| 

لئن كانت الحرب التي خاضها الصهيونيون من أجل احتلال مدينة حيفا وتطهيرها عرقيًا، قد اختزلت دلالة «الحرب على كينونة الدولة اليهودية برمتها»، بحسب ما كتب رئيس تحرير صحيفة «معاريف»، الدكتور عزرائيل كارليباخ، في 22 نيسان (أبريل) 1948 (راجع: طلال سلمان في ملحق «فلسطين»، العدد 28)، فإن وقائع الحرب المرتبطة بمدينة فلسطينية أخرى هي الناصرة اختزلت آنذاك دلالة الطابع المضمر لـ «الدولة» المنوي إنشاؤها، ولا سيما في سياق العلاقة الإستراتيجية مع من بقي من الفلسطينيين فيها. وما عاد سرًا الآن- كما يقول الباحث الإسرائيلي الراديكـالي إيلي أمينـوف- أن تدمير المدن الفلسطينية وطرد سكانها كانا في صلب غايات نكبة 1948، سواء فيما يتعلق بعدد المطرودين من المناطق الحضرية المكتظة، أو فيما يتعلق بالنسيج الاجتماعي الثقافي- الحضري النابض بالحيوية والنشاط والتطور، والذي تسببت تلك النكبة بتدميره.
بناء على ذلك، فإن أخطر ما تعرّض إلى التدمير جراء النكبة، برأيه، هو ما كانت المدينة الفلسطينية تنطوي عليه في الجوهر، بصفتها عاملا حيويا يساهم في حفز الوعي والتقدّم من الناحيتين الوطنية والاجتماعية، والذي لم يعد له وجود بعد 1948. وقد أتاح تدمير المدينة الفلسطينية إمكان إدارة حكم عسكري مريح وغير باهظ الثمن، يُحكم السيطرة على مجتمع متفكك، ومجرّد من القيادة، وعاد إلى الوراء أجيالاً. ومعروف أن المدينتين الوحيدتين اللتين بقي فيهما عقب النكبة سكان عرب بحجم كبير كانتا الناصرة في الشمال، والمجدل في الجنوب.
في الناصرة تخوف الصهيونيون من التدمير وتنفيذ تطهير عرقي مطلق بسبب أهمية المدينة للعالم المسيحي، ولذلك دفعوا إليها أعدادا كبيرة من النازحين الفارين من قرى المنطقة بهدف التأدية إلى خلط العنصر الحضري بسكان جدد غير حضريين. أما في مدينة المجدل فقد كانت المقاربة مختلفة تماما. فبعد أن بقي نحو ربع سكانها فيها بعد النكبة والحرب، تحولت إلى ما يشبه مركز إغاثة للنازحين الذين عبروا الحدود بهدف قطف محاصيل حقولهم، أو أخذ أمتعة وحاجيات تركوها وراءهم. وقام الحكم العسكري بنقل حمولة من المتعاونين البدو إلى المجدل كي يراقبوا سكان المدينة، لكن في 17 آب (أغسطس) 1950 تسلم سكان المجدل أوامر طرد، وطلب منهم بحضور جنود الجيش الإسرائيلي التوقيع على وثائق يعلنون بموجبها أنهم يغادرون بيوتهم بإرادتهم الحرة!. وبحلول شهر تشرين الأول (أكتوبر) من السنة ذاتها تم ترحيل جميع سكان المجدل إلى قطاع غزة، لتقام على أنقاض بيوتهم مدينة عسقلان.

تدمير المدن الفلسطينية
كذلك ما عاد سرًا الآن أن تدمير المدينة الفلسطينية كان يهدف، في ما يهدف، إلى إضفاء قدر من الصدقيـة بأثر رجعـي على الحجج والأكاذيب والمواقف العنصرية التي تسلحت بها الحركة الصهيونية إزاء السكان الأصلانيين في البلد الذي خططت لاستعماره- فلسطين. وفحوى هذه الحجج هو أن هؤلاء السكان الأصلانيين متخلفون، جهلة... وما إلى ذلك. لكن الأهم من هذا هو أنهم في حاجة ماسّة إلى من يأخذ بيدهـم، كي يلحقوا بركب التطوّر والحضارة.
