| 

كنت لعقد من الزمن شاهدًا على مرحلة ومشاركًا فيها. وفي سنة 2004 غادرت منصبي كناطق بلسان بلدية الناصرة وعُدت الى ما أحب: الصحافة. لكن حواري الذاتي مع الناصرة لم يتوقف، وما زلت أقف عند عتبة السؤال الذي شغلني طوال الوقت: كيف غاب «الحيّز المديني» عن الناصرة على الرغم من أنها هي البلد، وهي ما تبقى لعرب 48 من «المدينة»؟ وكيف نجحت إسرائيل في تغييب «مقوّمات المدينة» عنها، حتى صرنا خليطًا من التشوّه؟!
مشهد الناصرة هو مشهد من بقي في الوطن، على أرضه وتحت سمائه، وكان عليه أن يحافظ على هويته وعلى ما تبقى من فلسطينيته، إنسانًا ورواية، ترابا وحجرا، تراثا ولغة، هوية وثقافة. وكان عليه ان يحتضن ألوف المهجرين في وطنهم بفعل النكبة والتهجير. فقد جاؤوا من صفورية ومن معلول ومن المجيدل حاملين «بقجة» ومفتاح الدار، فاحتضنتهم كنائس الناصرة وأديرتها وحمتهم من مأساة جديدة بعد مأساة تهجيرهم وهدم بيوتهم وقراهم التي ما زال الصبّار فيها يبوح بفلسطينية المكان. وكان على الناصرة، في تلك المرحلة، ان تفتش عن حلول هي أشبه بالعصا السحرية. لم يكن هدف الفلسطيني «مسايرة» العدو، أو قبول فكرة «التدجين» و«الذوبان»، ولا محاكاة هذا العدو في الثقافة والهوية والمظهر والسلوك والتقاليد والعادات، بل كان يقصد، أولاً وأساسًا: المعرفة لرسم حدود المواجهة، الى أن يأتينا «الفرج العربي» الذي كان أهلنا ينتظرونه!. فلا «الفرج» جاء ولا نحن أصبحنا «حطابين وسقاة ماء» كما أرادت لنا إسرائيل أن نكون!.

أول تمرّد على ظاهرة «العربي السعيد»!
في «العاشور» (ذكرى مرور عشر سنوات على قيام إسرائيل) أرادت إسرائيل ان تقيم احتفالاتها في المدن والقرى العربية، واختارت الناصرة لتكون أول هذه الاحتفالات، لإظهار العرب وكأنهم سعداء ويحتفلون باستقلال الدولة! وقد جاء هذا القرار بعد قيام إسرائيل بالمشاركة في العدوان الثلاثي على مصر عبد الناصر وبعد مجزرة كفر قاسم. يومها انقلب «الاحتفال» على منفذيه، فما إن بدأ وزير الشرطة الإسرائيلية، وأمام وسائل الإعلام العالمية، بإلقاء كلمته، حتى تطايرت الكراسي في المكان، وهرب الحاضرون في كل اتجاه، وفشل مشهد «العربي السعيد»!
شكلت الناصرة بهذا المعنى، هوية شعب. وكانت أمثولة الصمود السياسي والثقافي والوطني. وكانت إسرائيل تنتهج سياسة الـgated communities (المجتمعات المغلقة) مع عرب 48. أي أن تعيش في وهم المدينة، بينما على أرض الواقع أنتَ تعيش في «مجتمع منغلق» يُراد له أن يكون «فندق نوم» لا أكثر ولا أقل، في حين أن مقوّمات الحياة المدنية تُستحضر من مراكز أخرى في البلاد، أقامتها إسرائيل لشطب المدينة الفلسطينية وإحلال «مدن يهودية» مكانها.
لقد أصبحت يافا، بعد 1948، والتي كانت توصف بـ«عروس فلسطين»، حيَّا مهملا ومضطهدا على هامش تل أبيب، المدينة التي خططت لها المؤسسة الإسرائيلية أن تحتل مكان يافا، وأصبحت حيفا الفلسطينية على هامش «حيفا اليهودية» التي بنتها إسرائيل وقامت بتهويدها، وعملية تهويد عكا سارية بالتمام والكمال(!)، بينما الناصرة هي عمليًا ما تبقى لنا من هذا الحيّز، حيث فشل فيها مشروع تهويدها، وبقيت عربية فلسطينية يسكنها الفلسطينيون وحدهم، على الرغم من قيام «بن غوريون»، في الستينيات من القرن الماضي، ببناء «مدينة نتسيرت عيليت»، على أراضي الناصرة والقرى العربية المجاورة، بعد مصادرة الأراضي العربية، في محاولة لإعادة نسخ «تجربة» تل أبيب مع يافا.
أراد «بن غوريون» أن يعطي الشارع الالتفافي العريض، الذي يفصل الناصرة عن مستوطنة «نتسيرت عيليت»، الفارق الشاسع بين الناصرة - «المدينة العربية»، وبين «نتسيرت عيليت» المستوطنة – «المدينة» اليهودية!. هناك تكون «الناصرة العليا» (الترجمة الحرفية لاسم «نتسيرت عيليت»)، وهنا نكون في «الناصرة التحتا» - البلدة القديمة (كما في حيفا وعكا ويافا)، على الرغم من أن مركزية الناصرة، محليًا وعالميًا، تؤهلها لأن تحتل موقع الصدارة في الاهتمام والرعاية والتطوير. إلا ان حكومات إسرائيل المتعاقبة تعاملت مع الناصرة على أنها «المدينة العربية» التي يجب أن تبقى في «سلّم الاهتمام» ليس من حيث التطوير، وليس من حيث الدعم، إنما من حيث الحصار والتهميش والخنق وعدم إعطائها حقها في «الحيّز المدني» والموقع المركزي الذي يجب أن تحتله.
الناصرة ليست مدينة عربية أخرى. فهي عاصمة الأقلية العربية الفلسطينية الباقية في وطنها، وهي أكبر مدينة في الجليل. وكانت المسافة بينها وبين القدس هي «سفرة ساعتين» بالسيارة. وكذلك فإن المسافة بينها وبين عمان، وبينها وبين بيروت، هي «سفرة ساعتين»!! وهي بلد بشارة السيّد المسيح، ولها موقعها وأهميتها في العالم أجمع. ويبدو أن هذه المكانة العالمية هي التي حمتها من عملية «التهويد» والتهجير وهدم المعالم والشواهد الفلسطينية، كما جرى في حيفا ويافا، ويجري الآن في عكا! وقصة الناصرة لم تتوقف عند النكبة وما بعدها. فقد كان هدف المؤسسة الإسرائيلية تحويلها إلى «حي صغير وهامشي» يتبع الى «مدينة» / مستوطنة «نتسيرت عيليت». وكثيرة هي النصوص التي قلنا فيها، في مناسبات مختلفة، إنه لو كانت الناصرة موجودة في دولة أخرى، لكانت قد حظيت بدعم حكومي بما يتلاءم مع أهميتـها التاريخية ومكانتها المحلية والعالمية، ولكان شكل التعامل معها مختلفا تماما من حيث الاهتمام من السلطة المركزية على تطويرها وتقدمها وازدهارها.
الناصرة هي المدينة رقم 16 في البلاد من حيث عدد السكان. وللمقارنة فقط، فإن مدينة الناصرة، التي يتجاوز عدد سكانها 80 ألف نسمة، لا يزيد مسطحها عن 16 ألفا و400 دونم، بينما يصل عدد سكان «نتسيرت عيليت» إلى نحو 50 ألفا، في حين يبلغ مسطحها حوالى 45 الف دونم!!

