| 

كان في إمكان أي شخص أن يرى على جدران مدن الضفة الغربية العبارة التالية: «لا لكرزاي ثانٍ في فلسطين». بهذا التكثيف المستحضر للتجربة الأفغانية الحية في المخيلة وقتها، أكد كاتبو العبارة رفضهم تولي محمود عباس منصب رئاسة الوزراء في عهد الرجل القوي والمؤسس للسلطة، ياسر عرفات؛ مرت سنوات لم تكن كافية ليفعل الزمن فعله بالذاكرة، يُمسح الشعار ويُكتب على الجدار ذاته: «خلف قيادتنا الشرعية محمود عباس».
المنافسة على الجدار كانت تحتاج إلى أكثر من مجرد أدوات طلاء لشعب اعتاد الأسطرة، ليمنح تأييده ويكمل بما أوتي من خيال نسج الأسطورة؛ كانت الأسطورة هذه المرة هي «الأمن والأمان»، ملحقة بعبارة «القضاء على عسكرة الانتفاضة»، في مزاوجة تشي بالكثير.

فياض: أسطورة رجل الاقتصاد
احتاجت أسطورة الأمن لرديفها كي تحلق كفينيق جديد، «إنه الاقتصاد أيها الغبي»، باستعارة شعار حملة بيل كلينتون. وهنا تقدم سلام فياض بخلفية اقتصادية مميزة تعرفها دول العالم الثالث جيدا، ففياض عمل في رئاسة البنك الدولي بواشنطن، وتقلد وظيفة مستشار المدير التنفيذي، وانتقل في عمله من البنك الدولي إلى صندوق النقد الدولي.
«مارشال الفلسطيني»، أو كما وصفه الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس بـ «بن غوريون الفلسطيني»، لم يعطه الشعب الفلسطيني أكثر 1,20% من مجموع الأصوات في انتخابات المجلس التشريعي لعام 2006، ولكن هذه النسبة لا تعني شيئًا للغرب الذي يمجد الديمقراطية، ما دام الرجل هو الأكثر قدرة على التحدث بلغتهم كما وصفه داني أيالون، السفير السابق «لإسرائيل» في الولايات المتحدة.
أصبح فياض وزيرًا للمالية في أول حكومة وحدة وطنية جمعت حركتي «حماس» و«فتح» في 16 آذار 2007، واختير كحل وحيد موثوق به من الغرب للمساعدة على إنهاء الأزمة المالية، وقد أخذت الماكنات الإعلامية المحلية والدولية تقدم المخلص الجديد للشعب الفلسطيني وللعالم، حتى وصفه الصحافي البريطاني، روجر كوهين ، بأنه أهم ظاهرة في الشرق الأوسط.
في 25 آب 2009، كشف فياض عن تفصيلات خطته لإقامة دولة فلسطينية في غضون أقل من عامين، ونشرت الحكومة الفلسطينية ما سمته بـ «وثيقة فلسطين: إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة»، التي تعرض برنامج عمل الحكومة في بناء مؤسسات هذه الدولة، بما يضمن إقامتها فعلاً.
سرعان ما انهارت أسطورة الاقتصاد حين اصطدمت بالحقيقة الأكثر بداهةً، وهي أنه لا يمكن للاقتصادي أن يسير على قدمين، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وهو مفصول عن السياسي. فالسلطة التي تحكم ما لا يزيد على 18% من مساحة الضفة، وتربطها بـ «إسرائيل» اتفاقيات تحول دون التحكم في السلع الأساسية بموجب «اتفاقية باريس»، (نشـــأت عن ذلك مفارقة كبيرة، إذ إنَّ المواطن الفلسطينيّ يشتري الســـلع الاستهلاكيّة بأسعار السوق الإسرائيليّة، مع أنّ معدّل الـــدخل الشهري للعامل الإسرائيليّ يعادل أربــــعة أضعاف معدّل الدخل الشهريّ للعامل الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة).
وصلنا إلى نهاية أسطورة النمو الخادع وغير القابل للاستمرار، كما أكد تقرير «الأونكتاد» الاقتصادي، والذي أشار إلى عدم إمكانية تحقيق تنمية في ظل الاحتلال، ولا إيجاد حل للمسألة الاقتصادية دون السيادة والاستقلال.
حراك أيلول وتفكيك الأساطير
لكي نفهم حراك أيلول، علينا أن نعود بالذاكرة إلى الوراء قليلاً، تحديدًا لليوم الذي خرج فيه عشرات الشبان في مدينة رام الله للاعتراض على زيارة شاؤول موفاز إلى مقر الرئاسة (المقاطعة) في رام الله. صحيح أن الحراكات الشبابية قد مر على وجودها في الشارع ما يقارب السنتين، إلا أن هذه المسيرة تعتبر الفارقة، لأن لا شيء كالقمع يخدم المعارضة.
