| 

يروي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح اللواء توفيق الطيراوي جوانب مما جرى في سنة 1982، فيقول: في حرب العام 1982 كنت موجودا في البقاع .. كلفني القائد الشهيد صلاح خلف (أبو إياد) بإيصال رسالة مغلقة باسم القيادة الفلسطينية، لا أعرف ما في داخلها، وقال لي عبر اللاسلكي «أرسلها إلى مدير مكتب الرئيس حافظ الأسد، وسلمهم إياها في دمشق وانتظر الجواب، وزوِّدني باسمه ورقم هاتفه». ذهبت بسيارة إسعاف إلى دمشق، ولم يكن هناك جندي سوري واحد على الحدود جراء القصف الجوي الإسرائيلي للقوات السورية في البقاع. وصلت إلى مدير مكتب الرئيس حافظ الأسد وسلمته الرسالة وطالبته بالجواب، فقال انتظر. فانتظرت ثلاثة أيام متواصلة. وفي كل يوم كنت اتصل به ليقول لي انتظر أسبوعا. وبعد مرور الأسبوع، أجابني مدير مكتب الرئيس الأسد: «الرئيس لا يجيب عن الرسائل كتابة وسيكون الرد عمليا». على الفور اتصلت بـ«أبو إياد»، الذي طالبني بالعودة إلى البقاع، ومن هناك اتصلت به ثانية لأعلمه بتفصيلات ما حصل معي في دمشق، فأرسل لي برقية ما زلت أحتفظ بها يقول فيها: «لنا ولكم الله». وبعد الخروج من بيروت عام 1982، حضر أبو إياد إلى البقاع فطلبت منه أن يفهمني ماذا كان في داخل الرسالة التي أرسلها إلى الرئيس حافظ الأسد، فقال: القيادة الفلسطينية واللبنانية وقعت الرسالة التي قالت فيها للرئيس الأسد «إذا كنت جاهزاً لتساعد المقاومة وتدعمها في بيروت ولبنان، فسنصمد ثلاثة أشهر أخرى، وإذا كنت غير قادر فسنتخذ قرارا بالخروج من بيروت». لقد اتخذ قرار الخروج من بيروت لأن الجواب بالمساعدة لم يأتِ.

