| 

من الصعب فهم معوّقات تدفّق الحراك الثقافيّ في الناصرة من دون الإحاطة بالظروف التاريخيّة والسياسيّة، والموضوعيّة والذاتيّة التي أعاقت تحوّلها إلى مركز مدينيّ للفلسطينيّين الباقين في وطنهم بعد نكبة 1948. فقد بقيت الناصرة، كما هو معروف، يتيمة وحيدة مصدومة ومغرقة باللاجئين المهجّرين من القرى المحيطة، غير مهيأة للمهمة الجديدة، وقرّرت إسرائيل أن تقوّض منذ البداية، وبشكل جذريّ، أي محاولة لتحويل هذه البلدة الجبليّة الريفيّة الصغيرة إلى مدينة حقيقيّة، أيّ إلى مركز ثقافيّ واقتصاديّ، وبالتالي قوميّ للأقلية الفلسطينيّة. وكان أحد أضخم المشاريع الاستيطانيّة التي بادرت إليها القيادة الصهيونيّة في سنة 1958 هو إقامة مدينة «نتسيرت عيليت» على قمم الجبال الشرقيّة المحيطة بالناصرة، قاطعة الطريق باكرًا أمام نموها وتطوّرها المدينيّ، فبقيت بين بين، ما عادت بلدة، ولم تصبح مدينة.

عقد جديد من المحاولات
تشهد الناصرة في العقد الأخير، وعلى الأدق منذ سنة 2000، مبادرات ومحاولات عديدة لتنشيط الحراك الثقافيّ فيها، وتفعيل مؤسّسات ثقافيّة، أكثر من الفترات السابقة (باستثناء فترة السبعينيات التي شكّلت فيها سينما «ديانا» و«أمبير» و«المسرح الحديث» ونادي جمعية الشبان المســيحية ونادي «الصداقة» والمركز الثقافيّ البلديّ حالة من الحــــياة الثقافيّة النشطة)، إلا أنّ هذا الحراك الأخير لم يصـــل بعد إلى الزخم المنشود من «عاصمة الجماهير العربيّة في الـــداخل»، ولم يوفّر لها بعد مقوّمات الحـــياة الثقافيّة المدينيّة الأســاسيّة.
ولعلّ أكثر ما تفتقر إليه الناصرة من هذه المقوّمـــات المدينيّة، بالإضافة إلى افتقارها المتحف الوطنيّ والمسرح القوميّ ودور السينما، هي الجامعة، فقد عارضـــت الدولة العبريّة بعناد أي محاولة لتأسيس جامعة عربيّة في الناصرة، من منطلقات سياسيّة قوميّة مدركة الأهميّة الحاسمة للجامعة في بناء الذات القوميّة والنخب الفكريّة والأكاديميّة. ولعلّ افتتاح المؤسّسة الأكاديميّة في الناصرة، في سنة 2011، بعد موافقة «مجلس التعليم العالي الإسرائيلي»، يعد بداية لتحقيق مشروع إقامة الجامعة العربيّة في الناصرة، على الرغم من التحديات الجمّة الذي يواجهه هذا الصرح الجديد ماليًا ولوجستيًا وبشريًا. ومع هذا، تنشط في الناصرة العديد من المؤسّسات الثقافيّة، الأهليّة والبلديّة، المحليّة والوطنيّة، في حالة مدّ وجزر، من دون أن يشكّل هذا النشاط حراكًا ممنهجًا وواضحًا يوفّر بشكل دائم الاحتياجات الثقافيّة والفنيّة والترفيهيّة لسكان المدينة وزوارها.

