| 

تأثرت الحركات والأحزاب الفلسطينية بواقع ما بعد نكبة 1948 وقيام الكيان المحتل، ثم بنتائج عدوان 1967، فكيّفت أساليب عملها وبرامجها وفق المتغيرات الإقليمية والدولية وبحسب رؤيتها الإيديولوجية والفكرية لوسائل النضال الأنجع، فيما بقي هدف تحرير الأرض وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة محور تحركها وموجه نشاطها ومبرر وجودها.
وقد انضوت غالبية هذه الفصائل، باستثناء الإخوان المسلمين، في إطار منظمة التحرير التي أخذ ميثاقها القومي عام 1964، بناصية المقاومة والكفاح المسلح ضد الاحتلال «طريقا وحيدا لتحرير فلسطين» بوصفه استراتيجية وليس تكتيكا، وبحدود فلسطين التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني كوحدة إقليمية لا تتجزأ، وبتصفية الوجود الصهيوني في فلسطين واعتبار الصهيونية «حركة عنصرية توسعية استيطانية معادية لحركات التحرر الوطني»، وبدولة ديموقراطية ذات نظام برلماني كما أقرها المجلس الوطني في عامي 1970 و1971 في القاهرة، وأكدها إعلان الاستقلال لعام 1988 في الجزائر، فيما جسدتها بنود مسودة دستور دولة فلسطين. كما أعلن حينها عن إنشاء جيش التحرير الفلسطيني لخوض معركة التحرر، فسيطرت حركة المقاومة، المؤلفة من تنظيمات سياسية مسلحة متعددة الإيديولوجيات والرؤى، على المنظمة وعلى الساحة الفلسطينية في تلك الفترة.
استلت الفصائل الفلسطينية من ركائز الميثاق أسّ برامجها وأهدافها، فكريا وحركيا، كحركة فتح التي أطلقت رصاصة الكفاح المسلح الأولى ضد الاحتلال عام 1965، واستمرت تخوضه إلى أن حدث التحول في منهجيتها، مع أن تنظيمات مسلحة انبثقت في داخلها مثل صقور فتح والفهد الأسود خاضت عمليات مسلحة خلال انتفاضة 1987، ومثل كتائب شهداء الأقصى التي برزت خلال انتفاضة 2000 وفي أثناء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة 2008/2009. إضافة إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي شددت على تحرير فلسطين وإقامة الدولة على كامل ترابها الوطني وانتزاع حق العودة وتقرير المصير بالكفاح المسلح عبر جناحها العسكري «كتائب أبو علي مصطفى»، مقابل الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين التي تنادت لإقامة الدولة على حدود 1967 وعاصمتها القدس وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين وفق القرار الدولي 194 وإجراء مفاوضات مع الاحتلال لإحلال السلام عبر تطبيق قرارات الشرعية الدولية من دون إخماد سلاح المقاومة عبر ذراعها العسكرية «كتائب المقاومة الوطنية». فيما نادت الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة بقومية القضية وبالثورة المسلحة ضد الاحتلال، وطالبت الجبهة العربية الفلسطينية بإقامة الدولة وبناء مجتمع مدني ديموقراطي وحل قضية اللاجئين وفق القرار 194، بالإضافة إلى وجود تنظيمات أخرى متباينة في وزنها السياسي وحضورها الجماهيري.

تحوير الصراع
بيد أن تحويراً طال إدارة الصراع مع الاحتلال، إثر عدوان 1967 وتغير ميزان القوى لمصلحة الاحتلال، ثم خروج المنظمة من لبنان وتذرع الأنظمة العربية باستحالة القضاء على الكيان الإسرائيلي وولوجها مسار التسوية الذي أنجب معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية في عام 1979، واتفاق أوسلو عام 1993 ومعاهدة وادي عربة عام 1994، فطرح على الساحة الفلسطينية في منتصف سبعينيات القرن المنصرم خطابا اعتمد برنامج التسوية أساسا لإقامة الدولة على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967 إلى جانب الكيان الإسرائيلي، مسقطاً الشطر الأكبر من عملية التحرر الوطني ومكتفيا بهدف تحصيل كيان سياسي لا يطابق الوطن في حدوده التاريخية والجغرافية، ما يعني الإقرار بوجود الكيان المحتل وخروج الأراضي المحتلة عام 1948 من جغرافية فلسطين ومن نطاق التحرير ودخولها في إطار المطالب بالديموقراطية والمساواة وحقوق المواطنة داخل الكيان الإسرائيلي.
على الطرف الآخر، برز خطاب حركتي الجهاد الإسلامي وحماس المحتكم للمرجعية الإسلامية والمطالب بتحرير كامل أرض فلسطين التاريخية، باعتباره، لدى حماس، حلاً تاريخياً مؤجلاً يتوازى مع الحل المرحلي المعجل الذي يقوم على إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربيةوقطاع غزة بحدود عام 1967 من دون الاعتراف بأحقية الكيان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة عام 1948، ومن دون التخلي عن تحرير كامل فلسطين. وقد تواتر الحل المرحلي على ألسنة قادة حماس، وكان آخرها تصريحات رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل في أثناء توقيع «اتفاق المصالحة الفلسطينية» في القاهرة في 4 أيار 2011. وترفض الحركة تفسير موقفها الذي يقبل «حل الدولتين» الذي اختطته منظمة التحرير، بفصائلها وقواها المنضوية في إطارها باعتباره مدخلا للمراجعة وإنما إدراكا لطبيعة المتغيرات القائمة عبر الأخذ بالمنطق التدريجي من دون التنازل عن الثوابت والمبادئ الأساسية التي تحتكم إليها.
لكن حماس احتاجت وقتاً لاتخاذ قرار المواجهة العسكرية ضد الاحتلال، بعد الانتقال من مرحلة «المساجد» التي وسمت الفترة الممتدة حتى السبعينيات، إلى مرحلة «المؤسسية» الممتدة حتى أواخر الثمانينيات، وبعد تجاذب في داخل صفوفها، حُسم قياديا لجهة تبني النضال المسلح، والانخراط في انتفاضتي العام 1987 والعام 2000، إلى جانب الفصائل والقوى الفلسطينية.

