| 

منذ سنوات، وتحديدًا منذ انهيار قمة كامب ديفيد في العام 2000، واتضاح أن اتفاق أوسلو لا يمكن أن يحقق السلام أو يقود إلى تسوية تحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينيّة؛ تعيش القيادة الفلسطينيّة حالة من فقدان الاتجاه ومحدوديّة الخيارات.
فمن جهة، بعد اغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات وتولي الرئيس محمود عباس سدة الرئاسة، كان الأخير يبذل مساعي حثيثة لإنجاح المفاوضات، التي وصلت إلى حد تطبيق الالتزامات الفلسطينيّة في خارطة الطريق، خصوصًا نبذ «العنف والإرهاب» والتنسيق الأمني من جانب واحد، والموافقة على مبادرة السلام العربيّة التي تتضمن موقفًا جديدًا من قضيّة اللاجئين، وما يعنيه ذلك من وضع حق العودة في نطاق المساومات وتحت رحمة الفيتو الإسرائيلي، وتكريس الموافقة على مبدأ «تبادل الأراضي»، وضمان أمن إسرائيل وإقامة علاقات طبيعيّة معها؛ ذلك كله من دون أن تعترف إسرائيل بأنها دولة محتلة، ولا الموافقة على وقف الاستيطان، ولا على هدف إقامة دولة فلسطينيّة على حدود 67؛ في وقت واصلت فيه تطبيق المخططات الاستعماريّة والتوسعيّة والاستيطانيّة والعنصريّة والعدوانيّة، التي ترمي إلى خلق أمر واقع احتلالي يجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح والممكن عمليًّا.
ومن جهة أخرى، وعلى الرغم من الحديث عن الخيارات والبدائل الأخرى: من استقالة الرئيس، وحل السلطة، واتفاق أوسلو، وبروتوكول باريس، وتدويل القضيّة، وإنجاز المصالحة الوطنيّة والانتخابات، وإعادة بناء منظمة التحرير، والمقاومة الشعبيّة، إلى حل الدولة الواحدة، إلا أن القيادة الفلسطينيّة استمرت في خانة الانتظار؛ لحدوث تطورات من شأنها إخراج ما يسمى «عمليّة السلام» من الموت السريري الذي دخلت فيه منذ سنوات طويلة. فما زال الرهان قائمًا على إمكانيّة ممارسة ضغط أميركي على إسرائيل، وعلى احتمال قدوم حكومة إسرائيليّة يمكن أن تقبل بتسوية تحقق جزءًا جوهريًا من المطالب الفلسطينيّة أو كلها.

