| 

ابتداءً بظهور «خريطة الطريق» في المشهد السياسي الفلسطيني، ومروراً بتفكيك الخريطة في أعمال «التركيب» في المشهد الفني الفلسطيني، وانتهاءً بـ«سقوط القطار عن الخريطة» آخر المشهد الشعري الفلسطيني... يفقد الفلسطينيون، يوماً بعد آخر، إحساسهم بجدوى الخريطة بكافة إحالاتها الواقعية والمجازية. ولـمَّا كان استقصاء تلاشي الخريطة من المشهد الواقعي والسياسي والثقافي والفني أمراً غير ممكن في مثل هذه المقالة التسجيلية، فإن تناول واحد من أهم الأعمال الفنية الفلسطينية التي حملت مقولة عَزَّ مثيلها، وهو العمل الإنشائي الموسوم بعنوان «تقسيم» للفنان والسينمائي الفلسطيني صبحي زبيدي، (مواليد القدس في العام 1961) يتخذ صفة الإلزام.
لقد أدت التحوُّلات الهائلة على الجغرافيا الفلسطينية، وبخاصة بعد قرار التقسيم في العام 1947، إلى تحوُّلات في حقول المعاني السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية في تصوُّرها لهذه الجغرافيا وما يعبِّر عنها من خرائط. وعلى الرغم من حضور خريطة فلسطين التاريخية في المرئيات الفلسطينية (من خرائط فعلية، وشعارات لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها وغيرها من الحركات الوطنية الفلسطينية والاتحادات، أو اختفائها عن بعض تلك الشعارات بعد اتفاقية أوسلو، بما في ذلك شعار السلطة الفلسطينية نفسها، وملصقات وطوابع ونصوص مناهج وأدلة سياحية). إلا إن المشهد الفني الفلسطيني، كان حقلاً ميدانياً لأكبر التحوُّلات على صعيد إنتاج تمثيلات جديدة لخريطة فلسطين، وبخاصة عبر وسيط «التركيب» أو «الأعمال الإنشائية» Installation التي يصفها تيار نقدي فني سائد كـ«عملية تهشيش فني» تعادل، موضوعياً، عملية سياسية مثيلة أدَّت إلى إيصال المشروع الوطني الفلسطيني إلى أقسى درجات هشاشته وأقصاها. فقد أُنْتِجَت أعمال فنية فلسطينية على امتداد العقدين الأخيرين، حتى لا نحقِّب لهذا «التيار» بأوسلو، كانت الخريطة ثيمتها الأساسية، على أيدي العديد من الفنانين الفلسطينيين، كسليمان منصور وصبحي زبيدي ورنا بشارة وتينا شيرويل وميرنا بامية، علاوة على المشاريع والورش الفنية التي استهدفت الخريطة، وقادها فنانون مثل فيرا تماري وجون أبو حلقة.

حوارية بورخيس وزبيدي
أخصُّ هنا عمل صبحي زبيدي، كجزء من دراسة أكاديمية مطوَّلة عن الموضوع، نظراً لجودته ومستويات التناص والاحتجاج السياسي والجمالي المركَّبة التي تنتظمه. فعلى المستوى السياسي، يحيل صبحي زبيدي إلى قرار تقسيم فلسطين في العام 1947، في مقولة سياسية واضحة: أن خريطة لا تضمن الوصول الحر إلى جغرافيا الخريطة هي لا-خريطة، ولا بد من الانفصال عنها، وإعلان موتها. وأما على المستوى الجمالي، المستَثمَر على نحو مذهل لخدمة مقولة سياسية نبيلة، فيستلهم زبيدي إرث الشاعر الأرجنتيني العالمي، متعدد النتاجات الأدبية، خورخي لويس بورخيس (1899-1986) ليحرر الخريطة من عبء إحالاتها، وليحرر نفسه من عبئها.
«لست أعمى لأرى،» قال محمود درويش مرةً، ولكن عوالم بورخيس السوريالية، التي ربما يكون العشى الوراثي في عائلته، قد أسهم في تمكينه منها، صارت مَعِيْنَاً إنسانيا للفنتازيا، أو لعله الأدب الخيالي الذي يشكِّل العبث، في اكتمال قوسه، أرضاً له لا سماء لها يعلن عبره احتجاجه على عالم الممكنات الحصري، العالم الذي يحيل الممكنات، على الدوام، إلى مستحيلات تحكمها أنماط متباينة من القوة والسلطة والعنف.
