| 

مازال أهل «الناصرة» إلى يومنا هذا يرددون في أغانيهم الشعبية هذه الكلمات العذبة: «يا رايحين عحلب صفولي نيتكم.. تلتين عقلي شرد بهوى بنيتكم.. حلّفتكم بالنبي ومين ميّتكم؟ ميّتنا عين العذرا.. شرب النصراويه.. عالروزنا عالروزنا كل الهنا فيها...». وإذا بحثنا عن هذه العين لوجدناها بمياهها الباردة العذبة تسيل في وسط مدينة الناصرة وهي موجودة في ساحة العين في مكان يحتضن جهات الناصرة الأربع كونه مركز المدينة منذ مئات السنين. ولأهميتها التاريخية صارت شعاراً لبلدية الناصرة. وهذا ليس غريباً عن المدينة التي اشتهرت بينابيعها منذ القدم، حتى ان أحد معاني الناصرة هو منحدر الماء إلى مجراه. أما اسم المدينة الكنعاني القديم فهو «آبل» وسميت العين «عين آبل» وهي اليوم «عين العذراء» التي تعني أيضاً «عين الحياة».
تقع عين العذراء، وهي النبع الرئيسي للناصرة، في أعلى الوادي الشمالي، وهي عبارة عن محل الاستقاء على طريق العربات للداخل إلى المدينة من جهة الشرق. ونسبت هذه العين إلى مريم العذراء لأنها كانت تستقي منها، ولأن الملاك بشرها بميلاد الطفل يسوع عند العين أولاً وهي تملأ جرتها، ثم أتم البشارة في البيت.
يخرج النبع من مغارة ذات صخر طبيعي ناصع البياض، قطرها نحو 4 أمتار وعلوها نحو 3 أمتار. وتنبع المياه من أرض المغارة في ثلاثة مواقع أغزرها هو النبع الذي يتدفق من الجهة الشمالية الشرقية للمغارة، أي من جهة جبل الشيخ. وهذه الينابيع ترفد بئر العذراء في فصلي الصيف والخريف، أما في فصل الشتاء فتتدفق المياه من جميع أنحاء المغارة وتنساب في قناة حتى تصل إلى بئر العذراء في داخل كنيسة البشارة. ويبلغ طول القناة حوالى 150 متراً، ويزداد انحدارها كلما ابتعدت عن مصدر النبع. وتسير القناة من المغارة إلى سور كنيسة البشارة، ثم تختفي تحت أرضها وتمر من أمام المذبح حيث يوجد ثقب ينشل منه الماء ويسقى الزوار، ثم تمر تحت الأرض إلى أن تقطع الطريق إلى خارج سور الكنيسة فتصبح ظاهرة فوق الأرض. ويُعتقد بأن القناة كانت تمر تحت الكنيسة منذ بنيت في القرون المسيحية الأولى؛ إلى ما بعد عصر الصليبيين حيث هدمت الكنيسة، فسدت القناة عند المنفذ الذي أمام المذبح. ثم راح الماء يتدفق في خرابات الكنيسة من أمام المذبح حيث كان الناس يستقون ويوردون مواشيهم. ولاحقاً مُنع الناس من دخول الكنيسة للسقاية تلافياً للتشويش على المصلين وحفاظاً على قدسية الكنيسة، فأجروا الماء في قسطل إلى خارج الكنيسة.
نال نبع العذراء بعض الاهتمام من الدولة العثمانية، ففي سنة 1911 في أثناء ولاية قائمقام الناصرة أيمن عبد الهادي، أُضيفت قساطل جديدة لجمع الماء فيها، وجرى الاحتفال بشكل رسمي بهذا الحدث في 12 كانون الأول 1911، وكان رئيس البلدية حينذاك راجي فرح الذي سلم إدارة العمل إلى رئيس البنائين حينئذ زكريا توما، فازدادت كمية المياه أربعين في المئة.
تعتبر عين العذراء موقعاً تاريخياً مهماً. فالساحة التي تحتضن العين تمزج الموقع الثري بالمكان العام لأهالي المدينة، وهذا ما يضفي خصوصية على المكان ويمنحه تمييزاً مهيباً.
وقد تحولت العين في السنوات الأخيرة إلى المزار الأول للسياح الذين يرتادونه من جميع أنحاء العالم ليستقوا منها المياه المقدسة.