| 

دمشقي المولد، لبناني الإقامة، ناصري الأصول. فهو، والحال هذه، يشبه المسيح، ابن بلدته، الذي كان ناصري الأصول، تلحمي الولادة، آرامي الثقافة. وفي منزل نقولا الشامي بحي القرشي في دمشق كانت ولادته، وسمي نقولا تيمناً بصاحب المنزل، ثم بعيد مارنقولا، شفيع الحجاج، الذي يوافق السادس من كانون الأول في كل عام. وكثيراً ما كان نقولا الفلسطيني يردد ان نيقولاوس الارثوذكسي، أي مارنقولا، اشتهر بحمل الهدايا إلى الأطفال في أعياد الميلاد في 25 كانون الأول من كل عام. لكن الغرب البروتستانتي سرقه منا وسماه سانت كلوز هنا، وبابا نويل هناك، وبابا كريسماس هنالك، ونسي الناس القديس الأصلي للميلاد.

******
عرف نقولا زيادة سلطان الموت مبكراً، وذاق ســـطوة هذا الألم المر مراراً. فقد مات والده في دمشق في سنة 1916. ومـــات صديق طفولته فريد الصيقلي في دمشق أيضاً. ثم ماتـــت خالته صوفيا بالكوليرا في طولكرم فسجاها بيديه. ومات شقيقه قسطنطين صغيراً. وقتل خاله سامي بانفجار لغم صهيوني في العفولة. لكن الموت الأشد لوعة كان موت والدته في نابلس سنة 1925. وبموت والدته صار وحيداً وعارياً في هذه الدنيا.
عاش، إذاً، في بيت لا رجل فيه، فلا أب ولا خال ولا عم، حتى أن عمه رشيد الذي أرسلته «دار الأيتام السورية» في القدس (شنلّر) إلى ألمانيا لدراسة فن الخياطة لم يعد إلى فلسطين وبقي في ألمانيا حتى وفاته في سنة 1936 بعدما خلّف ابناً دعاه «هاينز»، أي زيادة. أما خالته فرحة التي كان القساوسة اليونانيون ينادونها «فرخة» فقد غادرت فلسطين إلى مصر، وعاشت في الاسكندرية وغيرت اسمها إلى مينيرفا.
في دمشق دفن والده في مقبرة مار جريس لأنــه «خرستيان» بحسب اللسان التركي الدارج آنذاك. وفي دمـــشق رأى أول سيارة في حياته هي سيارة جمال باشا. ولعل طفـــولته في دمشق جعلته يحتفظ لهذه المدينة بحنين لاهب، فلـــم ينس «جنينة الحليب» في باب توما التي كثيراً ما لعــب في أرجـــائها، وظل يسأل عن موقعها في زياراته المتكررة إلى دمشق، فلم يعثر عليه حتى سنة 1978 حين كان في سيارة أجرة، وكان السائق متقدماً في السن. ولما سأله عنها دله السائق عليها عند مدخل شارع حلب وقد تحولت إلى محطة لبيع الوقود. فسالت دمعة على خده، ورفض السائق أن يتقاضى الأجرة منه.