يحيل زبيدي، في آخر مقولته المصاحبة لعمله الفني «تقسيم» إلى سخرية بورخيس اللاذعة، في إحدى قصصه القصيرة جداً، من فكرة الخريطة، ويستخدم التورية بتلك الإحالة عن حوارية مذهلة مع بورخيس في إدانة الخريطة، ومعاداتها جمالياً بوصفها «قناعاً» أو «مرآة» تحجب الواقع وهي تحيل إليه. وقصة بورخيس هذه، هي قصة من فقرة واحدة، كتبت في الأصل بالإسبانية، عبر»انتحال» فني مقصود نسبه بورخيس، بعبث منقطع النظير، إلى سواريز ميراندا في Viajes de Varones Prudentes (أسفار الحكماء) المكتوبة في العام 1658.

هروب الجنة وإعادة الـ«تقسيم»
طالما عبَّر الفلسطينيون عن «فقدان الفردوس» أو «الخروج منه،» غير إن المقاربة التي صاغها زبيدي في حواريته مع بورخيس تستحق الالفتات. ففي الأسطورة الدينية، في الديانات الإبراهيمية وغيرها، هبط الناس من الجنة، وفي بعض النعمائيات الكبرى يهرب الناس إلى الجنة، أو يهربون منها حين تكتمل الممكنات على نحو ممل وقاحل بنهاياته السعيدة والكاملة كما في جمهوريات الأحلام ومدن الفلاسفة الفاضلة. ولكن، ماذا حصل للفلسطينيين بعد أن هربت جنتهم منهم؟ وماذا حل باللاجئين بعد أن هربت فلسطينُهم إلى لا مكان، وحالت بينهم وبينها خريطة قسَّمتها المساطر منذ العام 1947 وحتى اللحظة؟ وكيف رأى زبيدي هوية الفلسطيني الذي هربت منه جنته التي لا يزال يقطنها، ويرجع إليها، لكن، من غير أن يتمكن من «العودة» التي ضمنها قانون عودة الطيور والنمل والنحل والأسماك، وكذا قانون البشر العام في القرار 195؟ هوية الفلسطيني بالأمس، هي هويته اليوم، ويوم غد، وحيث يبعث الشهداء أحياءً: أرضٌ، وناسٌ، وحكايةٌ لها ألف حكاية، وخريطة «عبء على ليل المؤرِّخ» ونهار السياسي في آن معاً.
لقد حاول المخرج اللاجئ صبحي زبيدي، ابن السافرية-يافا، الإجابة عن سؤالِ هروبِ الجنة الفلسطينية في واحد من أوائل أعماله، فيلم: «خارطتي الخاصة جداً» في العام 1998، عبر تسجيل وثائقي في عشرين دقيقة لهروب الجنة بين ذاكرتين: ذاكرة من هُجِّروا من «الديار اليافاوية،» وذاكرة أبنائهم. عملٌ، على الرغم من جودته الأدائية العالية لم يبلغ درجــــة النضج التي وصل إليها عمل صبحي زبيـــدي الأخير «تقسيم/Part-ition» الذي عُرض فـــي بيـــنالي «تصوير: خطاطات صورية للحداثة والإسلام» الذي أقيم في متـــحف Martin-Gropius-Bau في برلين بين تشرين الثانـــي 2009 وشباط 2010. كما كان زبيدي قد شارك بالـــعمل نفسه في معرض جماعي، بعنـــوان: «أبداً لـــن أفارق،» ضـــمن موسم «مسارات فلسطين» في بروكــسل-بلجيكا في العام 2009.

عبء الخريطة
«عندما كنت في الثالثة عشرة من العمر، انضممت إلى لجنة العمل التطوعي في مخيم الجلزون، مكان نشأتي. ومن خلال هذه اللجنة، قمنا بشتى الأعمال، كتنظيف الشوارع، وتصليح بيوت الفقراء، ومساعدة المزارعين في الحصاد والتحرك ضد الاحتلال الإسرائيلي. ولقد كان الانضمام إلى هذه اللجنة، وقتئذٍ، تعبيراً عن الانتماء الوطني والالتزام بالجماعة. وذات صيف بين العامين 1974 أو 1975، قمنا ببعض العمل التعاوني في مخيم بيرزيت للاجئين. وخلال ذلك اليوم الطويل التقيتُ رجلاً اسمه حسن. كان أكبر منا، في أوائل عشرينـــياته، وكان ذكياً ومتحدثاً. تكلم على البيان الشيوعي من ضمن أشـــياء عديدة كانت معقدة لذهني حينها. في ذلك اليوم، أصبح حـــسن بطلي. وقد تنبه إلى إعجابي به، فدعاني، بعد العمل إلـــى بيته المتواضع، الذي كان مكوناً من غرفتين بنتهما وكالة الغوث. أما أمه العجوز، فقدمت لنا شاياً بالنعناع الطازج. وقد رأيت في غرفته خريطة كبيرة معلقة على الحائط. كانت الغرفة فارغةً تقريباً: سرير صغير، وطاولة فورمايكا رخيصة، وبعض الكتب، وصورة بالأبيض والأسود لوالده المتوفى، معلَّقة قبالة الخريطة.