الناصرة والأرض
التطور مرتبط بالأرض. لذلك هناك حاجة لتوسيع مسطح الناصرة بآلاف الدونمات للرد على احتياجات المدينة وتكاثرها الطبيعي. وتتوقع الدراسات أن يتجاوز عدد سكان مدينة الناصرة في العام (2020) المئة ألف نسمة، بينما احتياط الأراضي معدوم، حيث تحد الناصرة من كافة الاتجاهات مناطق وأراض تابعة بلديا لسلطات محلية أخرى، بعد أن صودرت بأغلبها من الناصرة ومناطق عربية أخرى. وبدلا من الاستجابة إلى مطالب الناصرة، قامت السلطة المركزية بإعطاء «نتسيرت عيليت»، فقط في السنوات الأخيرة، أكثر من عشرة آلاف دونم لتوسيع مسطحها الذي هو أصلا ثلاثة أضعاف مسطح الناصرة. بهذا المعنى، فإن الوضع الراهن يعيق تقدم المدينة من خلال حصار خانق مفروض عليها وعلى أهلها وبلديتها ينعكس بعدم وجود احتياط أراض يكفي للاستجابة لمتطلبات الحياة وتطورها ولاحتياجات التزايد السكاني الطبيعي.
الناصرة هي إحدى المدن السياحية الأكثر أهمية في البلاد. وتفيد المعطيات الرسمية ان حوالى 70 في المئة من السياحة العالمية الوافدة إلى البلاد تزور مدينة الناصرة. هذه النسبة ليست مجرد رقم، إنما كان من المفترض أن تشكل، في وضع طبيعي، حافزا لإعطاء أولوية من السلطة المركزية لتطوير المدينة وتقديم الدعم المطلوب لذلك.
لكن الوضع الذي نعيش فيه ليس وضعا طبيعيا، وبالتالي فإن التعامل الحكومي مع الناصرة هو تعامل غير طبيعي. ونقصد، تحديدا، سياسة حكومية موجهة ضد الناصرة تعتمد التمييز على أساس قومي، الذي لا ينعكس فقط في حرمان المدينة من ميزانيات ومبادرات مركزية، إنما أيضا، وجنبا إلى جنب، في ممارسة سياسة خنق وحصار تستهدف إرهاق البلد وإغراقه في متاعب ومشاكل وهموم، اقتصادية واجتماعية، مبرمج لها مسبقا، ضمن أولويّة إسرائيلية كانت، ولا تزال، تقود لجهة «تهويد الجليل» (كما المثلث والنقب).