ستخدمت قوات الأمن الفلسطينية القوة في ردع المتظاهرين عن التوجه إلى مقر «المقاطعة»، فعاودوا الكرة في يوم آخر ليقمعوا بعنف أشد، فأعلنوا عن مسيرة حاشدة إلى مقر «المقاطعة» تنديدًا بالقمع، شاركت فيها ولأول مرة فئات لم تكن تنتمي لهذا التجمع الشبابي الذي اعتاد سكان رام الله على رؤيته؛ شكلت (لحظة موفاز) قطيعة مع الاحتواء الناعم الذي انتهجته السلطة في بادئ الأمر مع الحراكات، خصوصا في مدينة رام الله، لقد ساهمت صور القمع في حشد الناس واستثارة غضبهم، وبدا واضحا أن التناقض الثنائي الذي عاش على الانقسام لم يعد ثنائيًّا بين (سلطة/حزب معارض)، بل هذه المرة بين جموع غاضبة بمجملها، عابرة للفصائلية، ما ينظمها هو الكرامة والغضب.
أسست «لحظة موفاز» للخروج بوصفه مقدمة للعمل الثوري، الخروج الذي يعني خروجا من السلبية والمشاهدة البيتية إلى الميدان العام، ويعني أيضا الخروج على قواعد اللعبة التي أسستها السلطة لإعادة إنتاج الوضع القائم، فلم يكترث المتظاهرون بنداءات الناطق باسم الأجهزة الأمنية، اللواء عدنان الضميري، حين دعاهم للتظاهر من دون التوجه لمقر «المقاطعة» بصفته محيطا أمنيّا يحظر الاقتراب منه في جميع دول العالم بحسب وصفه. بالنسبة إلى المتظاهرين، كانت «المقاطعة» بجدرانها المرتفعة تمثل رمزا سلطويّا لا بد من الوصول إليه، أكثر من كونها مكانا أو «بيتا للضيافة».
تكمن أهمية مدينة رام الله في مقاربة المشهد الاحتجاجي للسبب نفسه الذي يجعل السلطة تهتم بها كمدينة تقدم على أنها النموذج المثالي لشكل بناء المؤسسات وحياة الاستقرار، فالاحتجاج في رام الله، وإن كان أقل كثافةً من المدن الأخرى، إلا أنه يواجه المنظومة السلطوية في المكان الذي راهنت عليه.
إن أي عمل ثوري هو بحكم التعريف، التقاط ذكي للمطلبي وتوسيعه أفقيّا وعموديّا؛ أفقيّا بتوسيع رقعة الاحتجاج لتشمل مدنا وفئات أوسع، وعموديّا بتعميق المطلبي ليتحول إلى سياسي يرى ما خلف الاقتصادي ويمسكه، وهذا ما نجحت فيه الحراكات الشبابية التي التقطت احتجاج سائقي المواصلات العمومية على غلاء أسعار المحروقات، لتصل بها إلى تناقض واضح مع «اتفاقية باريس»، الشق الاقتصادي المكمل لاتفاقية «أوسلو»، هذه الاتفاقية التي كان بالإمكان مشاهدة الناشطين يوزعونها بلغة عامية مفهومة على الناس في الشوارع، أصبحت الإشارة إليها على مستوى المتداول اليومي، أمرا ملازما للأزمة الاقتصادية، وهذا بحد ذاته كان نجاحا، إذ سرعان ما يتبع هذا الاستنتاج استنتاج آخر يوصل إلى اتفاقية «أوسلو» بوصفها مهندسة للتبعية، فتصيب بقعة الاحتجاج المتسعة شخوص «أوسلو» والنظام الذي أفرزته «أوسلو».
لقد بدأت الحراكات الشبابية جهدها في الشهور التي خلت، بابتلاع شعار «إنهاء الانقسام»، والذي صكه المستفيدون منه، ولكن الحراكات سرعان ما أدركت أنه ولكي ينتهي الانقسام، عليها ألا تطالب المنقسمين بفعل ذلك، بل بتجاوز الحدث ذاته لخلق حدث جديد، فبدلا من الانحصار في شعار «إنهاء الانقسام» وترديده دون تبين ماهية هذا الشعار الفضفاض واللا-عملي، قفزت لتسائل السلطة عن مبررات وجودها، فإذا كان المبرر هو الأمن، فقد اختبر المحتجون مفهومه في (لحظة موفاز)، وتعرت أسطورته هناك، مع أنها كانت تتعرى يوميًّا مع اعتداءات المستوطنين التي لم تتخذ الأجهزة الأمنية الفلسطينية حيالها أي فعل؛ وإذا كانت الأسطورة هي الاقتصاد، فقد انسكبت مع أول لتر بنزين قيدته «اتفاقية باريس» بالارتفاع في دولة الاحتلال.
امتدت الاحتجاجات إلى مدن لم تكن رام الله من بينها، فارتفع سقف الهتاف المطالب برحيل رئيس السلطة محمود عباس وإسقاط النظام في مدينة الخليل، ونابلس، وبيت لحم، والتحقت رام الله متأخرة بهذه المطالب لاحقًا؛ وامتازت الاحتجاجات بانضمام فئات جديدة كأبناء الأحزاب والمجموعات الشبابية المختلفة، والتجمعات النقابية، والأفراد المستقلين، وهي بذلك لم تبق منحصرة بأبناء الطبقة الوسطى الجديدة كما كان يحدث سابقا، بل توسعت لتشمل الطبقات المهمشة بوصفها الأكثر تضررا من التردي في الحالة الاقتصادية.