ويذكر كثيرون كيف انعكست هذه الحجج في كتاب مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتسل: «دولة اليهود»، الذي تضمن برنامج الحركة الصهيونية لاستعمار فلسطين، وكذلك في روايته اليوتوبية «ألطنويلاند» (الأرض القديمة- الجديدة). ومما كتبه في الكتاب الأول: «سنكون هناك جزءًا من القلعة الأوروبية ضد آسيا، وسورًا حضاريًا في مقابل البربرية». وهو ما يوازي مقولة «فيللا في غابة» التي يكررها إيهود باراك وغيره من زعماء إسرائيل في الآونة الأخيرة.
وترد مثل هذه المقولات في كتابات جميع الذين ساهموا في تأسيس الحركة الصهيونية، وفي صوغ أهدافها وبرامجها. ومنهم مثلاً ماكس نورداو، الذي تكلم في خطابه أمام المؤتمر الصهيوني الأول عن الآسيويين والأفارقة باعتبارهم «بشرًا منحطين»!. ولم تكن هذه النظرة العنصرية- الاستعلائية منحصرة في الشخصيات المناصرة، قلبًا وقالبًا، لمشروع استعمار فلسطين بالقوة وحسب، وإنما أيضًا تعدتهم إلى شخصيات صهيونية أخرى كانت تتبنى، في الظاهر على الأقل، أفكارًا اشتراكية أو هيومانية. ومن هذه الشخصيات يمكن أن نذكر، على سبيل المثال، دوف بوروخوف، وهو أحد مؤسسي حزب «بوعالي تسيون» (عمال صهيون) ولاحقًا من مؤسسي «الاتحاد العالمي لبوعالي تسيون»، والذي كان أحد منظري حركة العمل الصهيونية، ودعا إلى الدمج ما بين مبادئ الصهيونية ومبادئ الاشتراكية الماركسية، ورغم هذا تحدث عن الآسيويين والأفارقة على أنهم «جيران أشبه بالبرابرة». ولا بُدّ أيضًا من ذكر أرثور روبين، الذي اعتبر المنظر الرئيسي لجماعة أو رابطة «بريت شالوم» - تحالف أو ميثاق السلام- التي أسست في سنة 1925- 1926، وكانت تؤمن بما يسمى «الحل الثنائي القومية» للصراع العربي- اليهودي. وكان شخصية مركزية في القيادة الصهيونية في ذلك الوقت، إذ إنه شغل منصبي عضو الإدارة الصهيونية العامة، ومدير قسم الاستيطان، لكنه اعتقد أنه لن يكون في وسع الحركة الصهيونية أن تصمد في فلسطين إذا لم تعمل في تجنيد أصدقاء متفهمين لها في العالم العربي. وقد عُدّ الزعيم الصهيوني الوحيد، في ذلك الوقت، الذي انتابته الخشية من أن يعكر قرار الانتداب البريطاني على فلسطين، في سنة 1922، صفو العلاقات مع العرب. كما أنه اتهم هرتسل بإتباع «مقاربة ساذجة» إزاء العرب. وبحسب رأيه يتعيّن على الحركة الصهيونية أن تندمج بشعوب الشرق، وأن تعقد «صلات عضويـة» مع الشعوب المحيطة بفلسطين. مع ذلك، لم يتحرّر روبين من آفة الوصاية والاستعلاء الغربية الاستعمارية، فقد أعرب عن اعتقاده بأنه يجب على اليهود «أن يرفعوا المستوى الثقافي للشرق الأدنى كله، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى قيام نظام اجتماعي جديد وأكثر عدلاً في فلسطين»!. وبذا تبنى، في الباطن، نظرية روديار كيبلينغ العنصرية بشأن «عبء الرجل الأبيض».

