يعتبر اليهود صفد من المدن المقدسة عندهم، وقد كانت موضع اهتمام وهجرة يهودية منذ أجيال خلت، إذ عاش في المدينة جالية يهودية عدا فترات قصيرة كالفترة الصليبية. فعلى سبيل المثال، سكن المدينة في القرن الخامس عشر نحو 300 أسرة يهودية، أي نحو 1200 نسمة. وتزايد هذا العدد باستمرار، فوصل إلى ذروته في القرن السادس عشر حين وصل الآلاف من المهاجرين والمطرودين من يهود إسبانيا والبرتغال وإيطاليا. وكان هؤلاء في معظمهم من أبناء الطبقة الوسطى، تجاراً وأصحاب مهن، وقد ساهموا في تحويل صفد إلى إحدى المدن المزدهرة من الناحيتين التجارية والصناعية.
قدّر الرحالة ستيفان أولن، الذي زار صفد سنة 1840، عدد يهود المدينة بنحو 1000 نسمة، قدموا من عدة دول هي: إسبانيا وفرنسا و ألمانيا و بولندا و إنكلترا و إيطاليا و شمال أفريقيا و تركيا. وقال إن القادمين من ألمانيا وبولندا شكلوا الأغلبية الساحقة. وبحسب أولن، فإن يهود صفد رحبوا بالحكم المصري لأنه عامل جميع الطوائف بالتسامح. ويلاحظ أن أول من تنبه، حتى في هذه الفترة المبكرة نوعاً ما، للجهود البريطانية الرامية إلى تشجيع الاستيطان اليهودي الزراعي في البلد.
وفي سنة 1882، زار الرحالة لورنس أوليفانت صفد، وأشار بشيء من المبالغة إلى أن عدد اليهود الأشكناز بلغ نحو 5000 ـ 6000 نسمة، بينما بلغ عدد السفاراديم 1200 نسمة، وإلى أن أغلبية يهود المدينة تعتاش من أموال الصدقات.
وفي سنة 1904، وصف مراسل صحيفة «ثمرات الفنون» البيروتية الوضع الصعب في الحي اليهودي، وكيف أن أزقته وممراته المتعرجة كانت مملوءة بالوحل.
في سنة 1910، بلغ عدد يهود صفد 7140 نسمة، 69,2% منهم من الأشكناز، و30,8% من السفاراديم. كما أن إحصاء المنظمة الصهيونية لسنة 1918 أشار إلى أن نسبة الأشكناز بلغت 69%، ونسبة السفاراديم 31%.
قدم معظم اليهود الأشكناز من مناطق الإمبراطورية النمساوية الهنغارية وشرق أوروبا، وقدمت قلة من وسط أوروبا وغربها، واعتبروا كلهم تقريباً من أتباع حركة الحسيدوت. وكانوا ينضمون إلى مدار سدينية طبقاً لأصولهم المتعددة، فكل مجموعة كانت لها كُنُسها ومعاهدها الخاصة. وذكر إليعيزر روكاح أن عدد الكنس في صفد في الثمانينيات من القرن التاسع عشر بلغ 22 كنيساً أشكنازياً، و5 كنس سفارادية.
شكل اليهود السفاراديم، في سنة 1918، ما نسبته 30% تقريباً من مجموعة أبناء الجالية اليهودية. وترجع أصولهم إلى مراكش والجزائر وإيران وأرجاء الدولة العثمانية. وبرز منهم اليهود الجزائريون الذين تزعموا الجالية في المجالات الدينية والسياسية والإدارية.
كان اليهود السفاراديم أكثر تضامناً من الأشكناز، وكانوا يتكلمون اللغة العربية ويتصرفون كالعرب تماماً في عاداتهم ولباسهم. وعلى الرغم من أنهم سكنوا حياً منفرداً، فإنهم لم يتقوقعوا ولم يشعروا بالغربة كاليهود الأشكناز، وكانت الروابط بين الحيين اليهوديين ضعيفة، إذ كان لكل طائفة مؤسساتها الخاصة.
ظهرت في صفوف الجالية السفارادية عائلات معروفة كعائلات الأعيان لدى المسلمين والمسيحيين، فبرز منهم الحاخام شموئيل عبّو الذي عمل وكيلاً قنصلياً لفرنسا، وشغل منصب الحاخام السفارادي الأكبر في الفترة 1858ـ1880. كذلك شغل نجله يعقوب حاي عبّو منصب الحاخام السفارادي الأكبر في نهاية القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من أن الأشكناز شكلوا الأكثرية، فإن عائلة عبّو كانت أكثر العائلات اليهودية شهرة في المدينة طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وذلك بفضل زعمائها الذين كانوا حاخامات كباراً ووكلاء قناصل فرنسيين وملاكاً في المناطق القروية حول صفد، والذين قاموا بدور مهم في امتلاك الأراضي وإقامة المستعمرات اليهودية في الجليل الأعلى وسهل الحولة، وهذا بفضل الوساطة والدعم والحماية التي وفروها للمستوطنين الأوائل.