في البدء كان «الكاوتشوك»
لم تكن سنين بناء المؤسسات لتمضي دون أن تمس جزءا من الثقافة الفلسطينية، ووجد الشارع الفلسطيني نفسه فجأةً، ولأول مرة، يعيش نقاشا حول «الكاوتشوك» وإحراقه، أقصد البعد الثقافي للنقاش من دون أن يدخل ضمن هذا النقاش السياسي أو التكتيكي الذي يرد الأمور إلى منفعتها وأوقاته، وهذه الحالة بدون تعسف تصلح للدرس بوصفها السطح لبنية «أوسلو» التحتية.
لقد أصبح هناك أنوف تتحسس من رائحة «الكاوتشوك» وتتحدث عن البيئة والضرر الناجم عن إحراق «الكاوتشوك»، مع التشديد على السلوك الحضاري في التعبير عن الرأي. و«الكاوتشوك» كما الجدار، واحد من رموز الانتفاضة المقدسة، وفي حين انتهك الثاني ليحمل شعارات الشرعية، بقي الأول رمزا يختصر بلاغة الرفض في دخان أسود متصاعد وشارع مغلق.. «مغلق لأغراض الصيانة مما أصاب البلد خلال العشرين عاما الماضية»، وهذه العبارة حملتها إحدى لافتات المسيرات الاحتجاجية في رام الله.

أي أفق للاحتجاجات؟
تكمن خصوصية السياق الفلسطيني مقارنة ببلدان الربيع العربي، في فرادة الحالة السياسية السلطوية قياسا بالأنظمة العربية، هناك غياب للنظام فلسطينيا، الذي خرجت الجماهير تطالب بإسقاطه عربيا، فليس ثمة نظام مايز نفسه عن دولة مستقلة، وأصبح بالإمكان إسقاطه ليحل نظام آخر مكانه، دون أن يمس ذلك بقاء الدولة ذاتها، بل هناك شبه نظام يعمل بمعزل عن دولة، تتحدد إيقاع حركته تقدما وتأخرا بمنظومة متكاملة من المانحـــين، ومــــشدودة بطـــبيعة الحال بطبيعة (التوتر/اللاتوتر) مع الاستعمار، هـــذا كله يجعل خصوصية الحراكات الاحتجاجية فلسطينيا في كـــونها تواجه جسما غير مكتمل، تنقصه مقومات النظام حتى نحـــكم عليه بالتشوه ثم يصبح بالإمكان اسقاطــه في ما بعد.
لذلك، أخذت الحراكات تفحص مفاصل هذا الجسم وتوجه إليها احتجاجها، لتصل بالتناقض بين السلطة وشعبها الى مداه الأقصى، وهو تناقض سيفرز بدوره الاستنتاج الأكبر في شأن مدى امكانية بقاء السلطة ذاتها، فلم تطرح الحراكات برنامجا بديلا وهو ليس بالأمر المطلوب من أي حراك كان، لأن الحراك الشعبي بحكم التعريف التقاء المختلفين مع السلطة وليس على السلطة، وإنما تكفلت الحراكات في العمل الدؤوب على تفكيك مقولات السلطة الكبرى، وهذا ما عليها المثابرة في انجازه، بالإضافة إلى دورها الطليعي في إحياء قضية الأسرى والدعوة لعودة المجلس الوطني الفلسطيني.
ليس في إمكان السلطة أن تناور كثيرا أمام الانسداد في أفق المشهد، فما من حلّ سياسيّ بعد محاولات الحصول على الدولة في الأيلولين، من العامين الحالي والسابق، وبعدما جرى خلق ثنائية (السياسة / المقاومة)، انهارت الأولى أمام حقائقها البديهية أي أن السياسة، بالتعريف، هي تتويج القوة للقوة التي على الأرض، أو بحسب وصف كارل شميت «القدرة على استكشاف العدو»، فليست طاولة المفاوضات إلا تتويجا لجهد أنجزته المقاومة على الأرض، وبذلك أنجزت الأساطير المؤسسة للسلطة مهمتها بفنائها، وكل جهد تقوم به الحراكات الاحتجاجية هو تسريع في دفن الأساطير وتشييعها إلى مثواها الأخير.

* صحافي وناشط مقيم في رام الله