******
في 15 أيار 1948 صار نقولا زيادة بلا وطن وبلا دولة وبلا عمل، فانهمك في مواجهة أقداره، وفي مقارعة أيامه. وفي خضم هذه المصائر المتعاكسة توفي شقيقه ألفرد الذي كان يدعى «ألف قرد» لشقاوته إبان الطفولة، ثم ماتت زوجته مرغريت شهوان بالسرطان. ولعل إنجازاته المهمة والمتعددة في التاريخ والفكر السياسي والرحلات كانت تحدياً لأقداره، ووسيلة لمواجهة مصائره القاسية. وربما تغلب على هلع الموت وحيرة الغيب بالعيش مئة سنة إلا أربعة أشهر، بينما كان يعدنا بتدشين قرن جديد في عمره المديد.
يروي في مذكراته الموسومة بعنوان «أيامي» (لندن، 1992) انه زار بشري في رحلته المشهورة مع درويش المقدادي في سنة 1925، وقد وجد في هذه القرية الصغيرة سبعة وثلاثين رجل دين، وعرف، آنذاك، لماذا كتب جبران خليل جبران كتابه المشهور «خليل الكافر».
كان يدرج نحو المئة بفرح غامر، ويخطط لأيامه المقبلة بنشوة الأيام الاولى. وفي لقاء معه بصحبة صديقة اميركية تدعى روشيل دايفيز، والتي يحلو لها ان تعرّف نفسها بأنها بدوية فلسطينية من «تشاليفورنيا»، قال لي انه تعاقد مع احدى دور النشر اللبنانية على كتاب سيصدر في سنة 2007، أي عندما يبلغ المئة. وحينما قلت له مازحاً: «وماذا لو غادرتنا إلى الرفيق الأعلى قبل المئة؟»، نظر إليّ بابتسامة وقال: «بحفظ...»، واشار إلى قفاه. وتابع قائلاً: «إذ مت فسيخسر الناشر ما دفعه على الحساب، وإذا عشت فسأربح أنا الكتاب وما بقي من المبلغ».
هكذا عاش نقولا زيادة ضاحكاً وساخراً معاً. عاش في هذه الدنيا نحو قرن من الزمان، وهو أسوأ قرن وأروع قرن في تاريخ العرب المعاصر، فكم ارتفعت بنا في خضم هذه الفترة العاصفة أحلام جسورة، وكم انحطت بنا هزائم كثيرة. لكن نقولا زيادة اجتاز هذه المرحلة الصاخبة وفي فؤاده ثلاث حسرات، وفي روحه متع كثيرة. أما الحسرات ففقدانه والده صغيراً وفقدان وطنه فلسطين ثم فقدان زوجته مرغريت شهوان.
أما المتع التي لم يبرح جائلاً في أرجائها فهي الحسان والسفر ومتعة الحروف والكتابة.

******
عرفت نقولا زيادة، أول مرة، في مقر الموسوعة الفلسطينية في بيروت. كنا نفراً لم يتجاوز العشرة نتحلق حول أنيس صايغ الذي كان يرعى بالجهد والعذاب مشروع الموسوعة مثلما رعى بالدم وبالأصابع المقطعة مركز الأبحاث الفلسطيني.
 وكان نقولا زيادة كبيرنا وصديقنا وزميلنا في آن، وإني إذ أذكره الآن، اتذكره وقد دخل علينا في مكتب الراحل قسطنطين خمار الذي كان يباسطنا ويروي لنا نكتة فيها بعض الكلام المكشوف. وتوقف خمار عن الكلام وهب واقفا ليسلم عليه. ثم رحنا نحثه على إكمال النكتة، غير ان خمار اضطرب واحمر ولم يكمل نكتته إلا عندما غادر نقولا زيادة المكتب. وحينما سألناه: لماذا توقفت عن سرد النكتة مع ان الدكتور زيـــادة مشهــــور بأنه إذا بدأ الكلام المكشوف فلا يتوقف، اجاب: عيـــب. لقد كان استاذي في عكا. ولعلم من لا يعرف. فإن هذه الواقعة حدثت في ســنة 1984 حينما كان قسطنطين خمار في الثالثة والسبعين ونـــقولا زيادة في السابعة والسبعين، أي أكبر منه بأربـــع سنوات فقط. فتخيلوا هذا الطراز من الأفراد الذي ظل حـــتى وهو في الثالثة والسبعين يحفظ للمعلم القديم احـتراما متجـدداً لا مثيل له.

******
خانته أقداره فلم تــصل بـــه إلى تمام المئة، ورحل في معمعان حرب تموز 2006 الهمجية. ولـــعل من حسن حظه انه لم يشاهد ما نشاهده اليوم في أوطانه الثلاثة: فلسطين وسوريا ولبنان.