| 

تبوح الروائية الفلسطينية حزامة حبايب في روايتها «قبل أن تنام الملكة» (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2011)، بمكنونات صدرها وتكشف عن هواجس روحها بما يشبه الاعترافات. وهو نمط كتابة دخيل علينا فنحن لا نبوح ولا نعترف، لكن حبايب تبرع في أسلوب وعي مسترسل يرصد تحركها وتحرّقها في آن.
بعد شطط واستطراد أشبه بغيوم شحوط بنجمة في ليل دامس تمسك الروائية بيد القارئ لتهديه إلى ما يجول في خاطرها، فتشع النجمة، وإذا الأمور أوضح، ففي الصيف كانت تحل مع ربعها ضيفة، كلاجئين من الكويت أكثر رفاهية من لاجئي الأردن، على أقارب، لكن أحبّ البيوت إليها كان بيت خالتها رحمة في جبل التاج في عمّان، الملحق به حديقة صغيرة طرّزتها بمعرّشة عنب وأشجار تين وليمون وتفاح وأحواض نعناع وبندورة وورود من النوع البري الذي ينبت دونما جهد.
ثم تكشف حبايب أكثر فأكثر عن المستور، فالراوية تحدثها عن كرم أبيها الذي أوشك أن يهز عماد بيتهم: كان كهربائياً في دائرة صيانة مباني وزارة الصحة الكويتية، لكن راتبه لم يزد باطراد يتناسب وزيادة أفراد عائلته، فباعت الأم مصاغها ما ساعد الأب على مشاركة زميل له في الدائرة في فتح محل صغير في حولّي في العاصمة الكويتية لتصليح الأجهزة الكهربائية من تلفزيونات وثلاجات ومسجلات ثم أجهزة فيديو.

الملامح الطبقية
على هذا النحو تتضح رويداً في سير الرواية الملامح الطبقية للاجئي فلسطين في الشتات، على نهج ما شرّعه كنفاني منذ نصف قرن، فدخل الأب من محله لم يُدخل فرقاً جوهرياً على حياة عائلته، فكان على الرغم من ذلك، يرسل بين وقت وآخر مبلغاً لأخيه أبو تيسير الذي تنقل بين كل محال بيع الخضار في مخيم الوحدات في عمّان. أزمة أبيها أن الدينار لم يعد يشتري اليوم ما كان يشتريه البارحة. حتى الآن كل ما في الرواية شرح مبسط لرأسمال ماركس باللكنة الفلسطينية النازحة إلى الخليج:
«أبي لا يعرف أننا نكبر بسرعة، وأن قمصاننا وبنطلوناتنا وفساتيننا وأحذيتنا، وحتى ملابسنا الداخلية، التي نتوارثها، تتقلّص على أصغرنا قبل أكبرنا، وإذا ما اتسع ثقب في الجاكيت أو استطال فرط في البنطلون، فذلك لأن كيمياءنا تمارس هي الأخرى تبدلها وتقلّب أمزجتها، فكيف لأبي أن يقدّر أو يستوعب الحقيقة أن أجسامنا الشرهة تأكل ملابسنا».