لقد كانت المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها خريطة لفلسطين بهذا الحجم.لم يكن من ذكر لإسرائيل، والقرى والبلدات الفلسطينية كلها كانت عليها. لقد تمسمرت وأنا أنظر إلى الخريطة. لم أصدِّق عيني وأنا على وشك المغادرة عندما نزع حسن الخريطة من على الحائط، وطواها بلطف، ووضعها في كيس بلاستيكي، وأعطاني إياها كهدية، «تذكاراً لصداقتنا».
حملت هذه الخريطة معي أنَّى أقمت. علَّقتها على حيطان غرفتي في مخيم اللاجئين، وفي بروكلين، ومانهاتن حيث أقمت عدة سنوات، وحين رجعت إلى فلسطين في العام 1994، أعدت الخريطة معي لكنني لم أعلِّقها على حائط بعد ذلك. كانت أيام أوسلو، وشعرت بالإحراج من الخريطة إذ إنني لم أرغب في رؤيتها مرة أخرى، ولا في رؤية ما كان يـحدث. لقــد أبقيــتها مخفية بين الكتب، في الجوارير، في الحقائب، وفي ملفات قــديمة.
حين أنظر إلى الوراء إلى حياتي الآن، أراها سلسلة من الخسارات الدائمة للأمكنة. فالمكان الذي اعتدت على اللعب فيه حين كنت في الخامسة أمسى مستوطنة يهودية حين صرتُ في العاشرة، وما عاد في إمكاني أن أذهب إلى هناك. فجأة، أصبح ذاك المكان غريباً، ومحظوراً، وعسير الوصـــول. وفي العاشرة كان في إمكاني الذهاب إلى يافا وغزة، وحين صـــرت في العشرين لم أستطع. في الثلاثين كان في إمكــــاني الذهاب إلى القدس، وحين صرت في الأربعين لم أستطع. أما الآن، وبعد بناء جدار (الضم والفصل العنصري) الإسرائيـــلي، فأنا مسجون بحق، بلا مكان، أو «خارج المكان» بحسب قول إدوارد سعيد.
ما عاد في مقدوري أن أخفي هذه الخريطة أكثر من ذلك، كما لا يمكنني حملها. أريد أن أنقسم عنها مرةً وإلى الأبد. أريد أن أقطِّعها إلى أصغر ما يمكن من مِزَقْ. أريد أن أجعلها تبدو كالجغرافيات التي تمثلها. إنها الطريقة الوحيدة لتحرير نفسي من استبدادها. (لكنني) أتساءل عما ســـيفكر به حسن إن عرف أنني، وبعد الاحتفاظ بهذه الخريطة ما يزيد على الثلاثين عاماً، قد وصلت إلى قناعة أن الطريقة الوحيدة للحفاظ عليها هي تمزيقها. ولكنه إن عرف وسألني لماذا، فإنني على استعداد لأقول له إنه ما عاد في استطاعتي إخفاء هذه الخريطة، ولا يمكنني فردها ولا يمكنني النظر إليها. ربما سأوضح له أن هذه الخريطة بدلاً من أن تدلَّني على الطريق، بينت لي كيف أصبحت تائهاً وضائعاً. ربما سأقول له إن الثغرة بين الخريطة وما تمثله من جغرافيا قد غدت واسعةً إلى أن أعقد مصالحة بينهما. أريد أن أعيد إنتاج الخريطة بدقة ما تعبر عنه من جغرافيا بذات الطريقة التي أنتج بها رسَّامو الخرائط الصينيون، في قصة خورخي لويس بورخيس، خرائطهم.»