أوسلو: لحظة التحوّل
شكل اتفاق أوسلو نقطة تحول حاسمة في تكوين الحقل السياسي الفلسطيني وتغيير قواعد اللعبة السياسية فيه وتحديد مفرداته ومواجهاته وتحدياته، محدثا تشوهات في النظام نفسه بسبب إشكاليات نشأته وفق أوسلو وليس تتويجا لنجاح المشروع الوطني في بلوغ غايته بإقامة الدولة، فخلق سلطة منقوصة السيادة ومحدودة الصلاحيات ومكبلة بقيود الاتفاقيات الموقعة التي تفرض التزامات على الجانب الفلسطيني فقط، منها الاعتراف بالكيان المحتل من دون إقرار الأخير بالحقوق الفلسطينية، والتخلي عن الكفاح المسلح واعتماد استراتيجية التفاوض وملاحقة عناصر المقاومة، وتعديل الميثاق الوطني للمنظمة عام 1996، تلبية لمطالب أميركية ـ إسرائيلية، لجهة إلغاء بنود تتحدث عن حدود فلسطين التاريخية والكفاح المسلح طريقا لتحرير فلسطين، وتصف الصهيونية كحركة عنصرية توسعية. وقد خلا أوسلو الذي ناهضته الفصائل حتى بعض تلك المنضوية في إطار المنظمة، من ذكر الدولة الفلسطينية، إلا ما استقر في ذهنية القيادة الفلسطينية، مكتفيا بإيراد مسائل الوضع النهائي، دون تقديم حل لها بل وفر فترة انتقالية لبناء الثقة المتبادلة التي من شأنها أن تمهد الطريق للحل. غير أن السلطة مضت في استكمال بنى حكمها الذاتي على المناطق المجزأة استيطانا وسلبا، والمفتقرة للكيانية السيادية المستقلة، وسط انتقادات طالت أداءها، فسعت إلى نقل عملية صنع القرار السياسي من أطر المنظمة إلى دوائر ووزارات تابعة لها، وتشكيل قوة أمنية مسلحة محدودة، ومحاولة بناء نظام سياسي قادر على توفير بيئة قانونية ودستورية لملء الفراغ الذي تركه الاحتلال، ولكنه اتسم بغياب المرجعيات القانونية وسيطرة الفصيل الواحد وتهميش السلطتين التشريعية والقضائية، ما أدى إلى إضعافه وتداخل السلطات، وليس فصلها، والتحكم بسياسة التعيينات، بشكل يضمن إدامة علاقات من السيطرة على المجتمع وتجمعاته السكانية التي تعاني أصلا من التفتيت الجغرافي بفعل الاستيطان والجدار العنصري والطرق الالتفافية.