تفريغها من مكانتها اللوائية
لا مكان للصدفة هنا. فالناصرة كانت، منذ القدم، منذ الفترة العثمانية ثم في عهد الانتداب البريطاني، مدينة لوائية مركزية تقدم خدمات لكل المنطقة. لكن مع قرار إقامة «نتسيرت عيليت»، تحت شعار تهويد الجليل وإحداث التوازن الديمغرافي بين العرب واليهود لجعل العرب أقلية في منطقة تتميز بالاكتظاظ السكاني العربي، بدأت المؤسسة الإسرائيلية تنفيذ المخطط الحكومي الرسمي، بإضعاف الناصرة ومحاولة توجيه الضربات لها من أجل شلّها ونقل مركز الثقل إلى «نتسيرت عيليت».
لذلك، ليس مصادفة تفريغ الناصرة من المكاتب والمؤسسات الحكومية ونقلها الى «نتسيرت عيليت». وعملية نقل المكاتب والمؤسسات لا تعني فقط محاولة إضعاف المكانة اللوائية للناصرة، بل أيضا ضرب اقتصاد البلد، وتشديد الحصار الاقتصادي على البلد وأهله، لأن ألوف الوافدين إلى الناصرة يوميًا للحصول على الخدمات منها، هم أيضا قوة شرائية بشرية، وقوة لتشغيل البلد وتحريك اقتصاده.
ماذا قلنا في البداية؟ قلنا: «المعرفة لرسم حدود المواجهة»! ولأننا لا نستهين بالمحاولات الإسرائيلية المتكررة التي لا تزال تقف عند «حدود المواجهة»، فقد أمسَكَت الناصرة بعنصر المبادرة حين طرحت «مشروع الناصرة 2000» الذي اضطر المؤسسة الإسرائيلية، في حينه، إلى التعامل معه دون أن تستطيع الهروب منه. وجاء اقتراح المشروع بهدف اختراق سياسة التمييز وفرض قضايا وهموم ومشاكل البلد فرضاً على جدول أعمال متخذي القرار في إسرائيل.
كانت المناسبة هي الألفية الثانية لميلاد السيد المسيح. والناصرة مدينة البشارة. وقداسة البابا سيقوم بزيارتها بهذه المناسبة. وهي المدينة التي كانت تفتقر ليس إلى مقومات المدينة فحسب، بل إلى مجرد بنية تحتية متطورة نتيجة سياسة الإهمال والتمييز الإسرائيلية.
وقد جاء مشروع «الناصرة 2000» كرافعة لتطوير المدينة بعد الاستفادة من حدث عالمي له ارتباط وصلة بالناصرة أيضًا، ولا تستطيع المؤسسة الإسرائيلية، هذه المرة، التهرّب من دفع مستحقاته على شكل تطوير للمدينة، على الرغم من المعارضة الشديدة التي جوبه بها المشروع داخل الحكومة الإسرائيلية، وبالأساس من الأحزاب اليهودية المتدينة، التي رأت فيه نقيضًا لديانتها ومعتقداتها اليهودية. وكانت الناصرة، قبل هذا المشروع، قد خاضت معركتها السياسية الكفاحية، بقيادة الشاعر توفيق زيّاد، الذي انتخب رئيسًا للبلدية سنة 1975، ليصبح أول رئيس بلدية عربي شيوعي في منطقة الشرق الأوسط – كانت الناصرة، بقيادته، تخوض أشرس المعارك مع السلطة المركزية الإسرائيلية تحت شعار «أعطوا الناصرة حقوقها»، فأقيمت مخيمات العمل التطوعي، سنويًا، والتي ساهمت في بناء وتعمير البلد، وأعطت الرد، في تلك المرحلة، على سياسة الإقصاء والتهميش والحصار، كما أعطى مشروع «الناصرة 2000»، في مرحلة متقدمة أكثر، الرد نفسه على السياسة العنصرية عينها.
إن التلاعب السياسي الإسرائيلي، الذي ما زال قائمًا، بمفهوم خنق ومحاصرة الناصرة، المدينة العربية الباقية في الداخل الفلسطيني، يمثّل تحديًا يحرّض على إعادة قراءة الواقع قراءة جديدة وبفهم جديد مبني على تجربة الماضي في محاولة لفهم «حدود المواجهة» للمستقبل. والاختيار، في هذا المجال، لن يكون اختياراً تبسيطياً. فهو اختيار مبني على حالة تصادم بين العربي، صاحب البلاد الأصلي، وبين مؤسسة إسرائيلية تطمح لإلغائه وشطب هويته. لكنّ، هذا المنطق الإسرائيلي، الذي لم يستطع التواجه مع «مبادرات الناصرة» لاختراق سياسة التمييز العنصري، يبقى عاجزًا عن إرباك بلد، وعن محاولة منع استرداد المدينة لعافيتها، وإن كان هذا المنطق قادرًا، في هذه المرحلة، على حجب الحيّز المديني عن الناصرة.
وتبقى في الناصرة حكايات أخرى، ما زلت أتحاور معها..!

صحافي فلسطيني يقيم في الناصرة.