خريطة ضد الخريطة
ينتهي، هنا، عرض زبيدي لقصته وقصة الخريطة، قصة طفولة الأرض التي لم تبلغ طفولة السماء بعد. فما شكل الإدانة التي يكيلها زبيدي هنا: إدانة للخريطة الأولى أم إدانة للخريطة التي خانت جغرافيا «الخريطة الأولى؟» وما سرُّ استدعاء بورخيس في هذا المقام؟ فنحن نعلم أن بورخيس، فيما أحلنا إليه من قبل وفي معظم أعماله، قد أدان عنف المعرفة وعنف الحصرية المتضمنين، ضرورةً، في عنف الإمبراطورية ابتداءً من «اعتدال» القوة في الصين القديمة، ومروراً بشرَه القوة العابثة في إسبارطة-البحر وحروب البيلوبونيز التي لا تصلح لشيء بقدر ما تصلح للمخيال الشعري، وانتهاء بسعار القوة الغاشمة في إسبارطة-البر، إسرائيل الجديدة. فما الذي يدعو زبيدي إلى حوارية مع بورخيس، وما الذي يجنيه من توظيف رأسمال بورخيس الرمزي لينتج خريطة أكثر دقة، وقد أوضح بورخيس مقاصده على نحو لا يقبل التأويل حين استدعى هو الآخر، بسخرية لا ينقصها البريق، مقولة لـ سواريز ميراندا، من أسفار الحكماء في العام 1658، ليدين دقة الخريطة لا عدم دقَّتها؟
يؤسس بورخيس أنه «في تلك الإمبراطورية بلغت مهنة رسم الخرائط حدَّ الكمال إلى درجة صارت فيها خريطة قضاء واحد تغطِّي فضاء مدينة بأسرها. ومع مرور الزمن، غدت هذه الخرائط بالحاجة، فعملت أكاديمية واضعي الخرائط على رسم خريطة للإمبراطورية بمساحة الإمبراطورية نفسها بحيث تُقَارَنُ فيها النقطة على الخريطة بمثيلتها على الأرض. غير إن الأجيال اللاحقة، غير آبهة برسم الخرائط، استثقلت هذه الخريطة... ودونما قلة احترام لها، هجرت الأجيال الخريطة، وتركتها لقسوة الشمس والمطر. أما اليوم، فلا تزال الـمِزَقُ البالية المتبقية من هذه الخريطة موجودة في الصحارى الغربية، تحتمي بها الوحوش الشاردة والـمُعدمون البِلا بيت... لكن ليس ثمة، على طول البلاد وعرضها، أي أثر لعلم الجغرافيا!»
يستثمر زبيدي ما في قصة بورخيس من عبث فني وتحايل على التاريخ والجغرافيا في آن معاً، ولكن لماذا؟ هل أراد أن يتجاوز «علم الجغرافيا» الذي دشَّن خريطة البلاد في جنوب الساحل السوري، ليدين الجهل بـ«علم السياسة» الذي أودى بدقة الخريطة، وما تمثله من جغرافيا السحر الإلهي لفلسطين؟ سؤال قد لا نجد في الإجابة عنه أكثر دقَّة، مع أن زبيدي هاهنا يدين الدقَّة وهو يرجوها، من دون أن يندبها، من مقولات محمود درويش الذي لم يكتف بالأرض في تحديد الجغرافيا، بل جاوزها إلى أن «رائحة البن»...»جغرافيا» حتى وإن «سقط القطار عن الخريطة.»
على الرغم من ذلك، يعتقد زبيدي، في حوارية قصيرة على هامش معرض «مسارات فلسطين،» أن «تدمير الخريطة لا يصلح العلاقة بين الجغرافيا والتاريخ،» ولذا فهو «يدمِّر» الخريطة لسبب سياسي، إذ إن الخريطة مدمِّرة بفعل الـ«تقسيم» الذي وسم العمل كلَّه، ووسم السيرة الفلسطينية التي تشكَّلت، من وجهة نظره، من مزيج جدلي بين الغياب والحضور. والعمل لديه «لا يمنح إحساساً بالختام، بل ينكأ الجرح،» كما توضح شهادة زبيدي التفصيلية عن العمل، إذ «إن النص جزء أساسي من العمل، ومهم أيضاً، فهو يشرح كيف تنتمي الخريطة إلى جغرافية وعالم لم يعد لهما وجود. إنها خريطة لعالم قد اختفى.»

* أستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت