياة.
المآسي في المخيم كانت كثيرة، لا تُعدّ ولا تحصى. أصيب المئات بجروح غالبيتها كانت بالغة، ولم يكن من الممكن معالجتها في ظروف الحصار، فاستشهد كثير من الجرحى، في حين استشهد المئات من الأطفال والنساء والرجال، بمن فيهم المقاتلون، والطريقة الوحيدة لدفن جثامين الشهداء كانت حفر حفرة في داخل أي منزل ووضع الجثمان في جزء من خزانة توضع في الحفرة، أملاً في إعادة الدفن في مقبرة الشهداء في المخيم لاحقاً.

خروج إلى الموت
استمر هذا الوضع حتى جاء اليوم المشؤوم، الخميس 12 آب 1976، يوم سقوط قلاع المخيم كلها بعد خدعة انطلت على الصليب الأحمر الدولي، قبل أن تنطلي على منظمة التحرير الفلسطينية. طالبت مكبرات الصوت في الليلة السابقة الأهالي بإخلاء المخيم عند العاشرة من صباح الخميس، مع التأكيد على أن شاحنات الصليب الأحمر سوف تتولى نقل جميع السكان إلى بر الأمان. لم يكن أمام الأهالي إلا التصديق وكأن الفرج قد وصل من السماء لإنقاذ من تبقوا في قيد الحياة وسط جحيم المخيم. ولم ينم أحد من الأهالي وهم يجمعون ما خفّ وزنه من حاجات بانتظار الصباح. المقاتلون حلقوا ذقونهم، واستبدلوا زيهم العسكري بملابس مدنية، وخبأوا أسلحتهم في أماكن يسهل الوصول إليها.
وقبل موعد وصول شاحنات الصليب الأحمر بساعتين، اشتعلت جميع أطراف المخيم بالنيران، وانكشفت المؤامرة الكبرى لمخطط القتلة، فسارع المقاتلون إلى بنادقهم المخبأة، واستبسلوا في صد الهجوم المباغت على المخيم، لكن كل ما تبقى لديهم من ذخيرة لم يكن كافياً للقتال لفترة أطول، فاستشهد كثير منهم في ذلك اليوم، وبدأ الأهالي مغادرة المخيم سيراً، جماعات جماعات، لكن بخطى متثاقلة منهكة، فقد تركوا وراءهم خيرة الشباب ممن صمدوا أمام الهجوم على مداخل المخيم.
ودعتني أمي مع شقيقتي الكبرى من دون أن تذرف دمعة واحدة، وقد تركت وراءها شقيقها الوحيد وأبناءه الستة شهداء في المخيم. جملة وحيدة قالتها في أثناء الوداع «سلمتكم لله»، وسحبت إخوتي الأربعة الأصغر سناً، ولدين وبنتين، من أيديهم، وغادرت مع بقية الأهالي، والشيء الوحيد الذي حملته أختي الصغرى ذات الأعوام الستة، كان كيساً يحتوي بعض صور العائلة. كانت أمي تدرك أن بنتيها ليستا أفضل من أبناء شقيقها وباقي الشباب ممن ظلوا يقاتلون مصرّين على الدفاع عن المخيم حتى الرصاصة الأخيرة، بخاصة أن معظم أبناء المخيم وبناته كانوا تلقوا تدريباً على استخدام السلاح.. ابن خالي عدنان، المقاتل الشرس، أعطاني وشقيقتي تعليمات حازمة عن كيفية حماية نفسينا، وأوصانا بأن نبقي طلقة واحدة في سلاح كل منا، وفي حال لم نستشهد وحاول القتلة اغتصابنا فعلى كل منا أن تطلق رصاصتها الأخيرة على رأسها. وعندما اكتشف بعد فترة من القتال أنني كنت في لحظة انفعال شديدة، ولم يتبق في سلاحي أو جعبتي حتى رصاصة أخيرة، أصرّ على مغادرتي واللحاق بأمي، في حين بقيت شقيقتي مع المقاتلين.

