| 

خلال رحلتي الرمضانية التي تنقلت فيها بين عدد من المدن الفلسطينية على الرغم من حرارة الطقس، فوجئت بالكم الهائل من المتسولين في مناطق الضفة الغربية، وهي ظاهرة كانت شبه معدومة تماما قبل سنوات، ربما قبل توقيع اتفاقية السلام مع الجانب الإسرائيلي.
سيدات خجولات يتقربن ويهمسن (مشان الله ساعدني عندي أيتام). واخريات يتوسلن بكل جرأة بأدعية يلين لها الصخر. صبية صغار يحملون ورقة مكتوبا فيها آية الكرسي، يضعها احدهم عنوة في جيبك، ويلازمك في كل زاوية حتى تدفع له مكرها، وآخرون اكثر نضجا اعمارهم تقارب العشرين، متخصصون ـ على ما يبدو ـ بالتسول من الفاتنات.
كانت الصورة واضحة في مدينة القدس بالقرب من باب العمود المؤدي إلى المسجد الأقصى، تجد نسوة خط الزمن على وجوههن حروب النكسة والنكبة يلاحقهن العرب وغير العرب أملا في تحصيل أي مساعدة.
كنت أشاهد في طفولتي الصبية يحملون صندوقا كبيراً لتلميع الأحذية، ويتأملون أحذية الماراة قبل التحرش بهم او يحملون قوارير لبيع المرطبات، او يمارسون هوايتهم في جمع العلب الفارغة، او يتربصون بمحلات التحميل والتنزيل. يومها قبل انهم أولاد المخيم، كرامتهم تمنعهم من التسول؟
الغريب ان هناك شريحة خفية من المتسولين لا يلمحها احد، غالبيتها من الموظفين الذين تورطوا في القروض البنكية، وصار البنك يصادر رواتبهم بلا رحمة لتحصيل حقه، وشريحة اخرى من العمال الذين ما عادوا قادرين على الجري لمسافات طويلة وتسلق الجدار العازل وارتفاعه تسعة أمتار للدخول إلى المناطق الإسرائيلية بحثا عن عمل، بعضهم وقع وتكسرت عظامه، وبعضهم توفي بسكتة قلبية، كما حدث مع شهيد لقمة العيش ثائر أبو شلوف (29 عاما) من عزون العتمة قرب قلقيلية وهو أب لأربعة اطفال، في اثناء هربه من الجيش.
وهناك شريحة من المتخرجين والمتخرجات، هربوا من بطالتهم وعجزهم إلى الفيس بوك والتويتر والتسكع في الطرقات، ولا هم لهم إلا ملاحقة الاعلانات حتى قال احدهم حتى أعمدة الكهرباء ألصقت سيرتي الذاتية عليها، فماذا أفعل؟
الغريــب ان لا احــد يهتم بالـسياسة غير بعض الاعلاميين والمتقاعدين وبعض المتنفذين، فرغيف الخبز أهم من التفكير في سوريا او إسرائيل او الربيع العربي او مشروعنا الوطني لبناء الدولة على طاولة الانقسام بين حركتي رام الله وغزة.
* إعلامي فلسطيني مقيم في الرياض