أجواء مهدت للمجزرة
في منتصف أيلول 1982، كان عبد الفتاح غانم في منتصف العقد الرابع، وكان مع عدد من رفاقه يحاولون صد العدوان الذي تحول إلى مجزرة عرفت باسم «صبرا وشاتيلا». صحيح أنه لم يكن داخل أي من المخيمين، لكنه كان على علم بما يدور من موقعه من غرفة عمليات صغيرة في مقر الرئيس عرفات في بيروت قبل مغادرته إلى تونس.
يقول غانم، وهو اليوم الأمين العام لحزب الميثاق الوطني الفلسطيني: كانت أياماً صعبة للغاية بدأت بانسحاب قيادة الثورة الفلسطينية من بيروت. كان مخيما صبرا وشاتيلا تحت حماية القوات الإيطالية، لكن هذه القوات انسحبت من بيروت مع مغادرة القيادة الفلسطينية موانئ لبنان. ويضيف: انكشفنا وشعرنا بالهزيمة. لقد شاهدت مسدسات الفدائيين مرمية في المزابل، كان جواً من الإحباط الكامل، مع أننا حققنا نصف انتصار على شارون بعد صمودنا ثمانية وثمانين يوماً. ما حدث أن القادة الفلسطينيين البارزين لم يطلبوا الشهادة في سبيل القضية والوطن، كانوا يريدون أن يفديهم أبناء الفقراء والمناطق الشعبية والمخيمات، بل إن أحد «منظري الثورة»، برر الهروب من المعركة بأنه للمنظمة صار لها أجهزة تنظيمية وإعلامية وجماهيرية، وأن الخروج من بيروت ليس نهاية المطاف. وهكذا ترك الفلسطينيون على مقصلة بشير الجميل، الذي كان يهدد علناً بإزالة صبرا وشاتيلا وبناء ملعب كرة قدم مكانهما!
وقال غانم ان انفجار الأشرفية في 14 أيلول 1982، الذي قتل فيه بشير الجميل جعلنا ندق ناقوس الخطر خشية اتهام الفلسطينيين بدمه. ويتذكر: التقيت راكاد سلامة الأمين العام لجبهة التحرير العربية، وكان حينها المسؤول عن العمل العسكري في الجبهة، وأدركنا اقتراب المجازر من مخيمات برج البراجنة وصبرا وشاتيلا، والتقينا أيضاً صلاح صلاح ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتوفيق الصفدي القيادي في حركة فتح الذي لم يغادر لبنان، وفهد سليمان ممثل الجبهة الديموقراطية، و«أبو نضال» من جبهة النضال الشعبي، وبدأنا تجميع من تبقى من الشبان الذي يملكون أسلحة للدفاع عن المخيمات، ولم نجمع أكثر من 15 مقاتلاً!
في صباح اليوم التالي، أعلنت إسرائيل أن شارون يجلس في مكتب «أبو عمار» في منطقة «الفاكهاني»، فأرسلنا شاباً أردنياً يدعى «أبو زيد»، وشابة مصرية تدعى سمر علاء الدين للتأكد من الخبر، وعلمنا انه مجرد شائعة، وأن قوات الاحتلال احتلت مكتب العقيد «هواري»، وشقة لجيش لبنان العربي، ويقدر عددها ما بين 20 و30 جندياً، وتبعد من مكتب عرفات 150 متراً، فتوجهنا إلى المكتب أبو عمار وبدأنا إطلاق النار في الهواء، فانسحب الإسرائيليون نحو المدينة الرياضية، أي 150 متراً أخرى، وصار مقر القائد العام مكتباً لعبد الفتاح غانم ورفاقه.

الإسرائيليون بدأوا القتل أولا
يؤكد غانم أن في يوم الأربعاء 15 أيلول 1982، «اقتحمت قوات إسرائيلية مخيمي صبرا وشاتيلا، وقتلت 22 مواطنا لبنانيا من عائلة المقداد، ومهندسين وأطباء ومعلمين فلسطينيين، ثم سلموا راية القتل لمئة وخمسين مقاتلاً لبنانياً من جيش لبنان الحر (بقيادة الرائد سعد حداد) الذين اقتحموا المخيمين من جهة حاجز الشهيد أبو حسن سلامة، وحصدت «جماعة حداد» أرواح المئات في 24 ساعة من القتل بواسطة البلطات والأسلحة كاتمة الصوت. وكشف غانم ان قوات سعد حداد طلبت من الجيش اللبناني المشاركة في ذبح الفلسطينيين، لكن قيادة الجيش رفضت، مع أن الجيش كان يحكم الحصار على المخيمين من الجهة الشرقية، ويمنع أي فلسطيني من مغادرة المخيمين، وهذا الحصار ساهم بشكل أو بآخر في سقوط المزيد من الضحايا الذين كان في إمكانهم الهرب من سفاحي قوات حداد. وأضاف: بعد ذلك استقدم شارون 450 مقاتلاً من حزب الكتائب والقوات اللبنانية إلى مطار بيروت، ثم تجمع المقاتلون عند السفارة الكويتية، واقتحموا المخيمين بعد انسحاب قوات حداد منها، وكانوا بقيادة إيلي حبيقة وفادي أفرام.

