لم تكن هجرة الجزائريين والمغاربة واستيطانهم فلسطين ظاهرة جديدة، إذ كان الآلاف منهم وصلوا خلال العهد العثماني. إلا ان الجزائريين الذين يشار إليهم هنا كانوا وصلوا إلى منطقة صفد بعد احتلال فرنسا للجزائر سنة 1830، وبعد حركة المقاومة التي قادها الأمير عبد القادر الجزائري تعبيراً عن رفضه للاحتلال الأجنبي. وقد استمرت المقاومة الجزائرية خمسة عشر عاماً (1832 ـ 1847). وبعد هذا الصراع الدامي استسلم الأمير للفرنسيين ونُقل إلى باريس، حيث بقي في الأسر حتى سنة 1852 حين سُمح له بالانتقال إلى الدولة العثمانية، فمكث مدة قصيرة في بورسه، ومن ثم انتقل سنة 1855 إلى دمشق واستقر بها. شجع وصول الأمير إلى دمشق كثيرين من أتباعه على الهجرة إلى المنطقة، وفعلاً قدم بعده الآلاف من المهاجرين الجزائريين، وتوزعوا في أرجاء ولاية الشام، سواء كان ذلك في المدن أو في القرى.
أقيم في قضاء صفد خمس قرى للمهاجرين الجزائريين هي: ماروس وديشوم وعموقة في السفوح الشرقية للجليل الأعلى، والحسينية والتليل جنوب سهل الحولة. كما أن العشرات منهم استوطنوا مدينة صفد نفسها.
لا تتوفر لدينا إحصاءات دقيقة عن عدد أبناء هذه الجالية في صفد، ذلك بأن المسؤولين عن الإحصاء لم يعتبروهم مجموعة سكانية منفردة. إلا انه يمكن تقدير عددهم في أربعينيات القرن العشرين بنحو 300 نسمة استناداً إلى عدد البيوت التي سكنوها في حارة الأكراد. وإزاء عدم الوضوح بالنسبة إلى عددهم في صفد، فإن عددهم في ريفها بلغ سنة 1945 في القرى الخمس 1150 نسمة.
عمل معظم الجزائريين القرويين في الزراعة. أما الجزائريون الصفديون فعملوا أساساً في التجارة، وبرز منهم ابنا عائلة الدلسي، محمد ورشيد، اللذان كانا تاجرين معروفين في صفد، وقد مكنتهما ثروتهما الكبيرة من ترأس الجالية الجزائرية. وكما كان محمد الدلسي سكرتير جمعية المقاصد الخيرية المغربية في صفد. وإضافة إلى عائلة الدلسي برزت عائلة عربي بزعامة حسن عربي.
وعلى الرغم من كون الجزائريين مهاجرين فإنهم اندمجوا سريعاً في المجتمع الصفدي وفي القضاء عامة. وكان وضعهم الاقتصادي جيداً، إذ خصصت السلطات العثمانية لهم مساحات واسعة من الأراضي. فمثلاً كانت قرية ديشوم إحدى القرى الكبرى الثلاث في قضاء صفد، وبلغت مساحة أراضيها 23,000 دونم.
يشار إلى أن الجزائريين لم يُعتبروا من طبقة الأعيان، ولم تبرز بينهم أية شخصية على المستوى القطري. لكن الأمر لم يكن كذلك على الصعيد الوطني المحلي. فمع اندلاع ثورة 1936 ـ 1939 قام الجزائريون بدور فعال، وقادوا الثورة في الجليل الأعلى الشرقي. وكان زعيمهم موسى الحاج حسين، الملقب بالكبير، من قرية التليل في سهل الحولة، شخصية مركزية في تنظيم وقيادة الثورة في الجليل الشرقي. وإلى جانب موسى الكبير نشط بعض الجزائريين الذين كانوا قادة فصائل، مثل محمود سليم صالح (أبو عاطف) من قرية عموقة، وتوفيق عمر من قرية ماروس.
لاحق البريطانيون موسى الحاج حسين، فاضطر إلى مغادرة قريته واللجوء إلى الجولان. وهناك اعتقلته السلطات الفرنسية بتهمة القتل وسجنته في بيروت وقد أثارت عملية اعتقاله وسجنه غلياناً واسعاً في صفوف الجزائريين في البلد وحتى في سوريا، الأمر الذي استدعى تدخل الأمراء الجزائريين في دمشق للإفراج عنه. ويشير هذا التدخل إلى التعاون والتنسيق بين الجاليتين في فلسطين وسوريا.
من الجدير بالذكر أن الأمير عبد القادر الجزائري زار صفد سنة 1856 في أثناء رحلته إلى القدس، الأمر الذي يدل على استمرار التواصل بين الأمراء الجزائريين في سوريا وأبناء جاليتهم في صفد.
وعلى الصعيد الاجتماعي، كما أشرنا، كان أبناء الجالية مجموعة موحدة ومتراصة حافظوا على خاصيتهم دائماً. وظهر هذا في لهجتهم وملبسهم وعلاقات الزواج، وحتى في الأطعمة الجزائرية. ومن أجل المحافظة على هذه الخاصية أسسوا، في 10 كانون الثاني/يناير 1947، جمعية المقاصد الخيرية المغربية في صفد. وكان المبادرون إلى تأسيسها جزائريين من صفد وقضائها، إلا انها ضمت كذلك جزائريين ومغاربة من قضاءي طبرية والناصرة. وكان من بين الأعضاء العشرين المؤسسين عشرة صفديين. وتولى رئاسة الجمعية سعيد عمر، مختار قرية ماروس، إحدى قرى الجزائريين في القضاء. أما السكرتاريا فقد أُوكلت إلى الصفدي محمد الدلسي. وكان صبحي الخضراء من الزعماء الصفديين الذين تقربوا من الجمعية، ولا ندري هل كان ذلك لكونه حقاً من أصول مغربية، أم بسبب علاقاته بأبناء الجالية.

* راجع: مصطفى العباسي، صفد في عهد الانتداب البريطاني، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،٢٠٠٥.