إعدام ميداني بالجملة
مكرهة، أجبرت على السير وراء أهالي المخيم وكانت تفصلني عن أمي وباقي إخوتي مسافة طويلة، وشاهدت كما الجميع كيف ارتكبت مجزرة ذلك اليوم بحق كل شاب وصبي زاد عمره على 10 أعوام في أثناء محاولة مغادرة المخيم، وكذلك بحق العشرات من الفتيات والنساء والمسنات:
÷ علي الخطيب، كان من خيرة المقاتلين، نادوا عليه من بين حشود المغادرين، وتجمع حوله أكثر من ستة قتلة أفرغوا رصاصهم في جسده. لم يركع علي أو ينحني وهو يتلقى عشرات الرصاصات حتى خرّ جسده على الأرض شهيداً.
÷ أم كانت تحمل رضيعها الذي وضعته قبل يومين، ركض باتجاهها أحد القتلة وانتزع الرضيع من حضنها وقذفه على بعد مسافة ليسقط فوق أشجار حالت دون رؤية موقع سقوط جسده الغضّ.
÷ فتاة مصابة بقدميها كانت تــزحف وســـط الحشـــود، قال أحد القتلة لزميله «خذها تحت التينة ابسطها»! قـــالت له «الموت أهون ألف مرة»، فردّ «روحي موتي»، وأطلق النـــار عليها.
÷ ابن عمي «غازي»، كان يحمل جدتي العجوز على كتفيه معتقداً أن حملها قد ينقذه من الموت، أنزلوها عن كتفيه، وقتلوها قبل أن يقتلوه.
÷ عجوز انزلقت لتقع في خندق، حاولت التسلق للخروج منه، فقال لها أحد القتلة «لوين.. لوين يا حجّة؟ خليكي محلك»، وأطلق على رأسها رصاصات عدة.
÷ «أبو ياسين فريجة»، الممرض في وكالة الغوث، كان يرتدي مريوله الأبيض ويحتضن زوجته المصابة في كتفها. انتزعوا زوجته منه، ثم ربطوا ساقيه بسيارتين، انطلقت كل منهما في اتجاه معاكس.
÷ ابن عمتي «علي»، كان عمره 17 عاماً، وكان بسيطاً جداً «على البركة»، ربطوه بسيارة من الخلف وانطلقت بأقصى سرعة وهي تسحله على الأسفلت.
÷ «أبو أكرم»، تاجر القماش المعروف في المخيم، عندما حاولوا انتزاع ابنه منه، نثر عليهم النقود التي كانت بحوزته، لكنهم قتلوا ابنه أمام عينيه قبل أن يطلقوا النار عليه أيضاً، ومن ثم جمعوا النقود عن الأرض!

نجاة بأعجوبة
حدث ذلك كله أمام أعين أهالي المخيم المنهكين والمصدومين، في حين كانت تنتشر على شرفات البنايات في المناطق الخاضعة لسيطرة الانعزاليين قرب المخيم نسوة كن يراقبن عمليات القتل الميداني ويشجّعن بشكل هستيري القتلة على ارتكاب المزيد من الفظائع.
مشاهد قتل لم يسبق لها مثيل، لو سألت أياً من أبناء تل الزعتر سيروي ما هو أكثر فظاعة مما رويت من جرائم. وبعد فترة، تخيلتها دهراً من الزمان، وصلت إلى أمي التي كانت انضمت إلى عشرات العائلات تحت مظلة قرب «ميدان القتل»، بانتظار إيجاد وسيلة للانتقال مع إخوتي إلى منطقة آمنة، وعندما شاهدتني ركضت مع أخوتي باتجاهي، وفجأة سأل قاتل بشع الملامح أمي عما يوجد في الكيس الذي تحمله شقيقتي الصغرى، ولم ينتظر الإجابة، إذ شق الكيس بحربة سلاحه، فتناثرت الصور، وأخذ بالصراخ وترديد الشتائم بشكل هستيري قائلاً «يا أخوات.... كيف بعدكن عايشين لهلأ؟» صدمنا صراخه، ونظرنا إلى الصور المتناثرة على الأرض وأدركنا سبب هيجانه. فوق كومة من الصور كانت هناك بطاقتان عسكريتان لي ولشقيقتي، إذ كنا زهرتين في جيش التحرير، مع صورة لمدربتنا بزيّها العسكري. أجبرنا هذا المجرم على الاصطفاف ووجوهنا إلى الحائط، أمي في المقدمة، وأنا في آخر الصف، والأخوة الأصغر بيننا، في حين وقف أهالي المخيم يراقبون بانفعال ودهشة كيف سيتم إعدامنا نحن الستة دفعة واحدة. وفي لحظة ما، لمحت شاباً بزي مدني يقترب منا، قفزت نحوه بلمح البصر، وكل ما أذكره أني صحتُ فيه «بشرفك ما عندك أخوات»؟! فأخذني من يدي وقال للفاشي المتأهب لقتلنا «ألم تحرق قلبك هذه العبارة؟!»، وفي هذه اللحظة أمسك عدد من القتلة بشاب كان يحاول تسلق شاحنة مع عدد من العائلات، فتجمّعوا حوله وبدأوا بالصراخ، وانضمّ إليهم القاتل الذي كان يحتجزنا للمشاركة في «حفلة قتل» الشاب، وعندها مرت سيارة قام «منقذنا» بتوقيفها وأجبر السائق على أن ينقلنا في صندوق السيارة المكتظة بالناس، وانطلقت بسرعة. وهكذا نجت عائلتنا بأعجوبة، قبل أن تنضمّ إلينا شقيقتي الكبرى التي تمكنت من الخروج سالمة من تل الزعتر..
لكن مسيرة الجرائم والمجازر لم تتوقف هنا. لقد تكررت بصورة لا تقل بشاعة في مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا في العام 1982، حيث كنت شاهدة عيان على هذه المجزرة لدى تمكني مع والدتي وشقيقتي من الدخول إلى المخيمين فور ارتكاب المجزرة، لنشاهد مئات الضحايا الذين قتلوا بأبشع الوسائل، ومن بينهم جدتي التي قتلت بالساطور، وخالتي وزوجها وأبناؤهما وبناتهما التسع.. ولهذه المجزرة حكاية أخرى.

* فنانة مسرحية فلسطينية مقيمة في رام الله.