| 

لمع في تاريخ الناصرة أعلام كبار ملأوا الدنيا بأسمائهم وإبداعهم. وربما يحلو لنا في هذا الميدان أن نتذكر مريم والدة يسوع المسيح، مع أن أصلها من صفورية، أو يوسف النجار خطيب مريم وهو ناصري، أو المسيح بحسب مسقط الأب، لا من حيث مولده في بيت لحم. لكن، لو تركنا التاريخ القديم جانباً، لقرأنا في التاريخ الحديث للناصرة أسماء مهمة جداً مثل خليل بيدس، رائد القصة في فلسطين ورائد الترجمة عن الروسية ووالد عبقري المال يوسف بيدس مؤسس بنك انترا في لبنان. وكذلك فؤاد نصار الشيوعي المعروف (مولود في بلودان)، والشاعر مطلق عبد الخالق، والمؤرخة كلثوم عودة التي عاشت في روسيا وماتت فيها، علاوة على توفيق زيّاد ومي زيادة (والدها من شحتول في لبنان ووالدتها من آل معمر في الناصرة) ونبيه أمين فارس المؤرخ الكبير (أصل والده من بحمدون في لبنان) والمؤرخ نقولا زيادة (المولود في دمشق)... وكثيرون غيرهم. غير أن واحداً من أبناء الناصرة (أصل والده من ترشيحا) تميز عن هؤلاء جميعاً بإنجازاته اللامعة في السياسة والفكر والأدب والثقافة وبناء المؤسسات العلمية، حتى صار منارة تستضيء بكتاباته أجيال وعقول. إنه عزمي بشارة الظاهرة المتفردة بين فلسطينيي 1948، والشخصية الفريدة في العالم العربي أيضاً، والذي جعل الفكر والثقافة والسياسة والرواية والشعر تويجات جميلة في زهرة واحدة تفوح كأقحوان الجليل.

******
عزمي بشارة شوط متميز في مسيرة طويلة لأعلام فلسطين الكبار، فهو شاعر ومفكر وسياسي وأديب ولاجئ وفلسطيني وكاتب وروائي. ولو جُمِعت أوائل هذه الكلمات لتألفت منها عبارة «شمس الفكر». وبالفعل، فإن أفكار عزمي بشارة كثيراً ما أنارت سبلاً وأضاءت مسالك.
يحمل عزمي بشارة معه، أنّى ارتحل، فكراً ثاقباً وإرادة محمومة في البناء والتأسيس، وانغماراً في معالجة القضايا الكبرى لشعبه الفلسطيني وأمته العربية. فكتبه صارت مصادر في ميادينها المعرفية ولا سيما «المجتمع المدني» و«من يهودية الدولة حتى شارون» و«في المسألة العربية» و«الثورة التونسية المجيدة» و«في الثورة والقابلية للثورة» و«هل من مسألة قبطية في مصر؟» و«النهضة المعاقة» و«أن تكون عربياً في أيامنا» و«العرب في إسرائيل: رؤية من الداخل» و«الانتفاضة والمجتمع الإسرائيلي»، علاوة على روايتيه «الحاجز» و«حب في منطقة الظل» ثم «نشيد الإنشاد الذي لنا» (شعر). وفي جميع هذه الميادين كان ولاؤه دائماً لشعبه وليس لأي جماعة أو مجموعة أو فئة أو دولة.

******
لعل عزمي بشارة مرصود دائماً للتأسيس وإعادة التأسيس. ففي فلسطين أسس حركة «ميثاق المساواة» ثم التجمع الوطني الديموقــراطي» ومجــلة «فصل المقال» وموقع «عرب 1948»، والأهم من ذلـــك كله، وبسبب ذلك كله، أسس تياراً عربياً ديموقراطياً متـــصادماً مع إسرائيل بقوة، وأرغم المجتمع الإسرائيلي على الاســـتماع إلى فلســـطينيي الداخل بآذان جديدة، ودفع الفلســـطينيين أنفسهم إلى تعريف ذواتهم بطريقة فيها كثير من الـــكرامة والمواجهة. وفي منفاه القسري لم تهدأ أشرعته على الإطلاق، بل انطلق بها إلى أفق جديد، فأسس «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» وأطلقت ثلاث مجـــلات هي «عمـــران» و«تبين» و«سياسات عربية» (تصدر في مطلع 2013)، وها هو يسير نحو تأسيس معهد جامعي من مستوى رفيع.

******
مثل ربان المراكب الجامحة، يصرخ عزمي بشارة في الموج، وينهر شياطين اللجج المالحة: «أنا هنا بلا زمن... لا تخيفني شمس المنفى» .أما أنا فقد أنبأني العرافون ان تلال الناصرة وأسوار عكا وأمواج البحر في يافا وغابات الكرمل في حيفا قد اشتاقت له ولعودته، مع أنه لم يغادرها قط، فما زال صوته يتردد في تلك الهضاب المتماوجة: «أنا فلٌّ في الزريعة المنزلية... حبقٌ في صفائح الفقراء».