وساطات وتوسلات انتهت بالموت
روى غانم أن «سكان المخيمين قبل مجازر حداد وحبيقة، وبعد مجزرة جنود الاحتلال ضد عائلة المقداد وفلسطينيين، توجهوا بوفد من كبار السن يرفعون الرايات البيض إلى السفارة الكويتية حيث ترابط قوات الاحتلال وقوات الكتائب والقوات اللبنانية، لعلهم ينجون، أو يجدون آذانا مصغية بالعدول عن قتلهم كمدنيين لا شأن لهم بالعمل العسكري، وكان من بينهم أبو محمد البرواني (60 عاماً)، وأحمد الهاشمي (64 عاماً)، وأبو أحمد السعيد (63 عاماً)، وأبو سويد (62 عاماً) وكان الوفد مؤلفاً من عشرة أشخاص قتلوا جميعاً. وفي اليوم التالي قاد شاب يدعى سعيد وفدا من خمسين من النساء والأطفال إلى المكان ذاته لعل قلوب القتلة ترق، لكنهم لقوا مصير سابقيهم العشرة، وقتلوا جميعاً». ويذكر غانم انه ورفاقه أرسلوا شاباً للقاء مناضل من داخل المخيم يدعى فادي أبو علي، مساء الخميس 16 أيلول، فأفاد الأخير بأن قوات حبيقة وأفرام «تحصد رؤوس الفلسطينيين عن جنب وطرف»، وأضاف: هنا تأكدنا أن ما يحدث مجزرة، بعد أن كانت الأمــور لدينا مجرد تكهنات... كنا نتمركز في مكتب أبو عمار المطــل على المخيمين، ونرسل العيون، واستطعنا تفجير سيارة كانــت تطالب الرجال فوق السادسة عشرة. بتسليم أنفسهم، وقد فجرها شاب اسمه أبو الفدا محمد، ثم استشهد بعدها بساعة، وكان ذلك صباح الجمعة. حوصرنا من جميع الاتجاهات، ولم يكن لدينا مقاتلون كانوا ثمانية فقط: أربعة من قاذفي الـ«آر. بي. جي» وأربعة مساعدين. استشهد منهم من استشهد، ومنهم من فقد قدمه، أو جرح في أماكن متعددة من جسده، وعند استشهاد أبو الفدا قررنا التوقف عن محاولاتنا اليائسة لفعل شيء لصد المجازر.

لا حياة لمن تنادي!
أوضح عبد الفتاح غانم أنه كان يرسل برقية في كل نصف ساعة إلى القيادة الفلسطينية في دمشق يقول فيها: «أغيثونا هناك مجزرة»، لكن: «لا حياة لمن تنادي». وقال: وحين غادرت لبنان بعد اعتقالي فترة في سجون الجيش اللبناني، سألت الأخ أبو عمار عن هذه البرقيات، فأكد أنه لم يتلق شيئاً، وبعد البحث اكتشفنا أن أحد القادة كان مشغولاً بحفل زفافه في فندق المريديان في دمشق، ولم يقم بمهمته في إيصال البرقيات إلى القيادة.