المؤسّسات الثقافيّة الناشطة
من أبرز المؤسّسات الناشطة اليوم في الناصرة في مختلف المجالات الثقافيّة:
جمعية الناصرة للثقافة والسياحة: جمعية محليّة، أسّست في سنة 1999، يمولها رجال أعمال محليّين، ومنبثقة بشكلٍ غير رسميّ عن بلدية الناصرة، تلعب دورًا مهماً في الحياة الثقافيّة ضمن عملها على تشجيع الحركة السياحيّة والاقتصاديّة في الناصرة، كإقامة المهرجانات الدوريّة في الساحات العامّة خلال فترات الأعياد، مثل مهرجان «سوق الميلاد» و«ليالي الناصرة» ومهرجان «الموسيقى الكنسيّة»، ولأول مرة هذا العام رعت مهرجان الرقص المعاصر.
جمعيّة الثّقافة العربيّة: جمعيّة وطنيّة مستقلة، أسّست في الناصرة في سنة 1998، تعمل على المستوى القُطريّ من أجل الحفاظ على الهويّة الثّقافيّة العربيّة للفلسطينيّين في مناطق 1948 بكلّ مركباتها؛ اللّغة، العمارة، معرفة الوطن، الفنون... وتقيم بالإضافة إلى مشاريعها الثقافيّة والتربويّة العديدة، الأنشطة الثقافيّة والفنيّة.
مركز محمود درويش الثقافيّ ومسرح «إنسمبل فرينج»: أطلق مؤخرًا عليه هذا الاسم، تخليدًا لذكرى الشاعر الفلسطينيّ الراحل محمود درويش، بعد أن كان اسمه المركز الثقافيّ البلديّ، وكان لفترة طويلة المركز الثقافيّ الوحيد في البلد، تمّ ترميمه وتطويره مؤخرًا، يضمّ صالة عرض، ومقرًا لمسرح «إنسمبل فرينج»، الذي أنتج خلال السنين الأخيرة عددا من المسرحيات واستوعب بعض المسرحيّين الشباب.
مكتبة «أبو سلمى»: أسست في سنة 1982، وسميت بهذا الاسم تخليدًا لذكرى الشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) أحد العلامات البارزة في الشعر الفلسطيني قبل 1948. انتقلت المكتبة، مؤخرًا، من المركز الثقافيّ البلديّ إلى مبناها الجديد والعصري في القرية التعليمية على اسم توفيق زياد، ونظّم فيه عدد من الأنشطة واللقاءات الثقافيّة الأدبيّة.
دارة الثّقافة والفنون: جمعيّة محليّة أقيمت في بناية قديمة وجميلة من القرن التاسع عشر، أوقفها مالكها المحامي المرحوم توفيق معمر لمجلس الطائفة الأرثوذكسية في الناصرة لتخدم أهل المدينة كمؤسسة ثقافية، تعمل في الأساس كصالة عرض للفنون البصرية، وتستضيف المعارض والورش الفنية للمؤسسات الثقافية والتعليمية، وتقيم أمسيات أدبيّة ولقاءات فنيّة.
مركز «موّال» للثقافة والفنون: مركز ثقافيّ أقامته فرقة «موّال» النصراويّة، في سنة 2006، في ذات موقع سينما الناصرة (ديانا) بعد ترميمه وتجهيزه، ويعتبر من أكبر المراكز الثقافيّة الفلسطينيّة في الداخل، وقد تأسّست فرقة «موّال» في سنة 1982 واعتبرت من أبرز فرق الفنون الشعبيّة.
جمعية أورفيوس: أسست في مطلع سنة 2003، تعمل على التثقيف الموسيقي في المدارس، وإقامة الحفلات الموسيقية السيمفونية، وكونسيرتات لموسيقى الصالات، ومهرجان المواهب الشابة وغيرها.
كليّة الناصرة للفــنون: كلـــيّة لتعليـــم وتأهيل مرشـــدين في الفنون التشكيلية والموسيقى والمسرح، أســـست رسمــيًا في سنة 2007.
فيما عدا الجانب المؤسساتيّ، تطوّرت في الناصرة خلال العقد الماضي ظاهرة المقاهي ذات الطابع الثقافيّ، التي أضفت حيزًا ترفيهيًا مدينيًا وسياحيًا افتقدته الناصرة في الماضي، وتركّزت هذه المقاهي في البلدة القديمة (السوق) ومحيطها، ويشمل بعضها صالات عرضٍ فنيّة وتبادر إلى تنظيم ودعم أنشطة ثقافيّة بين الحين والآخر. ومن أبرز هذه المقاهي: «الرضا» و«صدفة» و«بيات» و«بيت ستي» وغيرها. كما شهدت هذه الفترة مبادرات شبابيّة ثقافيّة ذات طابع ثوريّ، لم توفّق في الاستمرار مثل تجربة «كبت» و«الياخور».

«أنا من هذه المدينة»
في مستوى آخر، يلحظ المتتبع للمشهد الثقافيّ الفلسطينيّ العام المساهمة الجليّة للمبدعين النصراويّين والنصراويات، ممن ولدوا فيها أو ممن قدموا إليها وعاشوا فيها. وقد يكون الحضور النصراويّ هو الأبرز في مجال السينما الفلسطينيّة عمومًا، فالمخرجون البارزون: ميشيل خليفة، إيليا سليمان وهاني أبو أسعد نصراويو المنشأ. أما في الشعر فلدينا؛ مطلق عبد الخالق، مي زيادة، طه محمد علي، توفيق زيّاد (الذي رأس بلدية الناصرة منذ سنة 1975 حتى وفاته في العام 1994)، فوزي عبد الله، جمال قعوار، شكيب جهشان، سالم جبران، وغيرهم. وفي الأدب، إميل حبيبي، عزمي بشارة، توفيق معمر، ناجي ظاهر، نجوى قعوار، عفيف سالم، جمال ضاهر، راجي بطحيش وآخرون. وموسيقيًا تلمع أسماء معاصرة مثل ريم بنا، ودلال أبو آمنة، والثلاثي جبران، وبشارة الخل، ووسام جبران، وسليم ونبيل عبود وآخرين كثر.

صحافي من الناصرة يقيم في حيفا