| 

يلحّ ناصر السومي في كتابه عن «فلسطين وشجرة الزيتون: تاريخ من الشغف»، على أن الزيتون مرادف لفلسطين، وفلسطين مرادفة للزيتون، فهما متواردان منذ الأزل، ومقيمان على صلة الشغف بينهما، فلا يمرّ صباح ولا مساء إلا وتكون شجرة الزيتون، شجرة النور كما يسميها الفلسطينيون، حاضرة، بوجه أو بآخر، في حياتهم. وكتاب السومي هذا ظهر أولاً بالفرنسية في العام 2010 في باريس عن Sindbad/Actes Sud، وها هو الآن يصدر عن دار النهار في ترجمة أمينة نهض بها هيثم الأمين المشهود له بدقة النقل وجزالة العبارة، فكأن ترجمته مرآة للأصل بلغة ثانية.
وناصر السومي قادم من موطن الزيتون: وُلد في سيلة الظهر في فلسطين في تموز 1940 وهناك أمضى سبع سنوات، ثم رحل مع عائلته إلى الأردن فسوريا حيث درس في معهد الفنون بجامعة دمشق، فلبنان ففرنسا التي تابع فيها دراسته، وبالتحديد في المعهد الوطني للفنون، ثم عاد إلى فلسطين في نيسان 1993 بعد طول غياب، ثم جاءها ثانية في 1996. لكنه حين حمل جواز السفر الفرنسي بادر، على الفور، إلى ذرع بلاده طولاً وعرضاً، من الجليل في الشمال إلى غزة في الجنوب، واستضافه في حيفا شيخ روائيي فلسطين إميل حبيبي الذي أهدى إليه آخر كتبه موقعاً بجملة تغني عن مجلد: «ذكرى لقاء مدهش في الوطن». ويقرّ السومي أنه لم يجد في فلسطين أروع من شجرة الزيتون، ففيها ينبت كما في سائر بلاد الشام، فلا يمكن التفريق بينها لأن تاريخها مشترك منذ آلاف السنين.
في البدء يشير الباحث إلى أن مناخ سوريا ولبنان مؤات لزراعة القمح والكرمة والزيتون، لكن شجر الزيتون فيها يتعطش للنور ومشهور بصلابته ومقاومته للجفاف بفضل امتداد جذوره. شجرة الزيتون هذه تتصل وثيقاً بتاريخ أهلها وحضارتهم، فيستعرضهما السومي على مر العصور، منذ ما قبل الميلاد حتى الحاضر، فالأمثال الشعبية تدل على تجذر هذه الشجرة في تراث أهل فلسطين، مثل: «الزيت ملك العاجز»، و«كول زيت وهدّ الحيط»، و«أيلول دبّاغ الزيتون»، و«إن أخرج الزيتون بنيسان حضّروا له الفنجان»، و«حنطة وزيت أسدين بالبيت»، وهذه كلها تردنا إلى طقوس وشعائر من صلب الثقافة في فلسطين، فمثلاً يسود الاعتقاد بقدرة زيت الزيتون على شفاء المريض والعاقر. ويشير المؤلف في لفتة تاريخية موحية إلى أن ماركو بولو حمل معه يوم زار القدس زيتاً من السراج الذي يضيء قبر المسيح هدية لقبلاي خان العظيم، إمبراطور الصين وحفيد جنكيز خان. وفي المقامات حتى يومنا هذا يتبرّك الزوار بمسح وجوههم بالزيت من القناديل المعلقة هناك، إضافة إلى أن الزيت يُستعمل فعلاً للتداوي من نوبات البرد بتدليك المصاب به بعد الحمام، كما أن زيت الزيتون يذيب الحصى من الكليتين، وله استعمال بحكم المنقرض اليوم ألا وهو «الرُقية»، وهي نوع من الدعاء يقرأ على غصن من الزيتون ثم يُحرق على الجمر بحضور المريض أو من «أصيب بالعين». ولا ينسى الباحث الخوض في مسألة تحضير الزيتون للطعام، فهناك حفظه ورصعه وشطبه، ثم عصره للحصول على زيته، إلى القول «ما حدا يقول عن زيتو عكر».
ينصرف السومي إلى توثيق تاريخ تطور معاصر الزيتون وصناعة الزيت أي الصابون، وتبقى نابلس حتى اليوم ملكة المصابن الفلسطينية، ذلك أن المنطقة المحيطة بها هي الأكثر كثافة بزراعة الزيتون في فلسطين. ولا ينسى المؤلف أن يورد شواهد شعرية من محمود درويش وسميح القاسم تعلي من قامة هذه الشجرة الرمز، فلا شيء منها يضيع، فبعد عصر الزيتون تُستخدم كَسر نواته وغصيناته علفاً للماشية أو وقوداً للتدفئة، ويسهل إشعال كسر نواة الزيتون ويسمى الجفت، نظراً لاحتوائه بقايا الزيت.
ويردنا السومي في أثره الفذ عن الزيتونة تاريخاً وحضارة وفائدة إلى من صُنع من خشبها مسابح وصلبان وتماثيل لمريم العذراء والرعاة وقطعانهم وللقديسين، فمشاغل نحت خشبها تطورت إلى درجة عالية إذ أدخلت شركة تمارة وكساب الآلات.
وعن المطبخ الفلسطيني بزيت الزيتون، يلح السومي على أن لفظة «زيت»، في فلسطين تعني حصرياً زيت الزيتون، وأن الزيت والزعتر معاً هو الفطور الشائع عند أهل فلسطين، فالزيت زيت الزيتون في الزعتر مزيج مميز من نوع من الزعتر المرقوشي ينبت في فلسطين ولبنان الجنوبي، ولهذا الفطور بديل هو المناقيش، فيما غالباً ما تحضر النساء لأولادهن عروسة زعتر، فالزيت والزعتر منشطان للذاكرة، و الدورة الدموية ما يحفز الذاكرة، وفي السمسم الفوسفور الضروري لتغذية النخاع الشوكي والدماغ. ولا تخلو الأطباق الفلسطينية من صلة بالزيت، كما في الحمص والمتبل واللبنة والفول والشنكليش والفطاير والمقالي والمقلوبة والعجة والمسخّن، إضافة إلى الحلويات كالعوامة.
ويفرد سومي فصلاً خاصاً بالشجرة تحت الاحتلال، فالسياسة التي تنتهجها إسرائيل هدفها تغييب الثقافة الفلسطينية وتحتها تندرج شجرة الزيتون الضاربة جذورها في تربة البلاد منذ آلاف السنين، فمنذ 1967 اقتلع الاحتلال ما يزيد على مليون ونصف المليون شجرة زيتون إمعاناً في طمس ثقافة السكان الأصليين. كتاب سومي في زيتونة فلسطين حفر وتنزيل، وهو مزين بعشرات الصور الملونة الأخاذة التي تناثرت على 149 صفحة من القطع الموسوعي.