«أبو جهاد»: دور ريادي
تحدث المحامي حسن صالح، رئيس بلدية أريحا، عن الدور الريادي للقائد الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد)، في معارك بيروت على اختلافها، وقال: كان أبو جهاد قائداً ميدانياً فدائياً من طراز خاص، ففي حصار بيروت في صيف 1982، عيَّن لقيادة منطقة الفاكهاني القائد الشهيد أبو حسن قاسم، مسؤول لجنة التنظيم في القطاع الغربي، والقائد الحقيقي للعمل الواسع الذي قادته الكتيبة الطلابية من قبل، وقمنا بتقسيم أنفسنا وتوزيع المسؤوليات بناء على المواقع الجديدة للقوات الفلسطينية.
وأضاف: كنا مجموعة فتحاوية لها في قلب القائد أبو جهاد موضع خاص... من الغربي أبو حسن قاسم، ومن منطقة الوسط باسم سلطان ومحمود العالول (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح حاليا) ومن السرية الطلابية عدنان أبو الهيجا، والفتحاويون اللبنانيون أمثال رياض الددا وسعود المولى وصلاح بكري ومعهم د. طوني حداد وحارث سليمان. كنا «ميليشيا» ولكن أكثر انضباطاً وتنظيماً وأكثر التزاماً. كنا جيشاً ولكن بشروط الالتزام الثوري والوطني والإنساني العميق. فتحاويون ولكن على طريقة خاصة، مناضلون ولكن من طراز يؤمن بالانتماء إلى الشعب والالتزام بالسلوك الصحيح في جميع مجالات الحياة. أما في مجال القتال والدفاع عن الثورة، فكنا مجموعات في كل مكان بالتنسيق مع القطاعات العسكرية للثورة، وبخاصة في البرجاوي، حيث المنطقة الأصعب قتالاً باعتبارها ثغرة في شرقي بيروت، وهناك أصيب حمدي (باسم سلطان التميمي) وعدنان أبو الهيجا (سفير فلسطين في موريتانيا اليوم) في إصابته الكبيرة الأولى، وكنا مع قوى أخرى في منطقة الفنادق وعائشة بكّار وعلى امتداد منطقة الطريق الجديدة، وبخاصة قاطع مناطق الطريق الجديدة / الفاكهاني، أبو شاكر، ومداخل مخيمي صبرا وشاتيلا. وفي ذلك الوقت من الحصار بعد دخول جيش الاحتلال الإسرائيلي وانكفاء القوات الفلسطينية إلى مناطق البقاع والجبل وتقدم القوات الإسرائيلية لتطويق بيروت بعد حصارها ومحاولة اقتحامها، وبعد اجتماع مع «أبو جهاد»، تقرر أن يذهب الفدائيان حمدي التميمي ومحمود العالول تسللاً من بيروت إلى الجبل لرفد القوات في تلك المنطقة، على أن يبقى في بيروت الشهيد أبو حسن قاسم ومعه أنا والخبير المهندس صاحب الدور الخاص الأخ أبو جعفر، وهو من عائلة قطينة، ومعنا أيضا صاحب الموقف الخاص في ذلك الحصار نادر الفايز والمرحوم الحاج نادر عواد والحاج وائل خميس الحافي وعدد آخر من الشباب المبادر والفدائي.

«أبو عمار»: الإسرائيليون قادمون
أما عبد الرحيم ملوح، نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فقال: اشارت نتيجة حرب تموز 1981 إلى أن إسرائيل عقدت أمرها على اجتثاث الوجود الفلسطيني من لبنان، بسبب ما كان الفدائيون يلحقونه بمستعمرات شمال فلسطين المحتلة، جراء صواريخ الكاتيوشا، وبسبب تلك الحرب اضطرت إسرائيل ولأول مرة أن توقع مع الثورة اتفاقية علنية لوقف القتال الذي تواصل ستة عشر يوماً. وقد أبلغنا الرئيس أبو عمار في ذاك الشهر، وعلى مسمع الجميع، بأن الإسرائيليين قادمون وعلينا الاستعداد لحرب مدمرة.
مع بدء الاجتياح العسكري الإسرائيلي لجنوب لبنان، عينتني الجبهة الشعبية مسؤولاً عسكرياً عن منطقة بيروت، ومع بدء القتال تمكنت القوات الإسرائيلية بقيادة شارون من السيطرة على منطقة الجبل وبعبدا، وهي منطقة الحزب التقدمي الاشتراكي، ومع اشتداد الحصار جاءنا وليد جنبلاط الى بيروت الغربية ليبلغنا رسالة من فيليب حبيب، وكنا اجتمعنا معه في مخزن للسجاد في بيروت الغربية. تقول الرسالة: إن إسرائيل تريد منا الخروج نهائياً من لبنان. وأنا هنا أتذكر أمراً في منتهى الأهمية، وهو أنه خلال الحصار لم يزرنا أي مسؤول عربي أو غير عربي، سوى وزير خارجية كوبا «مال ميركا»، الذي غامر بحياته وجاء إلينا تحت القصف ليطمئن علينا.

* صحافي فلسطيني مقيم في رام الله.