تجريب المجرب!
بناء على ذلك لاحظنا استمرار الرهان على الخيار المجرّب، فمرة يتم الرهان على إحياء المفاوضات المباشرة، بمبادرة أميركيّة، ومرة ثانية يتم الرهان على مفاوضات تقريبيّة، على أساس تجميد جزئي وموقت للاستيطان، وثالثة على مفاوضاتٍ استكشافيّة ورسائلَ متبادلةٍ مع نتنياهو والآن يتركز الرهان على الحصول على دولة غير عضو عبر الجمعيّة العامة، بعد أن فشلت المبادرة الفلسطينيّة في العام الماضي في الحصول على العضويّة الكاملة للدولة الفلسطينيّة عبر مجلس الأمن.
السر في حيرة القيادة الفلسطينيّة وترددها الذي يؤدي إلى اعتماد سياسة انتظاريّة غير مبادرة ولا فاعلة، وتخشى من أي شيء؛ هو أنها تجد نفسها في موقف ضعيف جدًا، وتحت وطأة أزمة سياسيّة واقتصاديّة متفاقمة، ومن دون أوراق قوة فلسطينيّة، وفي ظل «ربيع عربي» ساهم، حتى الآن على الأقل، في تهميش القضيّة الفلسطينيّة، وفي ظل نجاح إسرائيل في وضع الملف الإيراني على صدارة الاهتمامات الدوليّة.
في هذا الوضع، لا تستطيع القيادة أن تعتمد خيارات أخرى من دون دفع ثمن باهظ، لذلك تفضل انتظار مفاجأة تغير الحال، أو معجزة يمكن أن تهبط من السماء، من شأنها إنقاذ القضيّة الفلسطينيّة من نكبة حذر منها الرئيس الفلسطيني في خطابه الأخير في الأمم المتحدة.
السؤال الأهم: لماذا وصلت القيادة الفلسطينيّة إلى وضع لا تستطيع فيه أن تعتمد خيارات أخرى من دون دفع ثمن باهظ جدًا؟
إن الذي أوصلنا إلى هذا المصير البائس هو توقيع اتفاق أوسلو واستمرار الرهان عليه، بالرغم مما تضمنه من تنازلات فلسطينيّة كبرى، تجلت في الاعتراف بإسرائيل دون أن تعترف بالدولة الفلسطينيّة، والتنازل عن المقاومة وأشكال النضال وأوراق القوة الفلسطينيّة والعربيّة والدوليّة دون أن تحقق أهداف النضال، والفصل ما بين القضيّة والشعب والأرض، وتجزئة القضيّة إلى قضايا، والشعب إلى شعوب في الضفة وغزة والداخل والشتات، والأراضي إلى أ، وب، وج، وفصل القدس عن بقيّة الأراضي المحتلة في العام 1967، وفصل الأخيرة عن أراضي فلسطين الداخل، وتجزئة الحل إلى مراحل انتقاليّة ونهائيّة من دون ضمانات بألا تستغل إسرائيل المرحلة الانتقاليّة لتغيير الحقائق على الأرض، حتى تصبح ملائمة لها تمامًا، مستفيدة في ذلك من الاختلال الفادح في ميزان القوى لمصلحتها، وتحييد العالم الذي تعامل بعد أوسلو بأن القضيّة الفلسطينيّة لم تعد قضيّة تحرر وطني، بل مسألة تتعلق بنزاع على الأرض والحدود، أو حول طبيعة السلام، أو بين المعتدلين والمتطرفين، أو بين من يمارس «الإرهاب» ومن ضده، وغيرها الكثير من التفاصيل.
وإذا كانت هناك عوامل وأوهام وآمال دفعت القيادة الفلسطينيّة إلى عقد اتفاق أوسلو، إلا أن الفرصة للتراجع عنه قد توافرت أكثر من مرة ولم يتم انتهازها، فقد أعلن إسحاق رابين مبكرًا بعد اتفاق أوسلو أن «لا مواعيد مقدسة»، في إشارة إلى أن إسرائيل أعادت النظر في أوسلو قبل أن يجف الحبر الذي كتب به. ثم نفذت حكومة نتنياهو مخططها في توسيع الاستيطان في جبل «أبو غنيم»، وواصلت ذلك بالرغم من «هبة النفق» التي جرت في العام 1996، ولم يطبق اتفاق «واي ريفر» الذي وقع في العام 1998، وبُحَّ صوت صائب عريقات، وهو يتحدث عن الالتزامات الإسرائيليّة الـ 34 التي لم تطبقها الحكومات الإسرائيليّة. وجاء أيهود باراك إلى رئاسة الحكومة، ودمج ما بين التزامات واستحقاقات المرحلتين الانتقاليّة والنهائيّة؛ حتى لا تدفع إسرائيل ثمنًا في المرحلة الانتقاليّة وآخر في النهائيّة، ودفع الأمور نحو عقد قمة كامب ديفيد، على أساس: إما أن تتوصل إلى اتفاقيّة سلام وفقًا للشروط والإملاءات الإسرائيليّة؛ أو أن «يُكْشَفَ القناع عن ياسر عرفات، وإظهاره بأنه زعيم إرهابي وليس صانع سلام».
ثم جاءت حكومة شارون، وأعادت تعميق الاحتلال في الضفة الغربيّة، وإعادة فك الارتباط عن قطاع غزة، واغتالت ياسر عرفات، وفرضت على السلطة، بدعم أميركي، ودولي تمثل بأطراف اللجنة الرباعيّة، إعادة صياغة نفسها لتستجيب للوقائع الاحتلاليّة الجديدة التي أقامتها منذ أوسلو، وتجاوزت في ذلك أوسلو بشكل يكاد أن يكون كاملاً. ومن ثم جاءت حكومة أولمرت، وحاولت مرة أخرى فرض تسوية نهائيّة، لم يُقَدّر لها النجاح؛ لأن الحكومة الإسرائيليّة لم تكن منسجمة حول خطة رئيسها، وغير قادرة على تسويقها، ولأن الفضائح لاحقت أولمرت إلى أن أسقطته، وبسبب أن القيادة الفلسطينيّة لا يمكنها أن توافق على تسوية نهائيّة لا تحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينيّة، حتى لو كانت أقل سوءًا من التسوية الانتقاليّة التي طرحها شارون، وخصوصًا أن التجربة أثبتت أن ما يجد طريقه للتنفيذ ليس ما يتم التوقيع عليه، بل هو ما يستطيع الطرف القوي فرضه على الطرف الضعيف.
إن السلطة واللجنة الرباعيّة الدولية والدول المانحة أعفت إسرائيل من مسؤولياتها عن الأراضي المحتلة المترتبة عليها بحكم القانون الدولي، ثم قامت بخدمة الاحتلال أمنيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، على أساس أنها ستحصل بالمقابل على دولة فلسطينيّة عاصمتها القدس على حدود 1967، ولو على أساس تبادل للأراضي.
وقامت السلطة بما عليها من التزامات، في حين أن إسرائيل لم تقم بذلك، بل تجاوزت كليًّا اتفاق أوسلو والالتزامات المترتبة عليه، وذلك في نفس الوقت الذي شددت فيه إسرائيل على ضرورة استمرار قيام الجانب الفلسطيني بالتزاماته.
إن الخروج من قواعد أوسلو والتزاماته هو مفتاح الخلاص الوطني، ولو أدى ذلك إلى انهيار السلطة أو حلها، لأن المهم أن يكون ذلك الخروج في سياق إحياء المشروع الوطني والمؤسسة الجامعة والقيادة الواحدة، ويمكن أن يتم ذلك على دفعات ومراحل، من دون أن تتضمن بالضرورة إعلان إلغاء أوسلو رسميًّا وعلنًا؛ حتى لا يتحمل الفلسطينيون المسؤوليّة عن جريمة ارتكبتها إسرائيل، ويكونون في هذه الحالة قد تحملوا المسؤوليّة في كلا الحالتين، عند التوقيع عليه في «عصره الذهبي»، وبعد وفاته. المهم أن يكون الهدف واضحًا منذ البداية.

المدير العام لمركز مسارات لأبحاث السّياسات - رام الله.