ترييف المدينة الباقيـة
لدى محاولة استحصال هذه المقاربة فيما يختص بالمدينة الفلسطينية، تتراءى أمام ناظرنا الصورة المزدوجة التالية، المتصلة مبنًى ومعنًى: من جهة واحدة تم القضاء أو الإجهاز على المدينة الفلسطينية، بوصفها عاملاً مثورًا ونهضويًا متقدمًا، من الناحيتين القومية والثقافية. ومن جهة أخرى جرت عملية ترييف- بالمفهوم الثقافي والاجتماعي- للمدينة الفلسطينية الباقية داخل تخوم «الخط الأخضر». وهذا ما يمثّل عليه، بشكل ساطع، نموذج مدينة الناصرة في الوقت الراهن. ومع هذين الأمرين تمّ فرض حكم عسكري مشدّد على المجتمع الفلسطيني الباقي في حدود دولة إسرائيل، والذي أعيد القهقرى عدة أجيال.
تجدر الإشارة إلى أن الباحثة الفلسطينية منار حسن أنجزت أطروحة دكتوراه عنوانها «في حضرة المغيبات: الحاضرة (المدينة) الفلسطينية ونساؤها والحرب على الذاكرة». ومما أكدته هذه الأطروحة، من ضمن أشياء أخرى، أن المدينة الفلسطينية قد غيبت في حيزين: الحيز الجغرافي، وحيز الذاكرة. وفي سياق ذلك، أشارت إلى أنه من بين 11 مدينة فلسطينية، بينها 3 مدن مركزية هي يافا وحيفا والقدس، لم يبق في إثر نكبة 1948 إلا مدينة واحدة (الناصرة)، تم ترييفها، الأمر الذي استأصل المدينة، وأثر على النسيج الاجتماعي. وفقط في العقد الأخير من القرن العشرين الفائت، ونتيجة لتراكمات معينة، بدأت تظهر في داخل مناطق 1948 شرائح مدينية على هامش المدينة اليهودية، وأدت إلى حدوث تحولات اجتماعية، لكن هذه التحولات لا تلغي الحالة الوجودية المترتبة على غياب المدينة، وهي تشكل حالة فريدة في التاريخ الحديث.
من ناحية أخرى، أكدت الأطروحة ذاتها أن المدينة هي عامل مهم في حدوث التغييرات، ففيها يتمّ نشوء القومية، وفيها تبدأ تحولات العلاقات الاجتماعية، فضلاً عن ازدهار ظواهر ثقافية أخرى، كالفن التشكيلي والرواية.
وخلال عرضها لبعض جوانب المدينة الفلسطينية قبل 1948 أشارت حسن، مثلا، إلى أن مجمل الصحف التي صدرت في فلسطين آنذاك كانت 206 صحف، بالإضافة إلى دور السينما والمسارح والنوادي الثقافية، وداري إذاعة ومقاه ومراقص وحدائق عامة، وكذلك نقابات عمالية وتنظيمات نسوية، وكل هذه اختفت تمامًا. كما أشارت إلى أن استحضار المدينة مهم لأن الحيز المديني برأيها هو عامل مؤسس للعديد من الظواهر الاجتماعية التي لا قبل للحيز الريفي بإنتاجها، وهذا ما يفسر كون وضع فلسطينيي 1948 متدنيا أكثر من العالم العربي أو المناطق الفلسطينية التي احتلت سنة 1967 ولم تهدم مدنها بالكامل.
وقالت أيضا إنه بسبب غياب المدينة فإن جزءًا من فلسطينيي 1948 تبنى كثيرا من الأساطير التي تدعي أن «تمدنه» تمّ أساسًا بفضل إسرائيل.
في موازاة ذلك، يشير أمينـوف إلى أنه في الفترة التي بدأ فيها الاستيطان الصهيوني يتجسد برعاية الإمبراطورية البريطانية، كان الشعب الفلسطيني يمر في أوج عملية تبلوره كأمة حديثة في وطنه. وأخذت التحولات الاجتماعية، التي نشأت في أعقاب تغلغل رأس المال الكولونيالي الأوروبي، تفرز نوعا من الطبقات الاجتماعية الجديدة على أساس العلاقات الرأسمالية، تمركزت أساسًا في المدن الكبيرة، وأفرزت طبقات متوسطة حديثة طورت علاقات ومفاهيم جديدة، وقد كانت عملية العلمنة التي مرت بها هذه الطبقات شديدة التأثير.
