| 

أصبحت مدينة الناصرة بعد النكبة في العام 1948 أهم مركز عربي للفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم تحت حكم إسرائيل بعد النكبة. وتعتبر الناصرة المركز الاقتصادي والسياسي والإعلامي والثقافي الأول للأقلية الفلسطينية. وهي اليوم مركز متروبوليتي يشمل المدينة نفسها وعددا من القرى المحيطة بها والتي باتت متصلة بها تقريبا. لكن هذه المنطقة المتروبوليتية العربية تشوبها مدينة «نتسيرت عيليت» اليهودية، التي أقيمت على أراض عربية مصادرة، على الرغم من أنها تحولت في العقود الستة الماضية إلى «فرج» للفلسطينيين في الناصرة وقراها كما ستبين السطور المقبلة.
بلغ عدد سكان الناصرة في سنة 2012، بحسب معطيات زودتها البلدية لملحق «فلسطين» 80,400 نسمة، وتبلغ مساحة المدينة 14,200 دونم. وأشارت معطيات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية إلى أن عدد سكان المدينة كان 73 ألفا تقريبا في نهاية العام 2010، وأن 55.7% منهم دون الثلاثين عاما. كما أن النمو الطبيعي في المدينة بلغ 1.6%، أي زيادة 1162 نسمة إلى سكان المدينة.
ولأن الناصرة أكبر المدن العربية في مناطق 48، وكونها أكبر مدينة في منطقة الجليل، فإنها تخدم أكثر من 260 ألف مواطن في محيط المدينة. فالناصرة هي مدينة مركزية في شمال البلاد، في مجال الصحة بوجود ثلاث مستشفيات فيها. وهي مدينة سياحية وثقافية ومركز للمؤتمرات، وهي «عاصمة المأكولات»، ومركز تجاري وخدماتي، كما أنها مركز الحرفيين والصناعات الصغيرة، وأقيمت فيها مؤخرا شركات لصناعة التكنولوجيا المتطورة «هاي- تك». وتقدم خدمات في مجال التعليم الخاص والتعليم العالي. وإلى جانب ذلك فإن الناصرة هي إحدى المدن التاريخية الفلسطينية، وواحدة من أهم المدن المسيحية التي تجذب بشكل خاص الحجاج المسيحيين من أنحاء العالم لزيارة المواقع الأثرية فيها والمبيت في فنادق المدينة.

تطور المدينة
قال المتحدث باسم بلدية الناصرة، سهيل دياب، لملحق «فلسطين»: هناك تأثير، بعضه قسري، في التغير السكاني والتطور البشري في الناصرة، عملياً هناك عدة محطات في هذا المجال. وأضاف أن «المحطة الأساسية كانت في العام 1948، التي أدت إلى تغيرات سكانية في الناصرة بسبب نزوح سكان القرى العربية التي هُدمت وهُجّر أهلها. فهناك ثلاث قرى كبيرة نزح أهلها إلى المدينة، هي صفورية والمجيدل ومعلول وغيرها. وأدى هذا النزوح إلى تغير الطبيعة السكانية في المدينة ونشوء حاجة إلى وجود انسجام جديد بين سكان المدينة واللاجئين إليها. والأمر الثاني الذي نشأ جراء هذا النزوح هو نشوء واقع عشوائي، في أماكن سكن النازحين إلى المدينة، حيث أقيمت شبه مخيمات صغيرة في ضواحي الناصرة. وهذا الأمر أثّر لاحقا في تنظيم المدينة وتطويرها بشكل علمي، إذ كان لهذا التطور جوانب سياسية، اجتماعية ونفسية، وسد الفجوة لاحقا من أجل تطوير البلد». وتابع دياب: ان المحــطة الثـــانية هي إقامة «نتسيرت عيليت» في العام 1956. ففي هــذا العام اتخذت حكومة إسرائيل، برئاسة دافيد بن غوريون، قرارا، عرضه وأشرف على تطبيقه سكرتيره الشخصي، شــمعون بيرس، الذي يتولى حاليا منصب رئيس الدولة، ويقــضي هذا القرار بإقامة مدينة يهودية في منطقة الناصرة يكـــون هدفها منع وجود تواصل جغرافي بين الناصرة والقرى المحيـــطة بها. وأضاف: أن «اقتراح بيرس كان يقضي بإقامة مدينة يهودية كبيرة تجعل مدينة الناصرة حيا نائــيا في هذه المدينة الكبيرة، على غرار حال مدينة يافا في تل أبـــيب. ولحق ذلك مصادرة الأراضي العربية من سكان الناصرة والـــقرى المحيطة بها لمصلحة (نتسيرت عيليت)». وأكد على أن «هذا المشروع فشل لأسباب مختلفة، بضمنها فشل الحركة الصهيونية في تطبيق مخطط تهويد الجليل، إذ أن العرب ما زالوا يشكلون أغلبية 51% من سكان هذه المنطقة، كما أن الناصرة هي أكبر مدينة في كل المنطقة الواقعة شمال مدينة حيفا».
ورأى دياب أن المحطة الثالثة التي كان لها تأثير في تطور المدينة كانت في العام 1975، «عندما جرت الانتخابات البلدية في الناصرة، ولأول مرة فاز الشاعر الفلسطيني توفيق زياد برئاسة البلدية وفازت قائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة في المجلس البلدي. وهذا لم يكن تغيرا شكليا أو شخصيا أو حزبيا، وإنما كان هذا تغيرا جذريا أدى إلى تغيير وضعية الجماهير العربية بشكل عام، وكان له التأثير لاحقا في مجمل ما يجري بعد ذلك. فقد كانت هناك حاجة إلى أخذ المحطتين الأوليين وتعميق النسيج الاجتماعي في الناصرة، من جهة، وتنظيم المدينة من حيث الشوارع وشبكة الصرف الصحي وتطوير عصري لمدينة أقيم قســم كـــبير منها بشكل عشوائي من جهة أخرى. ففي العام 1948 كان عــدد سكان الناصرة 16 ألفا، وخلال أسبوعين أصبح عدد السكان 28 ألفا، بسبب نزوح سكان القرى التي هُجرت. وكانت المدينة تــعاني أزمة في البنى التحتية. وعلى سبيل المثال، كان طول خــط مياه الصرف الصحي 8 كيلومترات فقط في العام 1948. وبعد العام 1975 أصبح طوله 36 كيلومترا. ولولا البرامج التي تم وضعها منذ العام 1975 وحتى اليوم بكل ما يتعلق برؤية جديدة وعصرية لتطوير مدينة مرت بمحطتين صعبتين جدا، عام 1948 وعام 1956، إضافة إلى كل سياسة التمييز ومصادرة الأراضي، لما كان من الممكن إعداد هذه المدينة الآن لتكون مدينة عصرية».