معضلة السلطة
وجاء قرار إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في العام 1996، وسط مقاطعة غالبية الفصائل، لاستكمال بناء الحكم الذاتي، فأسفرت عن فوز حركة فتح برئاسة السلطة وبأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، وبالتالي الهيمنة على مواقع النفوذ والقرار في السلطة التنفيذية وأغلب المؤسسات العامة والأجهزة الأمنية من خلال شخصيات تتبعها أو من أنصارها والموالين لها بحيث باتت تتمتع بامتيازات، مما أوجد تداخلا شديدا بين فتح ومؤسسات السلطة، وأشاع سخطا شعبيا ترافق مع تردد تهم انتشار الفساد داخل أجهزة السلطة، مما انعكس تراجعا في تأييدها لصالح المعارضة الإسلامية، برز في الانتخابات المحلية وصولا إلى انتخابات المجلس التشريعي التي جرت في العام 2006 بمشاركة حماس ومقاطعة الجهاد الإسلامي، وأظهرت نتائجها فوز حماس بغالبية المقاعد، وتأليفها الحكومة منفردة، بعد رفض فتح المشاركة فيها، الأمر الذي أدى إلى ضرب طوق وحصار دولي وإقليمي عليها، حتى بعد تأليف حكومة وحدة وطنية مع فتح لم تدم إلا ستة أشهر، إذ ما لبثت أن انهارت بسبب الخلافات الحادة التي نشبت بين الحركتين، والتي تصاعدت حد الاشتباكات المسلحة التي أسفرت عن سيطرة حماس على قطاع غزة في منتصف حزيران 2007، ودخول المشروع الوطني الفلسطيني في مأزق خطير بفعل استمرار الانقسام وتعثر خطوات المصالحة حتى اليوم.
أفرز خلاف فتح وحماس، المستمر على الرغم من الجهود العربية للمصالحة، الحركة الوطنية والداخل الفلسطيني إلى قطب يدعو للتسويات وإخضاع القضية لموازين القوى فقط، مقابل آخر يتبنى خط المقاومة، مما أدى إلى «فقدان الاتجاه» و«ضياع البوصلة» في قيادة المسار الوطني، وشكل مأزقا تاريخيا حقيقيا، عدّ، أيضا، نتاج تشكيل حماس حكومة تعمل تحت الاحتلال وتفتقر للاستقلالية والسيادة والإيفاء بالالتزامات، وسط حصار غزة المحكم إسرائيليا والضغوط الدولية الإسرائيلية على الحركة لتلبية شروط اللجنة الرباعية، المتمثلة في الاعتراف بالكيان الإسرائيلي وبالاتفاقيات الموقعة معه سابقا ونبذ ما تسميه «العنف»، والتي ترفضها حماس.

التحول
ألقى الانقسام بتبعاته السلبية على مفاصل المشهد الفلسطيني، فأحدث نقطة تحول أخرى في بنيوية النظام السياسي، مصحوبا بفشل عملية السلام بسبب التعنت الإسرائيلي، وعجز السلطة عن تحصيل الحقوق الوطنية، وقيام الاحتلال بإضعافها وضرب بنيتها التحتية، رغم انسحابه أحاديا من قطاع غزة عام 2005، بفعل المقاومة والتخلص من العبء العسكري الأمني، مقابل إحكام السيطرة على الضفة الغربية المحتلة.
مع انسداد الأفق السياسي وتعثر خطوات المصالحة وتفاقم الأزمة الاقتصادية، وليدة الاحتلال والاحتكام لتجليات أوسلو المجحفة والارتهان لسياستي صندوق النقد والبنك الدوليين، فقد خرجت مؤخرا تظاهرات شعبية عارمة في الضفة الغربية المحتلة بعدما بلغ الحال سوءاً خطيراً أمام عجز السلطة عن مواجهة التزاماتها المالية وارتفاع أسعار السلع الأساسية والمحروقات، وتفشي البطالة والفقر والإغراق في الديون والقروض والأنماط الاستهلاكية، وتضرر القطاع الخاص، وتراكم العجز واعتماد المؤسسات على تبرعات المانحين، وابتزاز المال السياسي الأميركي، والخلل في هيكلية الموازنة العامة للسلطة، حيث يذهب 34% من إجمالي 3,6 مليارات دولار للأمن، ضمن عقيدة أمنية، استثنائية لسلطة تحت الاحتلال، تشمل حماية زهاء نصف مليون مستعمر في 180 مستوطنة وتأمين مستلزمات التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال وملاحقة عناصر المقاومة وتوفير متطلبات الجنرال الأميركي وعناصره في الضفة الغربية المحتلة.
ولا شك في أن الاحتلال يشكل عنصرا أساسيا في المأزق الراهن عبر استعماره فلسطين وسيطرته على مواردها الطبيعية وتحكمه في المعابر والحدود والحركة والتنقل، ومواصلته سياسة الاستيطان والتهويد والعدوان ضد الشعب الفلسطيني، إلا أن مفاعيل أخرى تدخل في سياق الأزمة، ومنها استمرار الانقسام والدوران في حلقة جلسات المصالحة الممتدة بلا نهاية على حساب أهداف التحرير وتقرير المصير والإضرار بالمشروع الوطني، وانشغال القيادة الفلسطينية بمسعى أممي لن يقيم الدولة ولن يغير الواقع القائم على الأرض الآخذة بالتآكل التدريجي، بما عد دوافع التحركات الشعبية التي تأتي ضمن مسار ثوري للتغيير، حتى وإن اتسم بالبطء تارة، وبالخمود والسكون طورا، فما لم يتم إحداث تغيير جذري في السياسة الفلسطينية، وعودة برامج الفصائل إلى عهدها الأولي، ووضع استراتيجية وطنية موحدة تأخذ بناصية المقاومة، وفي مقدمتها النضال المسلح، ضد الاحتلال، فإن البيئة الحاضنة للتصعيد ستظل قائمة ومرشحة للانتقال إلى غزة أيضاً.

كاتبة من الأردن.