«إكسري راسها»
ثم تعرّف الراوية أكثر عن نفسها: هي ابنة أبيها الحائر وابنة أمها المتحاذقة على حيرة أبيها. ولما شبّت ودرست وحازت الشهادة كانت معلمة في الكويت ثم في الأردن، فاكتشفت أن المدرسة تشكل تربية قهرية امتداداً لتربية البيت، فقالت لها أمهات الطالبات ما معناه «إكسري راسها»، و«ادعسي على بطنها»، مع أني كنت أسمع في صفوف لاجئي فلسطين في لبنان «ادعسي في بطنها»، ولكن يبدو لجغرافيا النزوح أثر في موقع حرف الجر في الكسر والدعس. ثم كان مما لا بد منه بد فاستدعتها مديرة المدرسة وقالت لها:
ممكن أرفع كتاب لمديرية التربية أشرح فيه إنك «بتتعمّدي تغيبي عن طابور الصباح علشان تتهربي من تحية العلم».
فإلى رسم صورة الحياة في الكويت: امتداد للحياة التي كان يمكن أن تكونها في المخيم، فحي «النقرة» هناك أشبه بمخيم، شقة الراوية لم تكن تختلف في تفاصيلها كثيراً عن بيت عمها أبو تيسير في مخيم الوحدات، ففي كلا البيتين هناك الصورة إياها لعمها محمود الذي استشهد في معركة الكرامة، كما توجد ساعة الحائط المجانية نفسها تقريباً التي تأتي دعاية مع أحد منتجات «نستلة»، وهناك تنكات زيت زيتون وماكنة «سنجر» للخياطة، ولكن بفارق واحد:
«هو أنه لما كان عمي أبو تيسير في مخيم الوحدات يلثغ بحرفي السين والصاد، فينطقهما ثاءً، فإن عضو أخت الزعيم أو أمه على لسان عمي أبو تيسير لم يكن هو ذاته تماماً على لسان أبي».
الحرب والتدين
إلى تبدل الحياة في الكويت، شقيقات الراوية تحجّبنَ في سني انبثاقة الجسد الشقي، ثم انتقلت عدوى الستر الإلزامي إلى الجارات، فإلى شقة جديدة، لنكتشف في صباح الغزو العراقي للكويت، بينما الطريق إلى العراق نائمة، والمنظر واضح وعارٍ من أي زينة وتكلف، ان البنية الاجتماعية في الشتات متفسخة مترهلة، ثم إلى البصرة فبغداد حيث الفندق فالاغتسال، ثم السفر براً إلى عمّان؛ شقاء بشقاء ونزوح جديد. الإقامة في بيت جدتها رضيّة في الجبل الأبيض بالزرقاء، ثم الانصراف إلى تدريس مخضرمي الرسوب، لكن الفلوس في الأردن كانت تنفد أسرع بما لا يقاس من نفادها في الكويت، فكان الطعام تتخاطفه الأيدي والأفواه بتهافت أكبر على الحياة رغم شح العيش. ثم كانت الحرب الأميركية القاصمة. تحررت الكويت وظل أبوها فيها، ما ساهم في رتق أيام الزرقاء.
فالحب، حيث الحياة تعاش أقل قهراً، «لأن الحب هو بيّنات الحياة وآياتها حتى وإن توعدتنا بعذاب أليم مستفيض، وآلت ألا يُنال المراد وألا يُجاب المبتغى». في الجامعة كانت تجلّ أستاذها إياس ثم كانت لقاءات في كافتيريا الجامعة وليلاً في سيارة «بيت العشق المتحرك»، فإلى تعرّفها على زميله أحمد فتزوّجته، لكن الليلة الأولى لزواجهما باءت بفشل الجماع. وفي الليلة السادسة لم يطق أحمد أن يحتمل أكثر، فصفعها تمهيداً للنيل منها. صدّته لكنه اخترقها عنوة فتمزقت روحها. رن جرس التلفون وهي مبعثرة تلمّ شتاتها:
رفعت السماعة اللحوح. كانت أمي تسألني بصوت توشّى بالترقب والتوجس: «ها! طمنيني؟!» كل شيء بخير، قلت لها. أنا الآن امرأة.
فالنقلة إلى دبي حيث لقاء جديد مع وليد الذي ظل لسنوات يبيع في الصباح خبز الكعك بالسمسم زمن عطفها عليها وهي مدرسة في الزرقاء، وفي النهاية أصبح مهندساً في مسقط يزورها في دبي، حيث هي الآن مدرسة، تتمتع ببحبوحة عيش نسبياً. وإلى دبي يصل ذات يوم طارق ابن إياس وقد عبر الثلاثين وفي يده مخطوط مسرحية لوالده مهداة بخطه إلى جهاد نعيم الراوية بحرف اسمها الأول «ج». ها هو المخطوط في درج وطنها الشخصي في المنفى؛ في غرفتها المطلة على الخليج تستلقي على سريرها، تفرد جناحيها فوقها، لحافاً وافياً دافئاً وترتخي مستسلمة للنعاس.

أجرأ الروايات
على هذا النحو تقفل حزامة حبايب روايتها «قبل أن تنام الملكة»، ولعلها أجرأ رواية فلسطينية تخطها امرأة تصف بتحد وعناد وصراحة ودون لف ودوران ما يصيب الأنثى في مهب النزوح من شقاء، تمكنت حبايب من رصده بنفس ساخر يستفيد من فلسفة تشاؤل شيخ روائيي فلسطين إميل حبيبي ومن صلابة كنفاني في حبه عبارة «خيمة عن خيمة تفرق»، فحتى في المنفى شقة عن شقة تفرق، لكن حبايب في جرأة غير اعتيادية تطرح مسألة الجنس عارية على طاولة النقاش فتتخطى المحرمات وتقفز على المحظور بعبارة أنيقة موغلة في علم النفس وسباقة إلى البوح من دون خجل أو وجل، فاحتلت موقعاً متقدماً في أدب فلسطين الحديث.