تحديات مستقبلية
تواجه الناصرة تحديا أساسيا يتمثل بصغر مسطح المدينة. وقال دياب إنه «لا يمكن أن تكون الناصرة كمدينة يعيش فيها 80 ألف إنسان في مسطح مساحته 14,200 دونم، بينما يعيش في مدينة (نتسيرت عيليت) 40 ألفا ومـــسطح هذه المدينة 32,521 دونما. أي أن عدد سكان (نتسيرت عيليت) نصف عدد سكان الناصرة ومساحتها أكبر بضعفين ونــصف من مساحة الناصرة. ووضع الناصرة، من هذه الناحية، صعب جدا حتى إذا قورنت بوضع قرى عربية أخرى. وعمليا يوجد اختناق في المدينة وهذا الاختناق يجب أن يُكسر من أجل تطور المدينة».
وأشار دياب إلى تحد آخر وهو التصنيع، ورأى أنه مرتبط بقضية التعليم. ويشار إلى أن الربط والمقارنة بين الناصرة و«نتسيرت عيليت» يعود إلى أن المدينتين ملتصقتين الواحدة بالأخرى. وبسبب الإمكانيات الكبيرة التي توفرها حكومة إسرائيل لـ«نتسيرت عيليت»، وبخاصة بكل ما يتعلق بالأراضي والميزانيات، فإن هذه المدينة اليهودية توفر مساحات واسعة لمناطق صناعية، من جهة، وتمنح تسهيلات في الضرائب لهذه المصالح، من الجهة الأخرى. ولهذا فإن العديد من المصالح التجارية والمصانع، والعديد منها بملكية عربية، موجود في «نتسيرت عيليت»، إضافة إلى أن قسما كبيرا من هذه المصالح انتقل من الناصرة إلى «نتسيرت عيليت» بسبب التسهيلات المختلفة هناك، إلى جانب البنية التحتية الحديثة والمتطورة فيها.
وفي ظل الاختناق السكاني في الناصرة، وفي القرى المحيطة بها، التي تمت مصادرة قسم كبير من أراضيها، وضيق مساحات الأراضي للبناء، فإن «نتسيرت عيليت» بأحيائها العصرية الحديثة وبنيتها التحتية، شكلت «الفرج» بالنسبة للكثير من سكان الناصرة وقراها، وبخاصة من الأزواج الشابة، الذين انتقلوا للسكن فيها. وتبلغ نسبة السكان العرب الرسمية في «نتسيرت عيليت» قرابة 25%، لكن النسبة الحقيقية أعلى من ذلك لأن الكثيرين لم يسجلوا مكان سكناهم فيها. وتشير معطيات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية إلى وجود نمو طبيعي سلبي في هذه المدينة بنسبة 0.7% سنويا، خاصة بين السكان اليهود. ووفقا لدائرة الإحصاء المركزية، فإن 66% من سكان «نتسيرت عيليت» هم فوق 30 عاماً، وربع السكان تقريبا فوق سن 60 عاما. وتشير التوقعات إلـــى اســـتمرار هذا الحال، أي انخفاض عدد اليهود وازديــاد عدد العــرب، وأن «نتسيرت عيليت» ستتحول خلال عقود قليلة إلــى مدينة ذات أغلبية عربية، وحــتى أن رئيــس بلديتها سيــكون عربيا.

* كاتب وصحافي فلسطيني مقيم في مدينة الناصرة