كما أنه منذ بداية الانتداب البريطاني الذي نشأ وتطور في كنفه الاستيطان الصهيوني، كانت المدن الفلسطينية تضم قرابة ربع مجموع سكان فلسطين. وازدادت هذه النسبة لتصل إلى 36% في نهاية الانتداب. وبالمقارنة مع الشرق الأوسط بأكمله، فقد كانت نسبة تمدن السكان العرب في فلسطين مرتفعة بشكل خاص.
وحتى من ناحية تكنولوجية، كانت فلسطين من البلدات المتقدمة في الشرق الأوسط. وعلى سبيل المثال، كان مستوى المركبات الميكانيكية- عدد السيارات لكل ألف نسمة- أعلى في المجتمع العربي الفلسطيني من جميع دول المنطقة باستثناء لبنان، وأعلى حتى من دول مثل بلغاريا أو بولندا في تلك الفترة، كذلك فإن عدد أجهزة المذياع، الذي كان سلعة حديثة باهظة الثمن، زاد في كميته لدى السكان الفلسطينيين أربعة أضعاف أو خمسة أضعاف عن عددها في سورية أو مصر نسبة إلى عدد سكانهما. وقد شكلت المدن الفلسطينية مفترق طرق يربط المجتمع المحلي مع المتغيرات والتجديدات والابتكارات والأفكار في العالم بأسره، فصارت مصنعا للأفكار الوطنية.
في سنة 1946 كان في فلسطين 11 مدينة زاد عدد سكان كل منها على عشرة آلاف نسمة. وفي ثلاث من هذه المدن - يافا وحيفا والقدس- بلغ عدد السكان العرب نحو 70 ألف نسمة في كل منها، ولم يقتصر التطور فيها على مجالات التجارة والمصارف والصناعة الخفيفة والنقل وحسب، بل شمل أيضا الحياة الثقافية والاجتماعية وفروعا مثل السينما، المقاهي، النوادي، التنظيمات الشبابية والنسوية، الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والمحافل الأدبية والمسرح وتعلم اللغات.
وبرز وجود الطبقة العاملة الفلسطينية ومنظماتها النقابية بشكل ملحوظ وكبير في المدن، غير أن الحياة الثقافية طورت في معظمها على يدي شريحة برجوازية صغيرة واسعة. وقد تصدت هذه الشريحة للصهيونية بل وشنت في بعض الأحيان انتقادات شديدة ضد الزعامة الإقطاعية- البرجوازية الفلسطينية التي كانت مرتبطة برأس المال الأجنبي والنظام الكولونيالي والعروش الملكية العربية، بل وبالصهيونية ذاتها. ورغم أن هذه الشريحة لم تنجح في الانفصال أو الابتعاد عن تلك الزعامة الإقطاعية التقليدية بصورة حقيقية، ولذا لم تفلح في تطوير سياسة مستقلة، إلا إنها وفرّت زعامة أيديولوجية للحركة الوطنية، في صيغتها القومية العربية، أو في صيغتها الفلسطينية، وكانت لها أهمية بالغة في النسيج الوطني الفلسطيني، وعليه لا غرابة في أن هذه الفئة ومنشأها- المدينة- كانا موضع كراهية علنية لدى الحركة الصهيونية. فالمدينة، خلافا للقرية والقبيلة، تنمو وتزدهر عن طريق نشاط أفراد يلتحقون بها ويساهمون في خلق روابط اجتماعية وإنسانية وثقافية جديدة. وهذا التطور كان دائما يشكل تهديدا للهوية الإسرائيلية المبنية على الأساطير الصهيونية.
لعل الاستنتاج المطلوب من ذلك كله هو أن وجود فلسطين الحضري، في الماضي كما في الحاضر، يقلق ويخيف دائما الوجود الكولونيالي الصهيوني، ويقوّض روايته، وصدقية جميع الأساطير التي اختلقها.